غياب المسرح عن المدارس العربية يغلق أبواب التعبير عن الذات أمام التلاميذ

أنشطة المسرح المدرسي وصفة سحرية تهيئ الأطفال لمواجهة مصاعب الحياة.
الخميس 2020/10/08
مواهب صغيرة بقدرات كبيرة

غابت الأنشطة المسرحية عن معظم المدارس العربية، ولم تعد المسرحيات الخاصة بالطفولة تظهر إلا نادرا في المناسبات، رغم ما تشير إليه الدراسات من أنه من الممكن الاستفادة من تلك الأنشطة بطرق لا حصر لها؛ كما تؤكد على فاعليتها في تحقيق التوازن النفسي على المدى البعيد.

لم تعد الأنشطة المسرحية والدرامية مدرجة في مناهج الدراسة بمعظم المدارس والمعاهد العربية، إضافة إلى قلة الأعمال المسرحية الموجهة للطفل، ما يعني حرمان الأطفال من تجربة مهمة تجلب لهم الكثير من الفوائد النفسية، وتمنحهم فرصا حقيقية لاكتساب المزيد من السيطرة على انفعالاتهم وعواطفهم، وتساعدهم على تطوير قدراتهم الإبداعية وعلاقاتهم الاجتماعية.

وعلى الرغم من وجود بعض النشاطات المدرسية، التي تهتم بالموسيقى والمطالعة، إلا أنها تظل اختيارية وعلى هامش العملية التعليمية. أما الأنشطة المسرحية فأصبحت تقتصر إلى حد كبير على بعض النوادي أو المسارح العمومية، التي باتت بدورها تعاني من أزمات مالية جعلت نسبة كبيرة من الفضاءات الركحية تعلّق أنشطتها إلى أجل غير مسمى، فيما يصارع البعض منها من أجل البقاء في ظل طفرة الأجهزة الرقمية والإلكترونية.

وشددت الكاتبة السورية المتخصصة في أدب الأطفال لينا كيلاني في مقال لها على أن الطفل عندما يتفاعل مع العرض المسرحي بعفوية كما لو أنه حياة تتحرك أمامه، يصدّقها فتصبح بالتالي مجالاً خصبًا لبث القيم والأفكار الإيجابية والبنّاءة.

وقالت كيلاني “الطفل بما يملكه من قدرة على التخيّل يحوّل المستحيل إلى واقع، فهو يؤنسن العالم من حوله بموجوداته من جماد وحيوان، وفي الوقت ذاته لا يتردد أثناء لعِبه في القيام بتمثيل أدوار في ما يسمى بالدراما الإيهامية، وهو يستنطق الأشياء، ويتحاور معها، ويقلد ما يلاحظه من حركة وسلوك في العالم من حوله، وكأنه يهدم ذلك الحد الفاصل بين الواقع والخيال، وإذا بالشجرة تنطق، وبالحيوان يرقص، وبالكرسي يتجول في أرجاء المنزل، وفي عالم من اللامعقول يغذيه الخيال، ويطوره الإبداع، ولكنه يظل في عالم الطفولة لعبا، ومرحا، وتسلية. وقد استفاد المسرح من هذه الموهبة الفطرية عند الأطفال في تجسيد أدوار لهم على خشبته”.

وأضافت “إذا كانت الحيوانات هي الأقرب إلى عالم الطفولة في مراحلها الأولى فما مقدار البهجة والمتعة الذي يحصل عليه الأطفال إذا ما اعتلت تلك الشخصيات المحببة إليهم خشبة المسرح لتغني معهم وترقص؟ وقد تدخل إلى بيوتهم كما الأصدقاء. فالمسرح تنشيط وترفيه، وتعليم أيضاً، وهو كما يصفه بعضهم: حاجة تربوية، وفرصة للإبداع والتثقيف، وهو في الوقت ذاته يتكامل مع دور المؤسسة التربوية، ويستوعب طاقات الأطفال”.

وأكدت أبحاث حديثة على أهمية الفوائد التي تضيع على أطفال اليوم في غياب الأنشطة المسرحية والدرامية بالمدارس، بدءا من تقوية الذاكرة ووصولا إلى توطيد الروابط الاجتماعية.

مشاركة الطفل لرفاقه في عمل مسرحي تجعله يراعي أدوارهم ووظائفهم ويحترمها
مشاركة الطفل لرفاقه في عمل مسرحي تجعله يراعي أدوارهم ووظائفهم ويحترمها

وبما أن مرحلة الطفولة تعد فترة نمو الدماغ وتكوّن السلوك، ينصح الخبراء بضرورة استغلالها بالشكل الأمثل؛ فقد تتيح ممارسة النشاط المسرحي للطفل فرصا ثمينة لتقمص أدوار تمثيلية متعددة، لها تأثير ملحوظ على الذاكرة، كما تزيد من احتمال أن يعيش الطفل مستقبلاً ينطوي على إمكانيات فنية جذابة، وآفاقٍ أرحب.

ومن المهم الإشارة إلى أن مشاركة الطفل لرفاقه في عمل مسرحي، ستجعله يراعي أدوارهم ووظائفهم ويحترمها، ويصغي لكل زميل له وهو يحاوره، وقد يمكنه ذلك من تصنيف الأفكار التي تدور في ذهنه ضمن هذه الأدوار، ما يساعده على تخطي المواقف الصعبة التي قد يواجهها، ويهيئه ليكون أكثر مرونة وأكثر قدرة على التكيف الاجتماعي السليم.

ولاحظ المشرفون التربويون أن الأنشطة المسرحية تصبح على الأرجح أكثر أهمية بالنسبة إلى الطفل في سن التاسعة أو العاشرة، عندما تصبح الصداقة أمراً محورياً في رسم ملامح هوية الطفل، وبشكل خاص خلال فترة المراهقة، إذ يلجأ الأطفال إلى الانطواء والانعزال أو يصبحون متوترين وعدوانين مع أقرانهم، ولذلك فالأنشطة المسرحية تكون أكثر أهمية لمساعدتهم على التكيف مع زملائهم في المدرسة، والتأقلم مع المجموعة والتعلم من الآخرين وقبول النقد.

وفي وقت أصبح فيه الأطفال ينشأون في بيئات تشهد حوادث عنف وجرائم وعمليات اختطاف أو اضطرابات سياسية، وصاروا أكثر عرضة لخطر الإصابة بمرض اضطراب ما بعد الصدمة، يبدو أن ممارسة الأنشطة المسرحية تتيح لهم فرصة الترويح عن النفس والوصول إلى ما يعرف نفسيا بـ”لحظة الحرية النفسية”، ويعني ذلك التحرر من كل المشاعر السلبية داخلهم.

ويؤكد خبراء في علم النفس أن انخراط الطفل في تجارب تمثيلية مسرحية ودرامية يمنحه فرصة تحقيق التوازن النفسي، أي التناغم مع الواقع الذي يعيش فيه، والتنفيس عن الضغوط التي يتعرض لها، وهو ما أمكن قياسه بطرق متنوعة، منها الاستبيانات التي تبحث في سلوكيات الأطفال والمشاكل النفسية التي تصاحب اضطراب ما بعد الصدمة.

وتضاف هذه النتيجة إلى ما خرجت به العديد من الدراسات الحديثة، حيث أظهرت دور الواقع الثقافي المحيط بالطفل في بناء شخصيته ورفع مستوى ذكائه وقدراته العقلية، إضافة إلى حاجة الطفل إلى التربية الجمالية والذوقية منذ مراحل عمره الأولى، وتعتبر الأنشطة المسرحية من بين أدوات تشكيل ثقافة الطفل وصقل مواهبه وتشجيعه على الابتكار والإبداع.

ونظرا لأهمية الأنشطة المسرحية دعت اليونسكو إلى ضرورة الاهتمام بها، وهناك العديد من البلدان التي تدعمها ماديا باعتبارها مكملا لبناء الشخصية السوية.

ورصد الخبراء العديد من التأثيرات الكبيرة للمسرح والدراما على الأطفال، إذ يمكن الاستفادة منهما في نقل محتويات تعليمية معينة إلى الأطفال وتدريبهم على الإحساس بمشاعر مختلفة؛ فمن خلال الأدوار التمثيلية التي يجسدها الطفل أو يشاهدها يستطيع فهم نفسه والتعبير عن انفعالاته، ويكتشف قدراته، كما يمكنه أن يميز بين ما في وسعه فعله وما لا يستطيع القيام به.

21