غروب شمس الحداثة المصرية

هذا ما حدث ثقافيا منذ نهاية الخمسينات وهذه هي النتائج الكارثية.
الأربعاء 2019/10/02
وجوه الحداثة المهدورة (لوحة للفنانة نور بهجت)

كانت مصر نموذجا سباقا في تبني الحداثة والتقاليد العصرية، وقد تمثل ارتباط هذا بنمو الطبقة الوسطى، التي اهتمت بالتعليم والفنون والثقافة إلى جانب اهتمامها بإنشاء الصناعات الحديثة. إلاّ أن هذه الحداثة تضاءلت كثيرا خلال العقود الخمسة الأخيرة إلى أن أصبحت مهددة بالتلاشي.

استمرت الحداثة في مصر 160 سنة فقط لا غير. والمقصود بالحداثة الخروج من سيطرة الفكر العتيق في عصر الإمبراطورية العثمانية المستبدة، وهو فكر تسيطر عليه حكايات الجن والعفاريت، إلى عصر النور والعلم والتعليم الحديث والطب الحديث والزراعة الحديثة، وغير ذلك. بدأت هذه النهضة مع محمد علي (الألباني الأصل)، ويمكن القول إنها انتهت قبل نهاية الخمسينات.

وفي تصوّري أنه كانت هناك أربعة عناصر رئيسية ساهمت في صنع الحداثة المصرية، قد يبدو بعضها مزعجا، لكنها من حقائق الأمور التي لا يجدي معها أن ننكرها، فالإنكار لا يفيد.

أربعة عوامل

هناك أربعة عوامل صنعت الحداثة المصرية، أولها وجود أسرة محمد علي “الملكية” التي لم تكن “عربية الأصول” ولم تكن بالتالي تخضع لفكرة “العروبة” أو تعتبر المحيط العربي لمصر هو المجال الحيوي الوحيد الذي يجب أن تعتمد عليه مصر، وهي الفكرة التي روج لها في الخمسينات محمد حسنين هيكل وأدخلها كعقيدة ثابتة في عقل وفكر صديقه جمال عبدالناصر، وورثها من جاءوا بعده حتى يومنا هذا دون أن تكون لها أسس واضحة عملية يمكن أن تبني عليها وتنطلق إلى الأمام لبناء مجتمع حديث. فقد ظلت دائما “فكرة عاطفية”.

كان العالم العربي في تلك الفترة خاضعا للسيطرة الاستعمارية، مشتتا ممزقا يعيش داخل حلقة مغلقة من الجهل والخرافة. وكان الخديوي إسماعيل يتطلع إلى جعل مصر جزءا من أوروبا، لا ضمن دائرة عربية أفريقية، لكن فكرته هذه جعلها مفكرو نظام 23 يوليو في ما بعد، مادة للتندر والسخرية وظلت عند الكثيرين كذلك حتى يومنا هذا. لكن المفارقة أنها أصبحت في ما بعد تغوي كل العرب باستثناء المصريين الذين ما زالوا يحلمون بفكرة الدوائر الثلاث التي ابتكرها حسنين هيكل: العربية والأفريقية والآسيوية، بل وما زال الكثيرون يأملون من الجهة المقابلة، في تحقيق مشروع “الجامعة الإسلامية”!

كان إنشاء الجامعة المصرية – جامعة فؤاد الأول، تدشينا للتعليم العلمي الحقيقي، العلماني خارج التعليم التقليدي في الأزهر، علما أن الجامعة في أي مجتمع هي أساس النهضة.

أما العنصر الثاني في صناعة الحداثة المصرية فيتمثل في الوجود الفاعل والمؤثر للجاليات الأوروبية في مصر. فقد نقلت هذه الجاليات والأقليات تقاليد حداثية تتعلق بحب الفنون الرفيعة ورعاية الفنانين، والاهتمام بالعلوم والآداب، وأصبحت تقاليدها في الملبس والمظهر والتحرر عموما، مجالا للتشبه من قبل الطبقة الوسطى المصرية الصاعدة، التي اقتبست الحداثة دون أن تتخلى عن القيم والعادات المصرية الأصيلة. ومن أهم ما اقتبسته، الاهتمام بتعليم أبنائها في أوروبا وهو ما يقودنا الى العنصر الثالث أي البعثات العلمية المكثفة إلى لندن وباريس وبرلين وروما.

الطبقة الوسطى المصرية التي ازدهرت ثقافيا وأدبيا واجتماعيا في الأربعينات، أنجبت أسماء كبيرة في الأدب والفكر والفن

ويتمثل العنصر الثالث في البعثات العلمية إلى أوروبا، والتي بدأت في عصر محمد علي، ولكنها كانت مكرسة بالكامل تقريبا لدراسة الصناعات العسكرية التي تخدم رغبته في بناء جيش قوي، وفي ما بعد أصبحت ترتبط بالاطلاع على الفكر السياسي والاجتماعي ودراسة الآداب والفنون، وهو ما أفرز طبقة واسعة من المثقفين وأساتذة الجامعات الذين صنعوا النهضة.

أما العنصر الرابع والأخير فيتمثل في وجود الاستعمار البريطاني الذي أدخل نظامه السياسي كنسخة من النظام السياسي البريطاني، ومعه فكرة الصحف الخاصة واستقلالية القضاء والنقابات والأحزاب والانتخابات التي تتغير طبقا لها الحكومات ويبقى القصر كما هو رأس الدولة، وبناء أجهزة حديثة للدولة تعتمد على التسجيل والرصد لا على شيوخ الحارة والثقافة الشفوية. وعلى الرغم من كل ما وقع من تدخل من جانب القصر الملكي في تغيير الحكومات، وما قيل عن شراء لأصوات الناخبين، أو الفساد الذي نسب إلى المحيطين بالقصر إلا أنه لا يقارن بما وقع بعد ذلك في عهود ما بعد التحرر من القصر والاستعمار! ولكن ماذا حدث منذ نهاية الخمسينات وتسبب في غروب شمس الحداثة؟

مقابل أسرة محمد علي التي كانت منفتحة كثيرا على الحداثة الأوروبية، سيطرت على الدولة فئة من الضباط ذوي الأصول الريفية، محدودي الثقافة، كانوا في معظمهم من المحافظين اجتماعيا. وقد وجدوا أنفسهم أقرب إلى فكر الإخوان المسلمين حتى لو اختلفوا عهم في ما بعد في سياق الصراع على السلطة.

الاقتباس العشوائي

استمرت الحداثة في مصر 160 سنة فقط لا غير
استمرت الحداثة في مصر 160 سنة فقط 

أدى خروج الأقليات الأجنبية إلى غياب التفاعل الفكري والاجتماعي الذي يعد عاملا رئيسيا في ترسيخ فكرة التسامح وقبول الآخر، فنشأ مجتمع الكراهية والتشكك في الآخر. وانتهى زمن البعثات العلمية إلى أوروبا وحل محله زمن “بعثات البحث عن الرزق” في الدول المجاورة والعودة بأفكار مضادة للحداثة في الشكل والمضمون.

خروج الاستعمار الأجنبي واستيلاء الضباط الوطنيين أصحاب الخلفية العسكرية التي تميل للانضباط على الطريقة الفاشية من دون آلة صناعية ضخمة على غرار ما كان قائما في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، أنتج في مصر نوعا من “الفاشية الهشة” التي تصادر الحقوق والحريات باسم مواجهة الأعداء، لكنها تخوض حروبا غير ناجحة بسبب هيمنة المنهج العثماني في العلاقة بين الضباط والجنود.

وقد أبدع الضباط نظاما سياسيا يقوم على شخص الرئيس أولا، ويعتمد، إما على تنظيم سياسي سلطوي شكلي هو في الحقيقة جهاز دولة بيروقراطي مترهل، أو مجموعات تمثل أصحاب المصالح في طبقة رجال الأعمال، وتوابع السلطة في أجهزتها الرئيسية الشرطة والقضاء والإعلام الذي تمت السيطرة عليه منذ تأميم الصحف في أوائل الستينات.

أما تجربة وزير الثقافة (العلماني) ثروت عكاشة في عهد عبدالناصر، التي يُضرب بها المثل في التقدم، فظهرت نتيجة ذهاب ثروت عكاشة إلى “المنفى” في باريس وروما حيث تعلم وتثقف في المسرح والأوبرا والباليه والسينما والعمارة والفن التشكيلي، وقرأ الكتب الثمينة، واطلع على التطور الثقافي الكبير في أوروبا، وعاد في 1958 يحمل مشروعا لإنشاء وزارة للثقافة بغرض تنشيط الحياة الثقافية وجعل مصر في مستوى لا يقل عن مثيلاتها في أوروبا، تماما كما كان ينادي الخديوي إسماعيل.

وجد عكاشة أمامه كبار رجالات الفكر والإبداع الفني والفكري والأدبي والتشكيلي والسينمائي الذين درسوا في أوروبا في الأربعينات، يمارسون الإبداع بقوة الدفع التي تكونت في العشرينات مع تأسيس الجامعة المصرية. أما الرئيس عبدالناصر الذي كان قد حكم بالنفي على ثروت عكاشة إلى أوروبا بعد أن اعتبره خطرا على النظام، فقد رحب بالفكرة بغرض تدجين المثقفين والتحكم فيهم وتسخيرهم في خدمة سياسات النظام، وهي السياسة التي استمرت في ما بعد وأفصحت عن نفسها بكل وضوح عندما رفع وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني شعار “إدخال المثقفين إلى الحظيرة”.

كانت الطبقة الوسطى المصرية التي نضجت في الثلاثينات وازدهرت ثقافيا وأدبيا واجتماعيا في الأربعينات، هي التي أنجبت الأسماء الكبيرة في الأدب والفكر والفن، وظلت هذه الأسماء تفرض نفسها في الخمسينات. وبعد هزيمة 1967 تراجعت فكرة الثقافة بالمفهوم الذي كان سائدا في الأربعينات والخمسينات، وأحكم الحكام قبضتهم على المجتمع والدولة، وجعلوا من عملائهم في أجهزة الأمن، مفكري العهد وكل عهد، وارتضى كثيرون “دخول الحظيرة” طواعية، وتحول البعض إلى التيار الظلامي مع الكارثة التي يسمونها “الصحوة” الإسلامية التي قادها شيوخ التخلف، وانتشرت ملابس الصحراء في المدن المصرية الكبرى.

أصبحت دار الأوبرا تقدم حفلات غنائية للمطربين والمطربات من الدرجة الثالثة، وأصبح جمهورها لا يلتزم بتقاليد الأوبرا، وتم “تأميم” الثقافة رسميا مع إنشاء ما سمي بـ”هيئة الثقافة الجماهيرية” وقصور الثقافة في المحافظات المصرية، بغرض التحكم في النشاط الثقافي بحيث لا يخالف السياسة الرسمية التي تحولت من الاشتراكية البيروقراطية إلى الرأسمالية الطفيلية والعشوائية. ومع زحف التيار الظلامي أغلقت نوادي السينما التي كانت قد ظهرت في أواخر الستينات، ثم أغلقت المجلات الثقافية الرئيسية في عهد الرئيس السادات، وانهارت مقاييس الجودة في الإذاعة المصرية، وانتشر الغناء القبيح، ومسرح التهريج، وسينما المقاولات وتوابعها، والكتب الصفراء التي تروج للخرافات، وتراجعت حركة الترجمة تراجعا مخيفا، وانهار التعليم الجامعي وأصبح يخضع للتلقين من خلال الدروس الخاصة. وهكذا انتهت الحداثة وسيطر الفكر الإقطاعي والشكل العتيق مجددا!

وأصبحت مصر في انتظار صحوة جديدة حقيقية تتجه مجددا نحو الحداثة، ليس في الاقتباس العشوائي لبرامج الكمبيوتر ووسائل الاتصال الحديثة بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، بل صحوة تمس العقول وطرق التفكير وتنتج فلسفة تليق بمجتمع يرغب في الانتقال من العشوائية إلى الحداثة.

15