غاليري "مرفأ" البيروتي يستعيد نشاطه بمبادرة عالمية

معرض "المياه" يسائل الفن: ماذا يحدث حين يعمّ الضجيج؟
الجمعة 2021/06/04
غاليري "مرفأ" يعيد فتح أبوابه بعد انفجار بيروت ضمن مبادرة ثقافية عالمية

بعد مرور ما يقارب تسعة أشهر على انفجار مرفأ بيروت الذي ألحق أضرارا فادحة بكافة قطاع العرض الفني في لبنان، عادت صالة “مرفأ” إلى العرض من خلال معرض جماعي بعنوان “المياه” يستمرّ حتى نهاية شهر يونيو الجاري.

بيروت – تحت عنوان “المياه” افتتح غاليري “مرفأ” الفني نشاطه بعد غياب دام تسعة أشهر إثر تعرّضه لتدمير شبه كامل جراء انفجار مرفأ بيروت في صائفة العام الماضي.

ويوضّح البيان الصحافي المرافق لافتتاح المعرض ماهيته بهذه الكلمات “هذه المبادرة الفنية تقوم بها مجموعة ‘غاليريهات كيورات’ العالمية، ضمن تجمّع فني أطلقته مؤخرا، تشارك فيه إضافة إلى غاليري ‘مرفأ’ صالات أخرى تقع في ريو دي جانيرو ونيويورك وطوكيو وبرلين ليصل عددها إلى نحو عشرين صالة أخرى. وتأتي هذه المبادرة من أجل إعادة جمع الشمل الثقافي في العالم”.

وستتاح مُشاهدة المعرض رقميا عبر مواقع الشبكات الإلكترونية لصالات عالمية، إضافة إلى إمكانية زيارة الأعمال في موقع الحدث، أي صالة “مرفأ”.

ويضيف البيان “الحدث هو عمل مشترك لمجموعة غير رسمية من الغاليريهات المُعاصرة من جميع أنحاء العالم التي اجتمعت لمناقشة كيفية خوض التحديات الجديدة التي تفرضها الأزمة العالمية، وتأثيراتها على الفنانين والعاملين في مجال الفن، حيث أصبحت العلاقات بيننا على مدى أسابيع من التبادل وثيقة وضرورية، واكتشفنا أنّه على الرغم من تفكيك الجائحة للعديد من الأشياء إلاّ أنّها جمعتنا معا”.

تنويعات جمالية موجعة

أقلام رصاص تسبح في المياه (عمل مفاهيمي لباولا يعقوب)
أقلام رصاص تسبح في المياه (عمل مفاهيمي لباولا يعقوب)

بعيدا جدا عن صورة “طائر الفينيق” الذي يخرج من الرماد، والتي استخدمت حتى الاستهلاك الكامل، قدّمت الصالة أعمالا متعدّدة لأكثر من عشرة فنانين لبنانيين، إضافة إلى بعض الفنانين الغربيين. وشمل المعرض وسائط فنية متعددة من منحوتات ولوحات ورسومات وصور فوتوغرافية إلى مقاطع أفلام مصوّرة وتجهيزات فنية.

والفنانون المشاركون هم من الذين تبنت الصالة العرض لهم، وذلك منذ أكثر من ثلاث سنوات (افتتحت الصالة منذ خمس سنوات)، وهم أحمد غصين وكالين عون ولميا جريج وعمر فاخوري وباولا يعقوب ورانيا اسطفان ورائد ياسين وصبا عناب وتالار أغباشيان وتمارا السامرائي وستيفاني سعادة وفارتان أفاكيان.

أما الرغبة في البُعد عن صورة طائر الفينيق الرمزية وإضفائها على “عودة” الصالات الفنية إلى العرض، ومن ضمنها غاليري “مرفأ”، فلا تعود فقط إلى كثرة استخدام هذه الصورة في كافة المناسبات حتى صارت فولكلورية وفاقدة للمعنى بل لأنها في حقيقتها غير مُناسبة تماما.

فليس هناك في تاريخ الأسطورة ما يشير إلى أن الطائر المعنيّ أحرق ذاته عن قصد أو عن غير قصد (كما فعل اللبناني)، ثم خرج منتصرا على ذاته الخانعة من رماده؛ فاللبناني بشكل عام ليس ضحية الآخرين كما هو طائر الفينيق، وهو مسؤول بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن الدمار -بكل أشكاله- الذي أصابه ويصيبه منذ أكثر من ثلاثين عاما.

ويأتي عمل الفنان أحمد غصين، الذي جسّد فيه مسامير حديدية ضخمة يغلب عليها لون صدئ تحت عنوان باهر لاقتضابه وهو “سر من أسرار الدولة”، ليُشير بشكل مُبطّن إلى الدور الذي لعبه اللبناني في مأساته الشخصية من ضمن إحالات أخرى ليست أقل أهمية.

إنها مسامير كانت، حسب الفنان، تستخدم تاريخيا لترسيم حدود بحر بيروت. وفي هذا العمل أعاد غصين صنع البعض منها ليُشير إلى أنه منذ الانتداب الفرنسي لم يجر مسح حدود بحر لبنان.

ويأخذنا هذا العمل الفني إلى مسألة تغلي على نار حامية اليوم، وهي ترسيم حدود لبنان مع الكيان الإسرائيلي، في حين رجحّ مسؤولون أميركيون وإسرائيليون كبار أن “الحكومة اللبنانية، بعد الانفجار في مرفأ بيروت وتفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان وفي ظل حالة عدم الاستقرار السياسي والخوف من العقوبات الأميركية، وافقت على الدخول إلى المفاوضات”.

كما يأخذ عمل غصين الفني المُشاهد إلى اتهام “الدولة” اللبنانية المتقاعسة بضعة عُمال في الحدادة بتسبّبهم في تفجير المرفأ، وبالتالي جرّ لبنان إلى حالة ضعف مُضاعف.

صمت قاتل

تآزر فني مع الوقت البطيء (عمل تجهيزي لستيفاني سعادة)
تآزر فني مع الوقت البطيء (عمل تجهيزي لستيفاني سعادة)

من ناحية ثانية يفضي هذا العمل إلى ما هو أهم: هو مسامير تُدقّ في نعش ظروف الانفجار. وربما أكثر: مسامير دقّت في نعش كل من حاول كشف المعلوم منذ اللحظة التي وقع فيها الانفجار، انفجار يُمكن أن يشكّل رمزا صادقا عوضا عن “طائر الفينيق” ليُشير إلى بداية الخروج باهظ الثمن عن تفاهة صورة ميلودرامية لضحية هي من تفرّدت أو شاركت في قتل ذاتها.

كل الأعمال المعروضة في غاليري “مرفأ” تدور حول موضوع البحر والماء بشكل عام. بعضها سبق أن عُرض في الصالة من قبل ويعود إلى سنوات ما بين 2016 و2018، وتكمن المفارقة في أن الصالة قد أقامت معرضا سنة 2018، أي قبل أن تنهال كل المصائب على لبنان دفعة واحدة، وجاء يومها تحت عنوان “هذه مياه، هذه أرض” وضمّ المعرض مجموعة من الأعمال الفنية التي أُعيد عرض بعضها اليوم.

وتكمن المفارقة أيضا في كون معرض “المياه” كأنه شكّل تتمّة أو هو قدّم جانبا من الإجابة التي طرحها معرض “هذه مياه، هذه أرض”: ما هو التحوّل إلى العالم الافتراضي؟ ما المعاني التي يشكلها تدفق الماء؟ وهل نشبه نحن كبشر حركة الماء المتكرّرة التي لا تهدأ، وما يرافقها من ضجيج وهدير مُقلق؟

يبدو أن جزءا من الإجابة حضر في المعرض الجديد، حيث استحال الضجيج البصري والسمعي صمتا خانقا وخواء مُعلّقا في زرقة غنائية “تغني” المفقود، كما في عمل الفنانة تمارا السامرائي. أو هو محاولة التآزر مع الوقت البطيء، والبطيء جدا كي يتمّ بناء بيت (بأتم معنى الكلمة) قد هوى، كما في عمل الفنانة ستيفاني سعادة.

معرض اليوم في صالة “مرفأ” يجيب بشكل واضح عن سؤال طُرح في المعرض السابق: ماذا يحدث حين يعمّ الضجيج؟

ما يحدث هو ما جاء في إجابة الفنانة كالين عون بتجهيزها الفني الجديد الذي استوحته بذكاء من تجهيزها السابق: “يحدث الانتقال منه (أي من الضجيج الصارخ) إلى الصمت العارم في معادلة قد تكون قاتلة”.

معرض "المياه" شمل وسائط فنية متعددة من منحوتات ولوحات وصور فوتوغرافية إلى مقاطع أفلام مصوّرة وتجهيزات فنية
معرض "المياه" شمل وسائط فنية متعددة من منحوتات ولوحات وصور فوتوغرافية إلى مقاطع أفلام مصوّرة وتجهيزات فنية

 

17