عودة إلى الأصل

ليس معقولا أن يكون بيكون سببا لرؤية فيلاسكز. فالأخير هو الأهم والأفضل والأكثر عصفا.
الاثنين 2021/05/03
رسوم تقيم خارج الزمن (لوحة للفنان الإسباني دييغو فيلاسكز)

كنت أحلم برؤية لوحة رسام عصر الباروك الإسباني دييغو فيلاسكز التي صوّر فيها البابا أنسونت العاشر. أنا في الحقيقة أحب رسوم فيلاسكز (1599 – 1660) وغالبا ما أذهب إلى “ناشيونال غاليري” بلندن من أجل رؤية لوحاته الموجودة هناك. أجلس وأتأمل وأفقد القدرة على السيطرة على أفكاري.

تلك رسوم تتيح للمرء الإفلات من أيّ فكرة مسبقة عن الرسم. رسوم لا تحتاج إلى أن يُحكم عليها فهي تقيم خارج الزمن. غير أنني حين رأيت لوحة البريطاني من أصول إيرلندية فرانسيس بيكون التي حاول من خلالها إعادة رسم إحدى روائع فيلاسكز، اللوحة التي ظهر فيها البابا أنسونت العاشر صرت أشعر أن رؤية اللوحة الأصلية، أي لوحة فيلاسكز، هي الأساس الذي يمكنني من خلاله رؤية لوحة بيكون.

كانت هناك خيانة مبيّتة لطالما تمنيت أن لا تتحقّق. ليس معقولا أن يكون بيكون سببا لرؤية فيلاسكز. فالأخير هو الأهم والأفضل والأكثر عصفا. ولكن فكرة صغيرة يمكنها أن تظل حية مثل حشرة. مرّت سنوات وأنا أبحث عن لوحة رسام عصر الباروك من غير أن أجدها. ذات ظهيرة فيما كنت أمشي في اتجاه ساحة إسبانيا بروما اكتشفت أن هناك متحفا عائليا لم أزره من قبل. قلت “لا بأس لأقضي ساعة في هذا المتحف الذي يضم أعمالا من عصر النهضة وما بعده”، وفعلا لم تكن الأعمال متميزة عن سواها. هناك رفائيل غير أنه لم يكن مبهجا.

وقبل أن تنتهي جولتي اهتديت بمحض الصدفة إلى مكان صغير مفصول عن إحدى القاعات فدخلته، فإذا بي أجد نفسي أمام لوحة فيلاسكز التي أبحث عنها. وحدها كانت هناك. كأن مَن وضعها هناك كان قد خطّط لوقوفي طويلا أمامها. كان عليّ أن أقف أمامها بإجلال فما من مقعد في ذلك المكان الضيق. حين أفقت اكتشفت أن هناك طابورا قد تشكل من أجل رؤية اللوحة.

لم يبق أمامي سوى أن أتساءل “هل كان بيكون مصيبا في تحديه أم أنه غامر بطريقة صبيانية للتأكّد من قدرته على اختراق عالم فيلاسكز؟”، لقد اختار سيدة أعمال فنان عصر الباروك ليصنع من خلالها واحدة من أهم لوحاته. خلاصة ذلك تكمن في أن الفن تواصل وليس جزرا مفصولة.

16