عندما يكون انتظار الموت فنا!

عدم الخوف من اللحظة النهائية الفارقة التي يتعرض لها البشر ليس مبررا للاستعداد للموت كما يفعل أولئك الناس في الفن السويدي الغريب حد الحماقة.
الاثنين 2021/11/22
ما معنى أن ينتظر الإنسان موته

واحد من بين أكثر الكتب مبيعا وفق تصنيف صحيفة نيويورك تايمز ما دونته مارغاريتا ماغنوسون بعنوان “الفنّ السويدي للترتيب ما قبل الموت” وهناك 18 ألف متابع على فيسبوك لصفحة الكتاب الذي ترجم إلى لغات عدّة.

لا أملك تفسيرا لهذا الشغف بالموت، ليس لأنني لم أقرأ الكتاب، لكن وفق تساؤل ما معنى أن ينتظر الإنسان موته، بل ما أصعب أن ينتظره، ومن يستطيع رفضه أصلا!

كان أحد شعراء مدينة الناصرية جنوب العراق يعبر بدهشة مضاعفة عن أمه التي كانت تبكي على أمها التي لم تمت بعد! ولا يمكنني الزعم أن هذه السيدة البسيطة قد عرفت فن “داستادنينغ” السويدي الذي يرتب فيه كبار السن منازلهم استعدادا للموت. غموض هذا الفن متأتّ من الغموض الذي يكتنف الموت على مر التاريخ، لكن هل يمكن لنا تصنيفه ضمن العبث الإنساني المرتب؟

واحد من بين أكثر الكتب مبيعا وفق تصنيف صحيفة نيويورك تايمز ما دونته مارغاريتا ماغنوسون بعنوان “الفنّ السويدي للترتيب ما قبل الموت”
واحد من بين أكثر الكتب مبيعا وفق تصنيف صحيفة نيويورك تايمز ما دونته مارغاريتا ماغنوسون بعنوان “الفنّ السويدي للترتيب ما قبل الموت”

تنقل وكالة الصحافة الفرنسية عن الكاتبة ماغنوسون قولها “يقضي الأمر بالاعتناء بكلّ التفاصيل التي سنخلّفها بعد وفاتنا، فترتيب شؤون البيت قد يجلب ذكريات طيّبة، وإذا لم يكن الحال كذلك فلا بدّ من التخلّص من هذه المقتنيات”.

لا ينتهي هذا العبء بثقله على الإنسان المترقب موته، بل ثمة عبء مضاعف عن كيفية تقبله. الموت ليس سفرا كي نعد حقائبنا مبكرا، بل ولماذا نستعد له؟

ذلك نوع من الحماقة التي تمثلها مدونة أميركية تطبّق مفاهيم كتاب ماغنوسون عبر مقاطع فيديو وتحظى بثلاثة ملايين مشاهدة للشريط الواحد الذي تعرضه على الإنترنت.

صحيح أننا ندرك جميعا عدم قدرتنا على العيش للأبد، لكن لماذا لا ندرك أن انتظار الموت لا يبدد الغموض الذي يكتنفه منذ الأزل؟ عدم الخوف من اللحظة النهائية الفارقة التي يتعرض لها البشر ليس مبررا للاستعداد للموت كما يفعل أولئك الناس في الفن السويدي الغريب حد الحماقة.

ثمة ما هو أجدى منه فَعَله صديقي الإنجليزي الذي تمتع بحياته منذ أن عمل جيولوجيا في دول عدة من بينها أكثر من دولة في الشرق الأوسط. عاش حياته وحيدا رافضا الزواج، وكان يبرر ذلك بأنه خياره المثالي. لا يرتبط كثيرا بمقربين له سوى شقيقة في مدينة بعيدة نسبيا عنه لا يزورها إلا في أعياد الميلاد. وعندما شعر بأنه لم يعد في العمر متسع لم يفرّط في خيار أن يعيش حياة سعيدة. باع منزله بكل ما يحتويه فجلب له ثروة في نهاية حياته وانتقل إلى دار فخمة لرعاية المسنين. عاش آخر حياته في الدار التي تعادل فندقا من ستة نجوم. كان صديقي يتمتع بالساعات الأخيرة من حياته، لكنه لا ينتظر الموت، كما فعلت مارغاريتا ماغنوسون في كتابها الأكثر مبيعا!

20