عمر حمدي الرسام الذي أبهر العالم ولم يُطرب صعاليك الحي

في الذكرى السادسة لرحيله.. "مالفا" لا يزال ظاهرة تشكيلية سورية.
الثلاثاء 2021/10/19
امرأة الانتظار

“مزمار الحي لا يُطرب”.. مقولة شعبية تمّ ويتمّ تداولها في أكثر الأوساط الاجتماعية على امتداد الشرق، ونستمرّ في رمي صاحبه بكل حجارة الله حتى يسقط. “نحن قوم ينام الرب في داخل كل فرد منا وننسى أنفسنا. وحده الربّ يستيقظ فينا، فنحسّ بأننا الرب ذاته، وبأننا ما إن نقول كن يجب أن يكون”. هذا الكلام ينطبق على الفنان السوري الكردي الراحل عمر حمدي الشهير بـ”مالفا” الذي أبهر العالم ولم يُقنع صعاليك الحي.

لا نرى النجاح إلاّ في ذواتنا، فالمبدع نحن، والمميّز نحن، والذي يُحْيي العظام نحن. نحن الرب لا قامة يعلو أمام هاماتنا التي تنطح السحب والسموات، نعم نحن قوم لم نمارس أبجدية الحياة، ولهذا نُمسك من ياقة الناجح منا ونجرّه إلى القمامة التي نحن منها والتي باتت تنتشر بقوة وكثافة على امتداد جهات الحي، نعم، “مزمار الحي لا يُطرب”، قلناها كثيرا، وعزفنا عليها طويلا ومازلنا نعزف.

مقولة تقال حين يتمايز أحدهم عن أقرانه، ويبدأ ضوءه بالسطوع في الأعالي، ويبدأ الآخرون من خارج الحي في تمجيده وتقديره، ويضعونه في المكانة التي تليق به، مكانة عالية مع أرفع الأوسمة، وحدهم أبناء الحي يجحدون في حقه، بل ويسعرون عليه كلابهم علها تنهشه وتنهش نجاحه وتعيده إلى ما كان عليه، إلى بيته الطيني المسكون بالفئران والعقارب (حسب قولهم)، إلى بيت فيه ينهال الأب ضربا على أمه دون أن يعرف أو تعرف السبب، وعليه كلما شاهد أصابعه مغموسا بالألوان، يهاجمونه ويحاسبونه على كل شيء.

مالفا خلق مستقبلا جديدا من اللون والحب بعيدا عن ذلك الانحطاط الفني التي تشكو منه أوروبا

عالمي هناك.. بسيط هنا

نعم، على كل شيء بما فيها طريقة مأكله وملبسه ونومه ومشيته، بل وحتى في ما يأتيه من أفعال إنسانية أملتها الطبيعة، الأهم أن يتم اصطياده وإن لم يكن الماء عكرا، هذا الحال ينطبق على سفير سوريا في الأرض الفنان الراحل عمر حمدي الشهير بـ”مالفا” (1951 – 18 أكتوبر 2015) الذي استطاع أن يقدّم الفن السوري، بل والعربي أيضا، في كبرى المتاحف العالمية.

فبدل أن نكرّمه أكثر من الآخرين ونبيّن للآخر بأنه أنموذج عنّا جميعا، فهو يمثلنا في كل مكان يتواجد فيه، وبأن الحليب الذي رضع منه رضعنا نحن منه، حيث أعماله الآن تسرد حكاياتنا في أكثر متاحف الأرض وأهمها.

بدل من أن نتفاخر به، ونقول إن شعبا أنجب مالفا لا يمكن أن يقهر، وبدل أن ندعو إلى إقامة متحف له وباسمه أسوة بالفنانين الكبار الذين باتت دولهم تعرف بهم، ويضم أعماله ومقتنياته وكل ما يتعلق به، يأتي ابن الحي ليقول عن مزماره بأنه لا يُطرب، وبأنه ليس أكثر من دهان تعلمها أثناء عمله في كتابة إعلانات السينما وبروشوراتها.

يأتي ليرميه لا بحجرة بل بكومة أحجار، وبالعودة إلى ذلك ابن الحي، فهو إما أن يكون جاهلا بالفن وقيمته أو يكون من حزب سياسي لا يفقه من السياسة أبجديتها، لا يفقه غير التصفيق والماع الطويلة وهو يمشي خلف المرياع مبجّلا إياه دون أن يعرف إلى أين؟ أو يكون من فصيلة القائلين “الفن لا يُشبع خبزا”. وبالتالي فهو بعيد أيضا عن ماهيته وعن خالقه، أو قد يكون فنانا مغمورا أصبح له سنوات طويلة وهو على موائد أوروبية لم يسمع باسمه إلاّ زوجته، ولم ينجز ما يتجاوز الدروس الفنية التي كان يأخذها على موائد الكليّة.

وإما أن يكون من باب الغيرة، فنحن أبناء الشرق نرمي الناجح بمليون حجرة حتى يسقط، لم نتعوّد على الاعتراف ببعض، هذا الاعتراف الذي يرفع من شأننا لا العكس، ولنقرأ ما قاله الآخرون عنه علّنا نصحى من غفلتنا.

قال عنه الدكتور في النقد وعلم الجمال ديتر شيراكة مدير متحف الفن الحديث في العاصمة النمساوية فيينا “إن من الخطأ أن نتصوّر بأن الفن الأوروبي فقط باستطاعته أن يصبح عالميا، مالفا يثبت بجدارة، بالرغم من انتمائه الآسيوي، بأن الفن قوة نابعة من الألم”.

وقال أيضا “للوهلة الأولى للمتأمل لأعمال مالفا يشدّه هذا الفيضان اللوني المنساب من يده على اللوحات، وإلى أهمية هذا اللون وحركته وتوزيعه ممّا يدفعنا لمقارنتها بأعمال كوكوشكا، وفان غوخ وكيرستن في النمسا”.

الفيضان اللوني المنساب على القماشة حوّلها إلى سيمفونية بكل ما تحويه من آلام عمر حمدي الداخلية وأوجاع شعبه

أما الناقد الإيطالي مارسيلو أفيتالي والأستاذ في أكاديمية الفنون الجميلة في العاصمة الإيطالية روما، فقال “خلق لنا مالفا مستقبلا جديدا من اللون والحب، بعيدا عن ذلك الانحطاط الفني التي تشكو منه أوروبا”.

على حين قال عنه الناقد والفنان التشكيلي الفلسطيني عبدالله أبوراشد بأن الفنان التشكيلي السوري عمر حمدي يعدّ ظاهرة فنية تشكيلية سورية تجاوزت حدود الجغرافية السورية والوطن العربي، لتحفر لها مكانة مميّزة في ذاكرة الحركة التشكيلية العالمية، وروّاد الفن وصناعه باعتباره واحدا من مشاهير الفن التشكيلي المعاصر.

ويقول الناقد والفنان التشكيلي السوري أديب مخزوم بأن عمر حمدي لا يمكن التعريف به إلاّ كواحد من أهم الفنانين المعاصرين وأكثرهم موهبة وقدرة على تجسيد الحركة الحية في الرسم الانطباعي والتجريدي معا، وهو يقدّم عوالم جمالية تشكيلية حديثة تنتشلنا ولو للحظات من دوّامة القلق والاضطراب والمعاناة المتواصلة.

أما الناقد التشكيلي الذي لا يموت صلاح الدين محمد، فيقول “عمر حمدي في لوحاته لون يعيد في الأذهان عصر التألق في الفن العالمي، وخاصة في الخمسين عاما التي سبقت وتجاوزت عام 1900 حينما لعب اللون دورا حاسما في التشكيلات الحديثة”.

ويقول عنه الدكتور والناقد والأستاذ في كلية الفنون الجميلة بدمشق محمود شاهين “إن لم يكن مالفا أهم ملوّن في هذا العصر، فهو حتما من الملوّنين المهميّن”، ويقول أيضا “عمر حمدي أصبح في رحاب العالمية، لقد حقّق حلمه بالسفر والانتشار، أثبت وجودا فنيا كبيرا في أكبر دول العالم”.

شجرة مثمرة

وجوه تشبهنا وتحاكينا
وجوه تشبهنا وتحاكينا

أما الباحث الدكتور سعيد الرفاعي، فيقول “عمر حمدي فنان من سوريا يدخل قائمة الفنانين العالميين، لوحاته سيمفونية تظهر آلامه الداخلية وآلام شعبه، إنه واحد من التجريديين الكلاسيكيين، وواقعية بلا ملامح، خصوبة في اللون، حركيّة المحتوى، داكنة الأجواء، وبنائية الشكل”.

وتبدي سيلفيا سينجر مديرة إحدى قاعات العرض في فيينا بالنمسا أسفها لأن الولايات المتحدة أخذت عمر حمدي أكثر من بلدها النمسا، وتكمل “استطاع مالفا أن يرسّخ اسمه في أكبر بوابات أجهزة الإعلام الغربية، وصدرت عن أعماله مجموعة كتب وكاتلوغات، وتقاويم سنوية، وملصقات جدارية، كما دخل اسمه القاموس الدولي ‘من يكون؟’ السويسري”.

ويقول الناقد والفنان التشكيلي سعد القاسم “بين أعمال عمر حمدي الواقعية وأعماله التجريدية خط غير منقطع لا يصعب على المتأمل اكتشافه، خط يمتدّ من تجاربه الأولى إلى أحدث أعماله وقوامه وامتلاك بارع ومبدع للضوء واللون يفسّر من جهة أهميتها في فن التصوير، ويبرّر من جهة ثانية وصف حمدي بأنه واحد من أهم الملوّنين في عصرنا”.

نكتفي بهذه الآراء التي ما هي إلاّ غيض من فيض، ما هي إلاّ قطرات ممّا هطلت على حقول مالفا، فالغيوم كثيفة، والأمطار بعدها كانت غزيرة ليس بمقدورنا أن نجمعها جميعا، بل نعجز نحن والمجلدات ذاتها تعجز عن ذلك، لكن فقط نذكر بأنه الفنان التشكيلي الوحيد الذي ينتمي إلى الشرق ويرد اسمه في قاموس “الفن التشكيلي العالمي” الذي تصدره مجلة “فلاش آرت” المعروفة، وأيضا في قاموس الفنانين العالميين.

وأخيرا إذا كنّا جاحدين كأبناء حيّه كل هذا الجحود بحقه، فلم نقدّم له شيئا من مستحقاته الكثيرة في ذمّتنا، حتى أننا كشرقيين لم نكن مخلصين لطقوسنا، ولم نستجب لوصاياه القليلة، فلا دفناه في التربة التي ولد منها، ولا أحرقنا جثته لنضع رمادها في متحف ما، بل لم نستجب حتى لتلك الوصية الصغيرة التي قالها مرة في أحد حواراته بأنه يحب أشياءه الصغيرة التي لا ثمن لها وتشكّل ثروته التي يتمنى أن يضعوها (ويقصد الفراشي) معه في قبره.

عذرا مالفا، نحن قوم نكره الناجح ونطعنه إلى حد التلاشي، نحن قوم لا يليق بك أن تكون بيننا، ولهذا تركتنا في موتنا ومضيت باحثا عن حياة جديدة تليق بك وبقامتك وريشتك وإنسانيتك.

في النهاية وجب التنويه بأن هذه المادة كتبت في الذكرى الرابعة على رحيل مالفا، لكن وجدتها مناسبة في الذكرى السادسة على رحيله، فما زلت أسمع نقيق بعض الأقزام من أبناء ملته يرمونه بحجر ناسين أن الشجرة المثمرة هي التي ترمى بحجر.

Thumbnail
15