عمال التراحيل بمصر يلتقطون رزقهم من براثن كورونا

مسنون يخشون من تأثير الوباء على فرص العمل وليس الإصابة بالمرض.
الثلاثاء 2020/12/01
كل الأيام شقاء

ماذا يفيد وعي العمال بخطر فايروس كورونا وهم المعيلون الوحيدون لعائلاتهم، فهم مجبرون على البحث عن يوم عمل رغم خطر الوباء، ولا يخافون إلا من فايروس الفقر الذي يعانون منه منذ ولادتهم، ويزيدهم ألما كلما ظلوا يوما أو أياما عاطلين عن العمل.

مع فجر كل يوم، ينتشر عمال التراحيل في بعض ميادين القاهرة، يفترشون الأرصفة في سكون أمام مطرقاتهم وأعمدتهم الحديدية الغليظة، لا يعبأون بقلق الكثيرين من فايروس كورونا، أو إمكانية تعرضهم للعدوى والإصابة، فتركيزهم منصب على السيارات المارة أمامهم، يبحثون فيها عن زبون يسخّر قوة أذرعهم.

يحمل عمال التراحيل مسمى شعبيًا آخر ينطبق مع المجهود البدني الشاق لمهنتهم “الفواعلية”، ويرتبطون مع الشقاء بزواج كاثوليكي لا طلاق منه، فمهنتهم ظلت متلازمة مع “السخرة” ومبدأ لم يتغير منذ قرون “العرق مقابل الرزق”.

أسفل كوبري السيدة عائشة في حي مصر القديمة بالقاهرة، دأب السيد اليمني (65 عامًا) على التواجد منذ نحو خمسة عقود، حاملاً معه معداته التقليدية التي يعتبرها الدعاية الوحيدة عن مهمته، لم يعبأ يوما بالأخبار المنتشرة حول كورونا أو مطالبة الإدارات الصحية بارتداء الأقنعة، فلا رفاهية لمن يعيش حياته يوما بيوم أن يمكث في المنزل ويهنأ بالراحة.

يجلس الرجل بجوار العديد من العاملين في مهنته متلاصقين، يقتسم معهم لقمة الخبز، ويرتشف معهم من كوب الشاي ذاته الذي يوزع أحيانا على ثلاثة، ويشرب من زجاجة مياه بلاستيكية واحدة بهت لونها من كثرة الاستخدام، ينظرون شزرًا لمنافذ متحركة تبيع الأقنعة والمطهرات الكحولية بالقرب من مكان جلوسه المعتاد، ويعتبرها ترفا لا يستطيع الوفاء به.

يقول اليمني، الذي لا يعود لأسرته المكونة من 6 أبناء وأمهم بمحافظة سوهاج بجنوب مصر، إلا في المناسبات، إنه لا يمكنه إنفاق أموال على تطهير يديه أو أدواته، فالأفواه الجائعة التي يطعمها تحتاج إلى كل ما يكسبه، والجنيهان ونصف (15 سنتا) ثمن القناع ربما يحتاجها غدًا في شراء طعام إفطاره، فطلبات المعدة أهم من مخاوف كورونا.

كل ما يخشاه العجوز تأثير الوباء على فرصه في العمل وليس الإصابة بالمرض، فمنذ ظهور كورونا تضرر العاملون في التراحيل بصورة قاسية، مع تأجيل أصحاب الوحدات السكنية مخططات تغيير ديكور منازلهم أو إحداث تغيير بأرضياتها، وخشيتهَم من دخول غرباء منازلهم فربما يكونون حاملين للوباء.

يقيم عمال التراحيل، وغالبيتهم قادمين من قرى شديدة الفقر في صعيد مصر، في غرف مشتركة تجمع الواحدة منها بين 5 و8 أشخاص لتقليل أعباء الإيجار، تجمعهم الظروف ذاتها فلا يملكون مصدر دخل بمقارهم الأصلية، وبعضهم يعمل بالقاهرة بينما تزاول الزوجات أعباء مشابهة في تأدية خدمات بالأجر في جمع المحاصيل بالمحافظات المجاورة.

الوجوه والأرصفة

وباء البطالة يصيب الشباب
وباء البطالة يصيب الشباب

تتغير سحنة الجالسين على الرصيف في انتظار الرزق كلما مر الوقت، في الصباح الباكر تعلو البعض الابتسامة، وتتضاءل الآمال في أعينهم كلما اقتربت الشمس من الاعتدال بمنتصف السماء، فحلول الظهيرة معناه عدم حضور مقاولين باحثين عن عمالة أو زبائن، وأنهم يطوون يومهم بلا عمل.

يبادر العمال بالأسئلة قبل أن تسألهم عن حياتهم في خضم الوباء، لا ترتبط أي من استفساراتهم بما يشغل العالم من أخبار حول صراع اللقاحات وحصة الدول منها والموجة الثانية للإصابات أو حتى طرق الوقاية، استفساراتهم مادية صرفة، وأسئلتهم المتكررة هي: هل ستعاود الحكومة إلزام المواطنين بعدم الخروج من المنازل؟ متى تصدر قرارًا باستئناف أعمال البناء المتوقفة منذ عدة أشهر؟ هل سيقدمون لنا منحة المتضررين من كورونا أسوة بغيرنا من القطاعات أم لا؟

سمع الكثير من عمال التراحيل عن منحة الـ500 جنيه (32 دولارًا) التي وفرتها الحكومة  للعمالة غير المنتظمة المتضررة من توقف بعض النشاطات الاقتصادية جراء انتشار كورونا، لكن لم يحصل أي منهم عليها، فغالبيتهم لا يعرف القراءة والكتابة من الأساس، ولا يحملون إلا هواتف تقليدية لم تطرق شبكات الإنترنت أبوابها، وتاهوا في تفاصيل مكاتب البريد ومتطلباتها.

لجأ بعض العمال للزبائن الذين يقدمون الخدمات لهم لتسجيل أسمائهم على موقع وزارة القوى العاملةعلى شبكة الإنترنت، للحصول على المنحة وبعضهم تم تسجيل اسمه ثلاث مرات من قبل أشخاص مختلفين، لكنهم لم يحصلوا على جنيه واحد فنشاطهم خدمي غير رسمي، ولدى بعض المسؤولين اعتقاد أنهم يجنون مكاسب كبيرة من تأجير قوة أذرعهم.

أمام مقهى متهالك، يجلس أحمد مصطفى (58 عاما) القادم من محافظة قنا، بجنوب مصر، على مصطبة خرسانية، لا يستطيع الاقتراب من الكراسي الخشبية حتى لا يضطر إلى شراء مشروب من الشاي يكبده 3 جنيهات، ينتظر بفارغ الصبر مقاولاً وعده بالاستعانة بخدماته في حمل عدة أمتار من الرمال إلى الطابق الثالث في حارة ضيقة بمنطقة الكيت كات بحي الجيزة المتاخم للقاهرة.

يقول الرجل، الذي لم ير أسرته منذ مارس الماضي، أن أهم خبر ينتظره في العام كله حاليا هو استئناف أعمال البناء في المحافظات الذي جعله حالًيا ينقب عن رزقه بإبرة والدخول في معركة مع الوقت لجمع أموال تمكنه من إدخال البهجة على أسرته في عيد الفطر المقبل الذي يحسب الأيام المتبقية عليه من الآن.

أصدرت الحكومة في يونيو الماضي قرارًا بوقف إصدار التراخيص الخاصة بإقامة أعمال البناء أو توسعتها أو تعليتها أو تعديلها مع إيقاف استكمال أعمال البناء للمباني الجاري تنفيذها لمدة 6 أشهر بمحافظات القاهرة الكبرى والإسكندرية والمدن الكبرى.

لدى مصطفى كمامة من القماش لا يرتديها إلا في حال إصرار الزبون عليها أثناء اصطحابه في سيارته، بالنسبة له تتعارض مع مهنته التي تتسارع فيها ضربات القلب، ومعدلات التنفس جراء الضرب بالمطرقة بيد واحدة، لتفتيت القطع الخرسانية التي لا تستطيع أن تدخلها معدات الهدم الحديثة.

لم يسمع “الفواعلية”عن قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الذي أصدرته الحكومة قبل شهور، ويحدد حصة اشتراكات تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة لفئات العمالة غير المنتظمة المحرومين من التأمين عليهم بواقع 9 في المئة من الحد الأدنى لأجر الاشتراك شهريا، على أن تتحمل خزينة الدولة اثنين في المئة من الحد الأدنى لأجر الاشتراك شهريًا عليهم بصورة مباشرة.

يقول ثلاثة منهم في نفس واحد “نتقاضى 50 جنيًها (3.2 دولار) عن اليوم”، وحتى ذلك الدخل الضئيل غير منتظم، فكيف نضيف على أنفسنا عبئا جديدا غير أعباء الخدمات والكهرباء والإنفاق على الأسرة.

تبدو مشكلة عمال التراحيل في فرض مقاولي الأفراد (الذين يجمعون العمالة) شروطهم، ففي النهاية يحتاج المقاول أو الزبون ثلاثة لإنجاز مهمته، وتكالبهم على أي سيارة تفتح بابها أمامهم، لا يعطيهم مساحة للتفاوض، فيتصارعون للقفز داخلها، ويقبلون بأي شروط، حتى لا ينهون يومهم بيد خالية الوفاض.

الارتباط بالقدر

العمال لا يمكنهم إنفاق أموال على أدوات التطهير، فالأفواه الجائعة تحتاج إلى كل ما يكسبونه
العمال لا يمكنهم إنفاق أموال على أدوات التطهير، فالأفواه الجائعة تحتاج إلى كل ما يكسبونه

لا توجد إحصائية حكومية حول عدد عمال التراحيل، لكن مراكز حقوقية تقدر عددهم بنحو 5 ملايين شخص، يتنوعون بين العمالة الموسمية الزراعية وأعمال البناء والمقاولات، والغالبية العظمى منهم قادمون من محافظات الصعيد.

لا يزال هؤلاء العمال يتشككون في فايروس كورونا، رغم إصابة الملايين به عالميا، يقولون لبعضهم إنهم لم يسمعوا عن إصابة أي ممن يعرفونه بمهنتهم، وكل ما يصاب به البعض هو آلام العضلات وقدر من الصداع جراء العمل في الشمس المباشرة، يعتبرون أن أفضل علاج لمواجهتها هو تناول البصل باستمرار.

يشير قدري عطية (55 عاما)، القادم من إحدى قرى الجيزة، إلى أنه يجلس عاطلا بعدما داست قدمه سيارة قبل شهرين، في أعقاب يوم عمل شاق، استمر قرابة 12 ساعة.

لا يبدي الرجل الذي تحمل قدمه المتورمة أثار جرح كبير خوفا من أي مرض مرددا عبارة “كثرة الحزن تعلم البكاء”، فقبل عدة أعوام سقط من سقالة، وقبلها هوت قدمه من سلم فوقه، وفي كل مرة يتحامل على المرض ويعاند الألم.

يعتبر العمال التطور التقني عدوهم الأول فقبل سنوات كان العمل والدخل جيدًا، قبل أن يتعاظم استخدام الأوناش الضخمة وماكينات الخرسانة الجاهزة والآلات الزراعية المتطورة التي قللت الاعتماد على العنصر  البشري.

يؤكد علي الصعيدي (44 عاما)، أنه لم يرتد قناعًا منذ ظهور الوباء بمصر، فثقته في القدر غير محدودة، فحجم الابتلاءات التي عاناها في الحياة كبير، ولن يختبره الله بالمزيد منها، وحتى لو أصيب به ومات، فليست بمشكلة عنده، فما عند الله أفضل مما يعيشه في الدنيا.

فقد الرجل ابنيه في حادث انقلاب سيارة متجهة قبل نحو عقد أثناء توجههم للعمل بمزارع الفاكهة في منطقة النوبارية،  شمال شرق القاهرة، وانقطعت معهما آماله في الإنفاق عليه وعلى زوجته، واضطر إلى النزول بحثا عن مصدر زوق.

يتعرض بعض عمال التراحيل المتخصصين في الزراعة إلى حوادث متكررة. فغالبًا ما يتم شحن الأعداد الكبيرة منهم في سيارات نقل مكشوفة مخصصة للبضائع، وحال انقلابها يكون أمل النجاة محدودًا، ومن ينجو لا يتلقى أي عون من صاحب العمل، وقد يعيش حياته الباقية عاجزا يقتات من مساعدات “أهل الخير”.

فتحت المشروعات التي دشنتها الحكومة باب رزق لأعداد من عمالة التراحيل، لكنها لا تستقبل سوى صغار السن الذين يرى المقاولون أنهم قادرون على العطاء، لتظل الأرصفة المأوى والسبيل للفئات الأكبر سنا، ويجعل بعضهم الرصيف هو العنوان.

ماض أليم

الرزق مقابل العرق
الرزق مقابل العرق

يعود عادل سعد (34) عامًا بذاكرته إلى الوراء حينما كان صغيرا والحكايات التي سمعها من أسرته عن أناس من قريته ماتوا بوباء الكوليرا ولم يعودوا كما لم تعد جثامينهم، ويقول إن ما يخشاه ليس الموت، لكن الغربة وألا تعود جثته بعد وفاته إلى المكان الذي شبّ فيه حتى يشعر بالراحة الأبدية، بعد عناء العمر الطويل.

يشير الرجل إلى انتشار الكوليرا في مصر التي سمع عنها من والده، حيث ضربت منطقة الدلتا قبل نحو 70 عامًا، ومات المئات من العمال، وتم دفنهم على الطرق الترابية كما لو كانوا جنودًا مجهولي الهوية.

وعبّرت رواية “الحرام” للكاتب الراحل يوسف إدريس، التي تم تحويلها إلى عمل سينمائي بالاسم ذاته عن قدر من المعاناة والسخرة التي عاشها عمال التراحيل في جني المحاصيل الزراعية، واضطرت بعض السيدات للسفر إلى مدن بعيدة من أجل الإنفاق على أبنائهن وأزواجهن المرضى.

يحمل إقناع عمال التراحيل بالحديث عن حياتهم في خضم وباء كورونا قدرًا من الصعوبة، يقولون إنهم سئموا الحديث الذي لا ينعكس على أحوالهم المالية والمعيشية، بداية من الوعود بالنظر إليهم عبر قرارات رسمية، وحتى مبادرات الفنانين ورجال الإعمال على مواقع التواصل الاجتماعي بدعمهم، لم تنزل من الواقع الافتراضي.

تحمل الأجيال الجديدة من المهنة قدرا أكبر من المرونة مثل أحمد حسن  (25 عامًا) الذي عمل في رفع مواد البناء، معتبرا أن كورونا فرصة من أجل إنشاء رابطة أو نقابة خاصة بهم تدافع عن شؤونهم، يساهمون فيها بجزء رمزي من دخلهم في سن صغيرة على أن تتحمل الحكومة الباقي وتستثمرها بما يقنع العمال مع تقدمهم في العمر.

يحمل أحمد كمامة في جيبه خوفا من أن يتعرض إلى الغرامة التي فرضتها الحكومة على من لا يرتديها، ويستخدمها حال دخول مترو الأنفاق أو في المواصلات العامة، ثم يحتفظ بها مجددًا ولا يغيّرها إلا بعدما تتسخ تماما، ورغم معرفته بخطورة تلك الممارسات لكنه يعتبر أن ما يخشاه هو التغريم وليس المرض.

سخر الشاب حينما عرف أن سعر لقاح كورونا يترواح بين 50 و70 دولارا، بما يتجاوز الألف جنيه مصري، يقول إن ذلك المبلغ كان سببا في حبس بعض أقاربه في قضايا وصولات أمانة، وحال توفير الحكومة جرعة مجانية لكل المواطنين سيرفض أن يتناولها، فكل ما يريده الحصول على مقابلها نقدا، وليفعل الوباء بجمسه ما يشاء.

لا يعبأ عمال التراحيل بالمرض فما يكابدونه من مشاق أشد ألمًا، كل ما يخافونه هو انحناء الظهر وضعف عضلات الأذرع، ووهن الأقدام عن حمل الأثقال، وتداعي الأعضاء طالبة الراحة، لأنها مؤشر على عدم قدرة الجسم على بذل المزيد من الجهد وعجزه عن الوفاء بمتطلبات مصدر الرزق.

20