عمالقة وادي السليكون يشترون السلم الاجتماعي

من يستطيع بعد اليوم أن يقول إننا طوباويون؟
الاثنين 2021/06/14
مصنع للسيارات اختفى منه العنصر البشري

قريبا يكتشف العالم أن مخاوفنا من التكنولوجيا، خصوصا الذكاء الاصطناعي، لا مبرر لها، وأن ما أجمعنا على اعتباره شرا سيقربنا من تحقيق حلم المدينة الفاضلة، حيث كل فرد يقدم حسب كفاءاته، ويأخذ حسب حاجاته. والبداية جاءت بحل لفقدان الوظائف والصراع الاجتماعي الناجمين عن الأتمتة والذكاء الاصطناعي تقدم به عمالقة وادي السيلكون لشراء السلم الاجتماعي.

قريبا يكتشف العالم أن مخاوفنا من التكنولوجيا، خصوصا الذكاء الاصطناعي، لا مبرر لها، وأن ما أجمعنا على اعتباره شرا سيقربنا من تحقيق حلم المدينة الفاضلة، حيث كل فرد يقدم حسب كفاءاته، ويأخذ حسب حاجاته. والبداية جاءت بحل لفقدان الوظائف والصراع الاجتماعي الناجمين عن الأتمتة والذكاء الاصطناعي تقدم به عمالقة وادي السيلكون لشراء السلم الاجتماعي.

أخيرا اتفق وزراء مال مجموعة السبع حول ضريبة دنيا نسبتها 15 في المئة على أرباح الشركات الكبرى وتوزيع العائدات الضريبية للشركات متعددة الجنسيات. وبينما يرى البعض أن الحكومات تعاقب الشركات على نجاحها، وصف آخرون الاتفاق بـ”النبأ السار للعدالة والتضامن” مطالبين بضرورة أن تتبعه قرارات أخرى، مشيرين إلى أن الشركات الكبرى استفادت من مآسي الشعوب لتجني أرباحا خيالية وعليها أن تعيد جزءا من هذه الأرباح لينفق على الملايين ممن فقدوا أعمالهم.

قرار مجموعة السبع جاء متأخرا جدا، ولا يرقى إلى حجم المشكلة. والدليل أن عمالقة وادي السيلكون أمثال بيل غيتس وجاك دورسي ومارك زوكربيرغ وإيلون ماسك، ذهبوا أبعد من ذلك بكثير، واقترحوا فكرة الدخل الأساسي العام حلا لفقدان الوظائف والصراع الاجتماعي الناجمين عن الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وهي ذات التكنولوجيا التي ساهموا في تطويرها.

بيل غيتس كان الأكثر واقعية، عندما اقترح ضريبة تطبق على الذكاء الاصطناعي وعلى الروبوتات العاملة، تنفقها الحكومات على الخدمات ومن ضمنها خدمات الضمان الاجتماعي.

الجديد أن طبيعة الجدل الدائر تغيرت، ولم تعد فكرة الدخل الأساسي العام التي طرحها عمالقة التكنولوجيا لمواجهة الآثار المترتبة على الأتمتة هي الهدف. بل أصبح الهدف معالجة الهوة الاقتصادية وانضمام الملايين عبر العالم إلى معسكر الفقراء من خلال “دخل مضمون”.

هل تحول فجأة أثرياء وادي السيلكون إلى فاعلي خير؟

الأمر لا علاقة له بفعل الخير، بل هو محاولة لشراء السلم الاجتماعي. وحتى لا تنهي الرأسمالية ضحية لنجاحها عليها أن تسارع لإيجاد الحلول لمشاكل تسببت بها.

هذا يفسر لماذا أصبح “الدخل المضمون”، أو “تقديم الأموال للناس دون مقابل هكذا وببساطة” موضوعا ساخنا تتداوله وسائل الإعلام، وقضية مفضلة لدى الكثير من الرواد في وادي السيلكون.

الدول البترولية سبق أن واجهت نفس المعضلة التي تواجهها اليوم شركات التكنولوجيا العملاقة. أليست المعلومات نفط المستقبل؟ لنسترجع الحلول التي اعتمدتها تلك الدول.. معظمها استخدم هذه الثروة  لخدمة مآرب حفنة من رجال السلطة والحكم. فماذا حصل لتلك الحكومات؟

كلنا يعلم إلى ماذا آل إليه الوضع في العراق، وليبيا، والجزائر..

دول قلّة استخدمت الثورة التي جلبها اكتشاف البترول واستخراجه بحكمة، واعتبرت المواطن شريكا شرعيا في الثروة. بالتأكيد ليست الشراكة الوهمية التي رفعها الراحل معمر القذافي في ليبيا شعارا. بينما راح يبدد الأموال في مغامرات دونكيشوتية. والخاتمة معروفة للجميع.

بيل غيتس كان الأكثر واقعية عندما اقترح ضريبة تطبق على الذكاء الاصطناعي تنفقها الحكومات على الخدمات
بيل غيتس كان الأكثر واقعية عندما اقترح ضريبة تطبق على الذكاء الاصطناعي تنفقها الحكومات على الخدمات

اقتُرحت فكرة الدخل الأساسي الذي تقدمه الدولة مباشرة لأول مرة من قبل فلاسفة في القرن السادس عشر، وقد نظر إليها الكثيرون على أنها أشبه بعلاج يمكن أن يخفف الكثير من المشاكل الاجتماعية. ويرى مناصرو الفكرة أن الدخل الأدنى المضمون يمكن أن يؤدي إلى تخليص المجتمع من الفقر. ومن ناحية أخرى، فإن بعض المحافظين والمتحررين ينظرون إلى الدخل الأساسي العام كبديل منخفض التكاليف لأنظمة الرعاية الاجتماعية.

الدخل الأساسي، كفكرة، وليس كعبارة، صاغه كارل ماركس بجملة تحولت إلى شعار، إلا أن إخراجها من سياقها حوّلها إلى نوع من الطوباوية اتهم فيها الشيوعيون، الذين رحلوا غير مأسوف عليهم. لتبق عبارة ماركس “من كل حسب كفاءاته، ولكل حسب حاجاته”.

العبارة وردت في رسالة كتبها ماركس عام 1875 وجهها إلى حزب العمال الديمقراطي الاجتماعي الألماني.

الدخل الأساسي، بوصفه حلاّ للأزمات المتولدة عن تطور وسائل الإنتاج، ليس حكرا على الفكر الماركسي، أو لنقل الكلمة الممجوجة “الشيوعية”.

ففي الولايات المتحدة، سبق أن عبر الاقتصادي ميلتون فريدمان عن دعمه الدخل الأساسي بوصفه شكلا من أشكال ضريبة الدخل السالبة. وحتى الرئيس ريتشارد نيكسون اقترح تقديم المال مباشرة إلى العائلات، دون شروط. وقد حازت خطته، التي قدمها بعد إلحاح 1000 اقتصادي في رسالة مفتوحة، على موافقة مجلس النواب مرتين، ولكنها رُفضت من قِبل مجلس الشيوخ.

بالطبع لا ضرورة للتذكير بمناصري الدخل المضمون من منظمة الفهود السود ومارتن لوثر كينغ جونيور، الذين رأوا فيه وسيلة لنشر العدالة الاجتماعية.

الداعون إلى الأخذ بفكرة الدخل المضمون في قطاع التكنولوجيا اليوم هم أقرب للأخذ بالنموذج التحرري للاقتصادي فريدمان.

يميل المناصرون للدخل المضمون في قطاع التكنولوجيا بشكل عام نحو النموذج التحرري؛ فهو يتوافق مع معتقداتهم الأساسية حول المستقبل ونظريتهم الأساسية للتغيير. قد لا يبدو هذا الحل تكنولوجياً بالمعنى الحرفي، ولكنه أيضاً يحمل ناحية تكنولوجية وفق وجهة نظر معينة.

الولايات المتحدة ليست سباقة عندما يتم الحديث عن العدالة الاجتماعية، ففي فنلندا سبق للحكومة أن أطلقت خطة تجريبية دامت سنتين هدفت إلى إعطاء دفعات شهرية إلى 2000 مواطن عاطل عن العمل. وفي كندا، أعلنت حكومة أونتاريو عن برنامج مماثل لثلاث سنوات، ولكنه أُوقف قبل نهايته عندما استلم الحزب المحافظ قيادة الحكومة. وقد تم إطلاق برامج تجريبية مشابهة في إسبانيا وهولندا وألمانيا.

فقط من “ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم”، لا يرون التبدل الذي زحف على وسائل الإنتاج وملايين الروبوتات المسلحة بالذكاء الاصطناعي تحل محل، ليس فقط العمال في المصانع، بل أيضا داخل المحاكم والمسارح ودور النشر والمستشفيات والمخابر..

عندما تسببت تعليمات البقاء داخل المنزل في إغلاق الكثير من الشركات وفقدان الكثير من الوظائف، خصوصاً بالنسبة إلى العاملين من ذوي الدخل المنخفض الذين كانوا في وضع حساس في المقام الأول، أصبحت هوة عدم المساواة كبيرة لدرجة يصعب تجاهلها.

في الولايات المتحدة امتدت طوابير الراغبين في الحصول على الطعام لأميال عديدة. وأصبح الملايين من الأميركيين عرضة للإخلاء من منازلهم. واضطر الطلاب الذين لا يمتلكون وسيلة للاتصال بالإنترنت إلى الجلوس في مواقف السيارات العامة للاتصال بالواي فاي لحضور الصفوف على الإنترنت.

الأزمة الاقتصادية التي تسبب فيها الوباء، رغم آثارها السلبية، هي صدمة قصيرة الأمد إذا ما قورنت بالآثار التي خلفتها التكنولوجيا، خصوصا الذكاء الاصطناعي والأتمتة، والتي ستؤثر بشكل أعمق وأوسع على العمالة وفقدان الوظائف بمرور الوقت.

وتلحظ مارجريت أومارا المؤرخة التكنولوجية أنه “يوجد شيء واحد لم يتغير خلال الوباء بالنسبة إلى التكنولوجيين: وهو الافتراض القائل بأن التقدم التكنولوجي حتمي وإيجابي أيضاً”. وهو ما يؤدي إلى السلوك الذي يركز على محاولة تعديل المجتمع للتكيف مع الوضع الجديد بدلاً من محاولة منع فقدان الوظائف في المقام الأول.

سيكون بمقدورنا في المستقبل القريب زيارة مقبرة هايغيت شمالي لندن ووضع باقة من الزهور على قبر كارل ماركس، دون أن نشعر بالخجل.

من يستطيع بعد اليوم أن يقول إننا طوباويون.

نم قرير العين، قريبا يثبت للعالم أن ما تنبأت به قد حصل. وأن الثورة التكنولوجية الرابعة التي غيرت وسائل الإنتاج ستحتم على الجميع أن يقبل بمقولتك التي أسيء فهمها “من كل حسب كفاءاته، ولكل حسب حاجاته”.

12