عروض الشغل تصيب الشباب التونسي بخيبات الأمل

تراجع انتداب الكفاءات في الخارج بسبب كورونا يزيد من إحباط العاطلين.
الأحد 2020/10/18
 التشغيل من وعود الثورة التي لم تنفذ بعد

آفاق ضيقة لسوق الشغل في تونس تزيد من إحباط الشباب الذي يفقد الأمل يوما بعد يوم في الحصول على وظيفة ضمن اختصاصه الجامعي بسبب توقف الانتدابات في القطاع العام المكبل بضغوط الأزمة الاقتصادية، ما يجبره على العمل في وظائف تتسم بالهشاشة. وما فاقم أزمة التشغيل تداعيات الوباء الوخيمة، حيث تسبب كورونا في تراجع انتداب الكفاءات في الخارج بنسبة تتجاوز الخمسين في المئة.

تونس – يصطدم طموح الشباب التونسي في إيجاد وظيفة أحلامه بعروض شغل محدودة لا تتطابق في الكثير منها مع اختصاصه الجامعي، كما يفرض قطاع الوظيفة العمومية شروطا مجحفة للانتدابات، الأمر الذي يصيب الشباب بخيبات أمل كبيرة ويعرضه للمزيد من الإحباط في ظل أزمة اقتصادية خانقة زادت حدتها مع ظهور الوباء.

وتحول البحث عن عمل إلى تجربة شاقة ومحبطة، حيث خيم شبح كورونا على الاقتصاد التونسي وزاد من ضيق أفق سوق الشغل، إضافة إلى أن السن والمهارات التي تتضمنها بعض عروض الشغل لا تتماشى ومؤهلات الخريجين من الذين طال أمد بطالتهم.

وعلى سبيل المثال تفرض الفحوص الطبية والاختبارات الصارمة للالتحاق بالجيش والأمن، لكن يقع رفض الكثيرين بعد جهد جهيد، وفيما يبدى الشباب تفهما في حال تعسر الحصول على وظيفة في هذا المجال لحساسيته، إلا أنه يتهم في المقابل قطاعات أخرى بالمحسبوية وتنفيذ انتدابات غير شفافة.

وفرص العمل محدودة في تونس في حين أن الخريجين والعاطلين بالآلاف. وقد بلغ عدد العاطلين عن العمل في تونس خلال الربع الأول من عام 2020، نحو 634.8 ألفا مقابل 623.9 ألفا خلال الربع الأخير من 2019، بنسبة بطالة تقدر بـ15.1 في المئة.

ويمثل حاملو الشهادات العليا في تونس ثلث العاطلين في تونس والبالغ عددهم أكثر من 700 ألف عاطل بحسب آخر الإحصائيات الحكومية. وبسبب آثار جائحة كورونا تتوقع الحكومة زيادة نسبة البطالة من 15 في المئة إلى أكثر من 20 في المئة.

وفيما يشكو الشباب من سوق شغل ضيقة لا تلبي طموحاته، تنتقد المؤسسات الاقتصادية من جهتها عدم توفر الاختصاصات التي تحتاجها، ما يعكس عمق الفجوة بين برامج التعليم وعروض الشغل الحالية، وبالتالي يفاقم الخلل بين العرض والطلب الأزمة أكثر.

نجيب عكرمي: الحكومات المتعاقبة انتهجت سياسة التهميش في قطاع التشغيل
نجيب عكرمي: الحكومات المتعاقبة انتهجت سياسة التهميش في قطاع التشغيل

آفاق ضيقة

يجمع عدد من الشباب رصدت آرائهم “العرب” على أن المحسوبية وعدم مطابقة المؤهلات الجامعية مع سوق الشغل إضافة إلى السياسات الحكومية الفاشلة، أضاعت عليهم فرص الحصول على العمل وهو حقهم الطبيعي وأحد دوافع اندلاع ثورة يناير 2011.

وحسب رأي رامي الذي رفض الإفصاح عن اسمه كاملا، فإن “الوظيفة العمومية والقطاع العام تحولا من مستقطب لخريجي الجامعات إلى جزء من الأزمة، مع الحديث في كل مرة عن وقف الانتداب في الوظيفة العمومية بسبب الضغوط الاقتصادية”.

ويرى أن اختبارات القطاع العام باتت أشبه بمصدر دخل “جبائي للدولة”. ويشرح بالقول “تستغل السلطة حاجة الشباب للشغل لتفرض شروطا مجحفة للمشاركة في الاختبار تتمثل في وثائق ورسوم مكلفة تعود بالنفع على خزينة الدولة من حيث الجباية فقط، زد على ذلك مظاهر الفساد الأخرى كالمحسوبية والرشوة وغيرها من الممارسات التي عصفت بأحلام الشباب في الحصول على وظيفة قارة”.

من جانب آخر عمقت آليات التشغيل الهشة التي قدمت كحل لأزمة البطالة وزادت من غليان الشارع، حسب تقديره. ويضيف “كشاب تونسي من خريج الجامعة أرى أنه من الأجدى تغيير آليات التشغيل في تونس والبحث عن بدائل لآليات العروض المتعارف عليها”.

ويعتقد رامي أن “التشجيع على بعث المشاريع الخاصة من أنجع الحلول لحل أزمة البطالة”.

ويتسق رأي رامي مع رأي هشام، الذي يشير إلى ضرورة التجاء الشباب إلى مبادرات خاصة. ويلفت إلى أن “الوظيفة العمومية لم تعد تلبي طموحات أغلب الشباب أمام غلاء المعيشة، كما أن التكوين والتعليم في الجامعات لم يعد يتماشي مع سوق الشغل”.

ويندد الشباب بسياسة الإقصاء والتهميش وعجز الحكومات المتعاقبة منذ 2011 عن الإيفاء بوعودها وتوفير مواطن شغل تحفظ كرامتهم. كما لم تنجح الحكومات في تقديم مقاربة اقتصادية جديدة توازن بين حاجة الشباب للعمل ومتطلبات سوق العمل.

وتتصاعد وتيرة الاحتجاجات بين فترة وأخرى في البلد تنديدا بالبطالة وسوء الأوضاع الاجتماعية. وعلى الرغم من مصادقة البرلمان مؤخرا على مشروع قانون لتوظيف من تجاوزت مدة بطالتهم عشر سنوات في القطاع العام، إلا أنه إجراء يصعب تحقيقه في ظل الصعوبات الاقتصادية.

وحسب خبراء اقتصاد يعاني قطاع الوظيفة العمومية من عدد كبير من الموظفين الذي يبلغ قرابة 700 ألف إضافة إلى الحجم المهول للأجور الأمر الذي يضغط على الموازنة.

تراجع كبير تم تسجيله في عقود الشغل بالخارج بنسبة 53 في المئة بسبب تداعيات الجائحة

ويشير نجيب عكرمي المنسق الجهوي لمشروع “الانتداب حقي” بولاية قفصة لـ”العرب” إلى أن “الحكومات المتعاقبة انتهجت سياسة التهميش خاصة في التشغيل وذلك بغلق الانتدابات لمدة خمس سنوات، في حين وقعت انتدابات بالمحسوبية والرشوة”.

مع ذلك، لم ترضخ فئة هامة من الشباب خاصة داخل المدن الداخلية المهمشة لهذا الواقع. ويقول نجيب “نحن كشباب مثقف ومن أصحاب الشهائد العليا وخريجي الجامعات عملنا على إرساء طريقة جديدة للانتداب في القطاع العام حيث قمنا بتركيز تنسيقية ‘الانتداب حقي’ لمن طالت بطالتهم عشر سنوات وأكثر وهي تنسيقية وطنية لها ممثلون في جميع ولايات تونس”. ويعلق “أثمرت جهودنا وتحركاتنا الاحتجاجية حين صادق البرلمان على قانون البطالة الأخير”.

وأستدرك “تونس تعتبر دولة قانون ومؤسسات ولكنها تقف عاجزة أمام تطبيق هذا القانون لأنه يهم الشريحة الأضعف في المجتمع”.

وتعطلت عروض الشغل والانتدابات للخارج بسبب كورونا، حيث تراجعت الانتدابات بنسبة 53 في المئة حسب تصريحات حكومية.

وأكد المدير العام لوكالة التعاون الفني، البرني الصالحي، الثلاثاء، في تصريح لإذاعة محلية خاصة، على تأثر عمليات انتداب الكفاءات التونسية بالخارج عن طريق الوكالة بسبب تداعيات جائحة كورونا وتوقف حركة الملاحة الجوية بعدة دول حيث تم تسجيل تراجع كبير في عدد عقود الشغل المتحصل عليها عن طريق الوكالة بنسبة 53 في المئة إلى حدود نهاية شهر أغسطس الماضي.

ولم يقع انتداب غير 981 كفاءة تونسية فقط مقارنة بالمعدل السنوي الذي تحققه الوكالة والذي يبلغ 3000 انتداب. وبين البرني أن “الوكالة بالتعاون مع عدة سفارات عملت على الحصول على التأشيرات والتراخيص لبعض المنتدبين الذين كان عددهم السنة الماضية في حدود 1140 شخصا”.

وإلى حدود أغسطس الماضي تم ضمان التحاق 460 منهم بأماكن عملهم في دول بالخارج ويتم حاليا التنسيق مع عدة دول لضمان التحاق نحو 400 تونسي منتدب في الخارج.

فجوة بين العرض والطلب

tttt

على غرار تداعيات التردي الاقتصادي في سوق العمل في تونس، فإن العروض العالمية الجديدة تفرض على الجامعات التونسية التجديد وإعادة النظر في الاختصاصات المطلوبة. والكثير من الاختصاصات الجامعية تبقى نظرية بالنسبة للطلبة حيث لا مكان لها في سوق العمل اليوم.

 ورصدت دراسة للمعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية نقلتها وسائل إعلام محلية، نقاط ضعف سوق الشغل الحالية.

ويعد عدم تطابق المؤهلات مع الطلب ونقص الكفاءة والفجوة بين الجنسين أبرز الأسباب.

ولاحظت الدراسة انخفاض معدل خلق فرص العمل بين عام 2008 و2018 مقابل ارتفاع نسبة التمدرس. وبلغ معدل الوظائف التي يتم خلقها سنويا 30 ألف موطن شغل أي ما يمثل نحو 5 في المئة من إجمالي الباحثين عن عمل.

وبينت أن عدم التطابق بين المؤهلات واحتياجات سوق العمل. الأمر الذي خلق فجوة نوعية بين العرض والطلب. أمام هذا الواقع يضطر الخريجون إلى قبول وظائف لا تتطابق مع مؤهلاتهم وهو ما يسمى بالبطالة المقنعة أو العمالة الناقصة كما تصفها منظمة العمل الدولية.

وأوضحت الدراسة أن هناك 2 من بين 5 من أصحاب الشهائد العلمية العليا يشغلون وظائف تقل عن مستوى تعليمهم. ولفتت إلى أنه كلما زاد مستوى التعليم زاد معدل البطالة حيث أن “الاقتصاد التونسي يتجه نحو خلق وظائف غير ماهرة”.

سامي العوادي: الصناعة التونسية قائمة على المناولة العلنية التي لا تحتاج مهارات كبرى
سامي العوادي: الصناعة التونسية قائمة على المناولة العلنية التي لا تحتاج مهارات كبرى

وحسب الدراسة يعد خريجو الحقوق والأستاذية في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية هم الأكثر تضررا من نقص التشغيل.

وفيما يقرّ خبراء بمحدودية سوق العمل التونسية التي لا تلبي طموحات الشباب، إلا أنه في المقابل يعرف قطاع الشغل الخاص نقصا من حيث اليد العاملة المتخصصة.

ويشير سامي العوادي الخبير الاقتصادي لـ”العرب” إلى أنه “في حين تشكو الشركات من قلة الإقبال على عروضها وعدم توفر الاختصاص المطلوب، يشكو الخريجون بدورهم من عدم انتدابهم”.

ويبين أن “القطاع الخاص الذي يمثل 80 في المئة من الاقتصاد الوطني لا يستطيع استيعاب العدد الهائل من خريجي الجامعات، وهو بحاجة إلى عمال وليس إلى إطارات”. لافتا إلى أن “الصناعة التونسية قائمة على المناولة العلنية التي لا تحتاج مهارات كبرى”.

وفي ما يخص قطاع الوظيفة العمومية، فإنه يعاني إكراهات كبيرة بسبب ضغوط صندوق النقد الدولي، حسب ما ذهب إليه العوادي. والتي نجم عنها توقف الانتدابات في القطاع العام والرضوخ لدعوات الصندوق بضرورة تخفيض كتلة الأجور من الناتج الداخلي الإجمالي.

وكان صندوق النقد الدولي قد أوصى الحكومة التونسية باتخاذ إجراءات قوية لمعالجة الوضع المالي للبلاد والموازنة العامة تتضمن زيادة الإيرادات الضريبية، وكبح زيادات الأجور في الوظائف الحكومية.

وبصرف النظر عن الإجراءات الصارمة للالتحاق بالوظيفة العمومية، يرى العوادي أن تونس مجبرة على إصلاحات يفرضها المانحين الدوليين حتى يكون بوسعها مستقبلا الولوج إلى أسواق المال العالمية. ويؤكد بالقول “لا بد أن تظهر أن لديها مالية عمومية متوازنة”.

درة محفوظ: بوسع الشباب النجاح في مجالات أخرى خارج الوظيفة العمومية
درة محفوظ: بوسع الشباب النجاح في مجالات أخرى خارج الوظيفة العمومية

ومن جملة شروط صندوق النقد، هو ألّا تتجاوز نسبة كتلة الأجور 12 في المئة لكن تجاوزنا اليوم هذه النسبة التي تقدر اليوم بـ15 في المئة حسب العوادي. ويستنج “يعود ذلك أساسا إلى انخفاض الناتج الداخلي منذ اندلاع ثورة يناير، حيث لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من استرجاع نسق النمو المسجل قبل عام 2011”.

ويحمل الخبراء المسؤولية أيضا للشباب في ظل تمسكهم بوظيفة قارة وعدم البحث عن بدائل وفرص أخرى مثمرة. وتشير درة محفوظ أستاذة علم الاجتماع لـ”العرب” إلى أن “العمل بالنسبة للشباب ينحصر فقط في قطاع الوظيفة العمومية، لكنه غير متاح للجميع، وهو ما يعني الحاجة إلى تجاوز هذا القطاع والتطلع إلى غيره”.

وتفسر محفوظ شعور الشباب بخيبة الأمل لأن الوظيفة مرتبطة في ذهنه بالقطاع العام وضرورة الحصول على وظيفة في كنف دعم الدولة، في حين أن سوق الشغل اليوم يفرز أنشطة متنوعة وبإمكان الشباب النجاح فيها.

وتلاحظ محفوظ توجس الشباب وتخوفه من عدم توفر ضمانات في حال اختار العمل خارج الوظيفة العمومية. وتعتقد محفوظ أن الحل في منح المؤسسات الموجودة في سوق الشغل فرصة كافية للشباب لإثبات كفاءاتهم ومهاراتهم، لكنها تستبعد إمكانية تحقيق ذلك لنقائص داخل سوق الشغل في حد ذاتها. وتصفه بالقطاع المتذبذب والحائر بين مواكبة الدول ذات الاقتصاد الليبرالي أو تختار نظام الدول التي تطبق الاقتصاد الاشتراكي.

19