عراقة النخيل وأصالته لا تلغيان حداثة طرحه الفني

منطق النخل العراقي يفرض معانيه في أعمال تشكيلية عربية.
الأربعاء 2021/09/22
شخصان/ نخلتان لا رأس لهما (لوحة للعراقي مؤيد محسن)

لا يخفى على أحد في هذا الزمن الذي نعيش فيه، لاسيما في المنطقة العربية، أن رسم الأشجار والجبال وسائر عناصر الطبيعة يعتبر، وبشكل كبير، ضربا من ضروب “الرجعية” الفنية. ولكن لحسن الحظ أن العديد من الفنانين التشكيليين العرب المعاصرين لم يرضخوا لهذه الترهات، بل تبنّوا “منطق” النخيل العربي بشكل عام، والنخيل العراقي بشكل خاص.

 منذ بضعة أيام دار حديث بيني وبين أحد مقتني الأعمال الفنية ليتمركز حول فكرة محدّدة، وهي حسب رأيه “لا جدوى، لا بل من التفاهة رسم الأشجار، لاسيما في منطقتنا العربية في زمننا التكنولوجي المتطوّر/ الافتراضي/ المتعالي والمتفوّق على عناصر المادة”.

وكان الحديث يتناول بشكل خاص أشجار النخيل في اللوحات الفنية المخضرمة والمعاصرة.

معان ورموز

أغلب الظن، مع احترامي لرأي مقتني الأعمال الفنية، أنه غير مُدركٍ أن كل موجودات الكوكب، تلك “التافهة” أو المهمة التي صنعها الإنسان أو خلقها الواجد تعالى كانت ولا زالت عرضة للتبدّلات في النظرة إليها واستثمارها معنويا، وتاليا في طريقة وهدف نقلها إلى اللوحات أو تشخيصها في أعمال فنية بداية باللوحات التشكيلية وصولا إلى التجهيز الفني والفن المفاهيمي والديجيتالي والافتراضي وغيرها.

وربما غفل الصديق/ المُقتني للأعمال الفنية أنه ليس المُصنّف بالتافه إلاّ ما هو غير المُحمّل بالمعنى، أو غير المُجسّد أو المُختصر لأهمية “مبدئية” مُباشرة لم تنتظر ولن تنتظر من الإنسان أن يُغنيها، لأنها فقدت أهميتها، أقله قيمتها الغذائية.

كل أشجار الكوكب، وعلى الأقل أغلبها، مُحمّلة بالمعاني التي “عاشها” الإنسان كحالة أكثر ممّا زرعها أو اكتشفها أو أعاد ابتكارها خياليا وفقا لقناعاته وتجاربه وميوله الذوقية.

ليست أشجار النخيل في الأعمال الفنية المعاصرة أقل أهمية ودلالة ورمزية من أشجار الزيتون والبرتقال والصبّار

ظهرت تلك الأشجار في أعمال فنانين تشكيليين امتازوا بأساليب فنية مُختلفة بداية من لوحات رواد الفن التشكيلي.

ليست النخلة أو شجرة البرتقال أو شجرة الزيتون في أعمال الفنانين المخضرمين والمعاصرين نخلة أو شجرة برتقال أو شجرة زيتون فقط، بل هي المعنى المُراد التعبير عنه والمكان المُحال إليه والذي لا يظهر حُكما في حدود اللوحة.

أما “الادعاء” أن فن التصوير الفوتوغرافي أطاح بحجة بقاء الفن الواقعي فكذبة كبيرة. أولا، لأن “الواقع” لم يعد موازيا “للحقيقة”. فهو التباس شديد الخطورة في زمننا هذا، كما أن الحد الفاصل بين الخيال والواقع أصبح هشا و”تافها”، لذلك لم يخسر “الفن الواقعي” شيئا من أهميته وقدرته على فتح آفاق البصر والفكر والحساسية. وأصبح رسم جزء من أي وجود كان رسما لكلّه وإفصاحا عن ماهيته مع ترك مجال للمُشاهد لأن يستكمل ما نقص شكليا: نوع من الاختصار والتقشّف يليق بانكماش الزمن وتسارع عجلات الوقت.

وثانيا أن الغرائبية في الفن التشكيلي العربي والغربي على حد السواء (الذي يثني عليه الصديق/ المقتني للوحات) لم تعد تقتصر على عالم شيّده الخيال، بل صارت تشمل “الواقع” المعاصر والمُلتبس.

واتسع معنى الغرائبية اتساعا شديدا وصارت الغرائبية في أعمال لا تحصى مسارا ولغة تعبّر ليس عن عالم خيالي بل عن واقع بحت (كشجرة نخيل مثلا)، كما نراها في لوحات الفنانة التشكيلية العراقية ليلى كبة كعوش التي تتكسّر وتنتشر في آن واحد في معالم لوحتها، فلا يعود الموت موتا ولا الحياة حياة بل مجرّد التباس واختلاف في النظرة.

ونرى الغرائبية في لوحات الفنان العراقي ماهود أحمد الذي توفّي منذ بضعة أشهر تاركا وراءه لوحة حمّال النخلة المقتلعة التي هي أكثر من شجرة بكثير، والفنان التشكيلي المصري حسين بيكار ونخيله المُشار إليه باختصار شكليّ شديد لأنه بكل بساطة نخيل، لقيمته الرمزية، غنيّ عن التعريف.

ونجد تلك الغرائبية الحديثة في مجمل أعمال الفنان التشكيلي العراقي الغرائبي/ الواقعي جدا مؤيد محسن، ونذكر لوحته التي تضم شخصين/ نخلتين لا رأس لهما، ولكنْ لديهما احتضان وجسدان زرقاوان طغيا على سوداوية الخلفية والمشهد بشكل عام. وأيضا لا يظهر إلاّ مُحملا بتعدّدية احتمالاته ومحاكاته لافتراضية تستطيع أن تنشأ لحظة موتها والعكس صحيح.

لوحة حمّال النخلة المقتلعة للعراقي ماهود أحمد.. رمزية موجعة

وليست أشجار النخيل اليوم في اللوحات والأعمال الفنية المعاصرة المُختلفة الأساليب أقل أهمية ودلالة ورمزية من أشجار الزيتون والبرتقال والصبّار حين تظهر في الأعمال الفنية الجدّية، إذ تتوقّف تلقائيا عن كونها جزءا من مشهد طبيعي فحسب لتصير موقفا، أو وتيرة تصعيدية، أو سلاما أبديا، أو حصنا حصينا، أو إشارة إلى غارسيها وأهلها ومحبيها والحالمين إلى اليوم تحت ظلالها.

غرائبية لا تموت

في سياق آخر حفل عالم الفن المعاصر بمعارض تشكيلية وتجهيزات فنية وفنون افتراضية ومفهومية ونحت ضوئي استُوحيَت ليس فقط من “أشكال” النخيل، ولكن أيضا من مضامينه العاطفية والتاريخية والفلسفية والروحية، وتلك المتعلقة بهموم الهوية العربية والعراقة الضاربة جذورها في التاريخ.

للصديق/ المقتني للأعمال الفنية الحداثية والمعاصرة ولكل من شدّ على مشدّه لناحية “تفاهة” رسم النخيل وغيره من العناصر الطبيعية، أقول على الفنان العربي مهما بلغت به الحداثة أن يحافظ في عمله الفني على ما أوّد تسميته بـ”منطق النخيل العراقي”، أي أن يبقى طائرا صلبا بإرادته وبعنقه الغليظ الموشّح بألوان طيور الأهوار المُهدّدة، وخافقا بجناحيه ارتفاعا وانخفاضا على سطح هدير الحداثة تماما كما يفعل سعف النخيل حين تعصف به الريح.

وهو منطق أحبّ أن أصفه بـ”العراقيّ”، لأنه حضاري سحيق وعارم، ولأنه الأشدّ تعبيرا عن كل ما يمكن أن تعنيه النخلة من معان ومواقف ومشاعر وتبدّل قسري وغير قسري في أسلوب العيش، وكل ذلك تحت تهديد مُمتقع سببه التلوث والحروب، والهجرة القسرية والدماء الزكية المهدورة وزحف المدينة على المساحات الخضراء/ الفردوسية، والهجرة من الأرياف بسبب ضيق سبل الحياة ولأسباب سياسية موجعة.

للنخل مضامين تاريخية وفلسفية وعاطفية وروحية، وأخرى متعلقة بهموم الهوية العربية والعراقة الضاربة جذورها في التاريخ
للنخل مضامين تاريخية وفلسفية وعاطفية وروحية، وأخرى متعلقة بهموم الهوية العربية والعراقة الضاربة جذورها في التاريخ
النخلة والإنسان وجهان لاستمرار الحياة (لوحة للسعودي صالح النقيدان)
النخلة والإنسان وجهان لاستمرار الحياة (لوحة للسعودي صالح النقيدان)

 

16