عبدالوهاب عبدالرازق قاض كافح الإخوان يساهم في تشكيل المشهد المصري

عبدالرازق يصنف بأنه من أكثر القضاة الذين يكنّون العداء للإخوان، فهو شاهد عيان على إرهابهم واستخدامهم سلاح العنف.
السبت 2020/03/28
عبدالوهاب يمهد لانطلاق الإصلاحات

كان صعود المستشار عبدالوهاب عبدالرازق رئيس المحكمة الدستورية المصرية السابق، لرئاسة حزب مستقبل وطن، أكبر الأحزاب السياسية في البلاد، مفارقة غريبة، لأن الرجل قال قبل عامين “رجال القضاء لا يجيدون العمل السياسي لأن هذا المجال ليس من اختصاصهم“. وإن يكن مجال السياسة بعيداً تماما عن رجل القضاء بحكم وجود مسافات طويلة بينهما، كما يقضي العرف في مصر، لكن ربما تتغير الظروف والأحوال ويخرج من بين هؤلاء زعيم سياسي.

ارتبط وصول عبدالرازق لرئاسة الحزب مؤخرا، بحركة تغييرات واسعة على مستوى القيادات العليا، ولأن الحزب معروف أنه قريب من الحكومة، وفي بعض التقديرات صنيعتها ليكون بمثابة الظهير السياسي لها، فإن العديد من الدوائر وجدت في قامة قضائية رفيعة ما يعيد إليه التوازن والهيبة في الشارع.

مرحلة مصرية جديدة

جرى تقديم عبدالرازق من خلال بيان صحافي مقتضب جاء فيه “في إطار إعادة تشكيل المشهد السياسي بما يحقّق إرساء دعائم الدولة وسعيا نحو الاستعداد لبدء مرحلة سياسية جديدة تعتمد على تبادل الخبرات والانتقال الديمقراطي للقيادة لبناء مستقبل مصر، تم اختيار المستشار عبدالوهاب عبدالرازق رئيسا للحزب”.

يمكن من خلال التمعّن في بيان الحزب الوصول إلى قناعة بأن مستقبل وطن أوكل للرجل مهمة إدارة الحراك السياسي في البلاد، أي أنه أصبح الأساس الذي تعتمد عليه الحكومة في تحريك المشهد الحزبي بالطريقة التي تتناغم مع توجهاتها وسياساتها المستقبلية.

ما يطمئن الكثير من قيادات الحزب أن هناك شواهد يمكن البناء عليها تبرهن أن القاضي عبدالرازق ضد الإقصاء السياسي لمجرد المعارضة أو الصوت المختلف، فهو صاحب الحكم التاريخي بعدم دستورية قانون العزل السياسي الذي تم بموجبه إعادة الفريق أحمد شفيق آخر رئيس وزراء لمصر في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلى السباق الرئاسي في مواجهة مرشح الإخوان محمد مرسي في انتخابات 2012، لأن حرية الممارسة السياسة في رأيه مكفولة بقوة الدستور والقانون.

تكمن المعضلة في أن الرجل الذي تولّى مهمة تحريك المياه الراكدة في المناخ العام وقد بلغ السبعين عاما، لم يشتبك في أيّ وقت مع السلطة أو يختلط بالمعارضة أو ينزل الشارع، لأنه طوال أكثر من 45 عاما كان مشغولا بالعمل في القضاء ومحظور عليه ممارسة السياسة.

يبدو أن القاضي الدستوري جرى استدعاؤه لمهمة معينة، بغض النظر عن انعدام خبراته السياسية، وهي محاولة تحسين الصورة الذهنية تجاه حزب مستقبل وطن بعدما تشوهت بشكل كبير بسبب تصرفات قادته السابقين.

 الحكومة المصرية وإن كانت تريد إحياء تجربة الحزب الوطني المنحل، إلا أنها لا ترغب في الاستنساخ الحرفي بأن يكون رجال الأعمال في الواجهة، ولا حتى العسكريون، بل شخصية قضائية مشهود لها بالنزاهة.
 الحكومة المصرية وإن كانت تريد إحياء تجربة الحزب الوطني المنحل، إلا أنها لا ترغب في الاستنساخ الحرفي بأن يكون رجال الأعمال في الواجهة، ولا حتى العسكريون، بل شخصية قضائية مشهود لها بالنزاهة.

ظل الحزب يُدار من خلال قيادات شبابية منذ نشأته عام 2015. ارتكبوا بعض الأخطاء التي سحبت من رصيده، على غرار اتهامهم بتوزيع كراتين غذائية على الناخبين في الانتخابات الرئاسية، مطبوع عليها صورة الرئيس السيسي، وتقديم الخدمات للبسطاء بطريقة تحمل إهانة لهم، فضلا عن فقر الأداء السياسي لقياداته في البرلمان وخارجه، فلم يستطع أن يكون قائدا مؤثرا في سيمفونية الأحزاب المتذبذبة.

تريد بعض الدوائر الرسمية أن يكون الحزب ظهيرا سياسيا قويا للحكومة، لذلك احتجت أن تكون على رأس قيادته شخصية تاريخها مجهول كي يصعب على خصوم الحزب النيل منها. ويبدو أن الحكومة، وإن كانت تريد إحياء تجربة الحزب الوطني المنحل، فإنها لا ترغب في الاستنساخ الحرفي بأن يكون رجال الأعمال في الواجهة، ولا حتى العسكريون بل شخصية قضائية مشهود لها بالنزاهة.

يهيمن حزب مستقبل وطن على الأغلبية البرلمانية في مجلس النواب، ويدير دفة الكثير من الأمور ويتحكم فيما يمكن تمريره أو رفضه، ما جعل السلطة التشريعية متناغمة مع السلطة التنفيذية، بحكم أن الكتلة الأكبر من الأعضاء تدافع عن الحكومة أكثر من دفاعها عن أحزابها.

 غير أن العامل الأهم في تصعيد المستشار إلى قمة هرم أكبر حزب سياسي يتجلى في حاجة الحكومة إلى رمز يتم إعداده وتأهيله لمشاركتها بخبراته القانونية والدستورية في إدارة الانتخابات البرلمانية، مجلس النواب ومجلس الشيوخ، والمحلية المقبلة، بحيث يتم إعداد قانون لا يسمح بنجاح المعارضين المشاغبين المتناغمين والنيل منه.

عجز الأحزاب

ما زالت أغلب الأحزاب المصرية عاجزة عن تقديم مقترح تشريعي يحدد طريقة الانتخابات البرلمانية والمحلية المقبلة، خشية تعارضه مع الدستور أو رفضه من الشارع نفسه، لكن مع وجود قاضٍ على رأس ما يسمى بـ “حزب السلطة”، فإن مهمة إعداد القانون الذي يسمح للحكومة برسم معالم الخارطة المقبلة للانتخابات وما يليها من تغيرات، أصبحت سهلة، مع وجود خبير قانوني قدير، وأغلبية نيابية تصادق على القانون.

وربما تتسع الحاجة إلى عبدالرازق ليكون في المستقبل القريب رئيسا لمجلس الشيوخ أو مجلس النواب، فالأول تُجرى انتخاباته خلال العام الجاري، والثاني مطلع العام المقبل، وكلاهما تحتاج الحكومة من رئيسه، أن يكون رمزا قانونيا، يتمتع بقدر كافٍ من الحنكة والخبرة والتوازن والقبول الجماهيري، وهي صفات تتوافر في القاضي عبدالوهاب عبدالرازق.

قد يرى كثيرون أن التفسيرات السابقة تعني أن الرجل جاء لأداء مهمة مفروضة عليه من الحكومة، أو سوف يتم توجيهه ليفعل هذا ويبتعد عن ذاك، لكن هذا الأمر غير دقيق لوجوده على رأس حزب سياسي يُفترض أنه يسعى للمنافسة والاستحواذ على الكتلة الجماهيرية الأكبر، والتشكيل النيابي الأوسع، بالتالي هو مجبر للتحرك السياسي في هذا الاتجاه.

يعتزّ عبدالرازق بفكرته حول استقلاله في اتخاذ القرارات، ويعادي تدخل أيّ طرف في أعماله، بحكم أنه كان قاضيا دستوريا لا يسمح لأحد أو جهة لتبدي رأيها في القضايا التي ينظرها، ولا يفعل إلا ما يقتنع بصحته، فقد تكون أحكامه متناغمة مع توجهات الحكومة، لكن ذلك في غالب الأحيان بمحض الصدفة، وليس نتاج الاستجابة لضغوط فُرضت عليه.

هو صاحب الحكم النهائي الشهير بدستورية تسليم مصر لجزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، بعد الخلاف الذي حدث بين أكثر من جهة قضائية حول قانونية ذلك، وتسبب حكمه في أن يُسدل الستار على القضية، وتغُلق تماما ويهدأ الرأي العام بعد فترة من التوترات والتظاهرات في الشوارع قادها معارضون.

معضلة عبدالرازق تكمن في أن الرجل الذي تولى مهمة تحريك المياه الراكدة في المناخ العام وقد بلغ السبعين عاما، لم يشتبك في أي وقت مع السلطة أو يختلط بالمعارضة أو ينزل إلى الشارع، لأنه طوال أكثر من 45 عاما كان مشغولا بالعمل في القضاء وتحظر عليه ممارسة السياسة

عندما رفض الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي، الذهاب لأداء اليمين في المحكمة الدستورية بعد فوزه في انتخابات 2012 وقرر أن يؤديها في جامعة القاهرة بحضور أعضاء المحكمة، رفض القاضي عبدالرازق وزملاؤه، وتمسكوا بأن يأتي مرسي ويُقسم أمامهم بمقر المحكمة.

ومع إصرار الإخوان على موقفهم، وتدخل بعض الوسطاء، اشترط عبدالرازق أن تتم معاملة قضاة المحكمة بطريقة تحفظ لهم مكانتهم وهيبتهم وتاريخهم ووضعيتهم الاجتماعية، وأبلغهم بأنهم لو ذهبوا لجامعة القاهرة ووجدوا عكس ذلك سوف ينسحبون فورا.

أقنع عبدالرازق زملاءه من أعضاء المحكمة بالذهاب إلى جامعة القاهرة يوم حلف مرسي لليمين، لكنهم وجدوا معاملة غير جيدة فور دخول القاعة، فتمسك بالرحيل ومعه باقي الأعضاء وبُلّغ مسؤولو الرئاسة بأن مرسي لو لم يأتِ للمحكمة الدستورية ليؤدي اليمين في اليوم التالي لن يتم إعلانه رئيسا للجمهورية، وقد تحقق الأمر وذهب.

من غير المتوقع، أن يكون هذا القاضي الدستوري قطعة شطرنج في يد أيّ جهة تحركه كيفما تشاء. فهو لن يُضحّي بتاريخه في السلك القضائي للتقرب إلى السلطة أو أن يكون في مكانة مرموقة تقربه من دوائر صناعة القرار. فمن كان رئيسا للمحكمة الدستورية التي لا سلطان عليها لن يقبل على نفسه أن يتلقى التعليمات من الجهات الأعلى. وقبله شغل المستشار عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية الأسبق، منصب الرئيس المؤقت، عقب عزل محمد مرسي، وشغل منصبه لمدة عام إلى حين إجراء انتخابات أفضت إلى فوز السيسي على منافسه المعارض حمدين صباحي.

اعتاد عبدالرازق التركيز في التفاصيل الدقيقة، وعدم التعامل مع أيّ جهة لا تحترم شخصه ومكانته ومنصبه. وآمن ومن قبل انضمامه لقضاة المحكمة الدستورية بأن هذه الطريقة كافية لإرغام الكبار على تحسّب الاقتراب منه. وعندما كان مكلفا باستقبال وفد أميركي بدار القضاء العالي في فترة السبعينات لإبرام اتفاقية تعاون بين الجهات القضائية الأميركية والمصرية ووقتها كان وكيلا للنائب العام، شعر بأن أعضاء الوفد يتعاملون بكبرياء وتعالٍ، فلم يعجبه الأمر ومارس معهم نفس السلوك، وتحدث بنبرة حادة كادت تُحدث أزمة، لكن مرّت الواقعة بسلام.

يُعرف عن عبدالرازق، أنه شخص عصامي وشديد الاعتزاز بنفسه ويكاد يكون احترام العرف والتقاليد يضاهي تقديس القانون نفسه، فهو رجل ينتمي إلى مجتمع الصعيد الذي يمكن أن يُضحّي أفراده كثيرا مقابل الحفاظ على كرامتهم بين الناس.

 يجيد إجبار كل من يتعامل معه على أن يحترمه، فهو متواضع إلى حد بعيد، وهادئ الطباع ولا تغيب الابتسامة عن وجهه وينتقي كلماته بعناية، وأكثر ما يُبغضه أن يتم الاعتداء على سلطة القضاء، أو تشويه منصب القاضي.

في إحدى المرات، كان يتم تداول قضية خاصة بقرار اتخذه الرئيس مرسي، وفوّض حزب العدالة والتنمية الذراع السياسية لجماعة الإخوان أحد المحامين للترافع عنها أمام المحكمة، لكنه تحدث بطريقة غير لائقة وارتفع صوته على عبدالرازق الذي تواصل حينها مع رئيس المحكمة وهدد بالاستقالة ما لم يتدخل لإجبار المحامي الإخواني على التزام الأدب.

صراع مع الإخوان

وصول عبدالرازق لرئاسة حزب مستقبل وطن مؤخرا، يرتبط بحركة تغييرات واسعة على مستوى القيادات العليا، فالحزب معروف بأنه قريب من الحكومة، وفي بعض التقديرات صنيعتها، ليكون بمثابة الظهير السياسي لها
وصول عبدالرازق لرئاسة حزب مستقبل وطن مؤخرا، يرتبط بحركة تغييرات واسعة على مستوى القيادات العليا، فالحزب معروف بأنه قريب من الحكومة، وفي بعض التقديرات صنيعتها، ليكون بمثابة الظهير السياسي لها

يؤمن عبدالرازق بحتمية أن تكون هناك حدود وخطوط حمراء معه لا يمكن تجاوزها، لذلك من المستبعد أن يتخلى عن هذه القناعات حتى بعد مغادرته منصة القضاء ورئاسة حزب تريد الحكومة من خلاله أن تتحكم في مفاصل الحياة السياسية.

قد يساعده في الثبات على هذه المبادئ أن الرئيس السيسي عُرف عنه تقدير هؤلاء الرموز والتعامل معهم بطريقة تحفظ لهم هيبتهم ومكانتهم، فهو الذي كرمه عقب خروجه على المعاش ومنحه وسام الجمهورية من الطبقة الأولى عن سنوات عطائه وما بذله من جهد وتفان في إنفاذ القانون وحماية العدالة والحفاظ على حقوق المجتمع والمواطنين.

لم يترنح عبدالرازق أمام اتهامات جماعة الإخوان وأذرعها الإعلامية له بأن تكليفه برئاسة حزب مستقبل وطن، نوع من التكريم له على أحكامه الداعمة للحكومة، خاصة ما يتعلق بموافقته عندما كان قاضيا على التعديلات الدستورية الأخيرة التي سمحت للسيسي بتمديد فترة حكمه.

لعداء الإخوان مع الرجل جذور تاريخية، فهو الذي شارك في صدور حكم دستوري بحل مجلسي النواب والشورى إبان فترة حكم الجماعة لمصر. حتى أنهم عندما حاصروا المحكمة لترهيبه وزملائه كعقاب لهم على موقفهم لم ينجحوا في ذلك وتم حلّ المجلسين.

يصنف عبدالرازق بأنه من أكثر القضاة الذين يكنّون العداء لجماعة الإخوان، والعكس صحيح، فهو شاهد عيان على إرهابهم واستخدامهم سلاح العنف ضد كل من حاول تحجيم نفوذهم، فهو الذي قال عن فترة حكم الجماعة “كانت غلطة كبيرة للشعب، تم إصلاحها بثورة 30 يونيو”.

وبعيدا عن اتهامات الإخوان له، تظل هناك مشاهد ثابتة تبرهن أن هذا القاضي لن يتخلى بسهولة عن استقلاليته التي يراها متسقة مع شخصيته وتاريخه، ويكفي أنه حكم ذات يوم بعدم دستورية قانون مجلس النواب الذي أصدره الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور، رغم أن الأخير كان رئيسا سابقا للمحكمة الدستورية، وقال عن ذلك الموقف “استقلاليتي فوق كل شيء، لا يعنيني من أصدر القانون، بل دستوريته من عدمه”. لذلك يمكن ان تشهد مصر عهدا جديدا من الإصلاحات السياسية الحقيقية.

12