عبدالفتاح مورو لـ"العرب": على راشد الغنوشي اعتزال السياسة

نائب رئيس البرلمان السابق: الإسلاميون لم يقدموا بديلا عن الدولة الوطنية.
السبت 2021/02/20
النهضة لا تنفع للحكم

في خضم المعركة القائمة على الساحة السياسية التونسية بين أقطاب السلطة برزت الكثير من التعقيدات في هذا المشهد، ويبدو أن تيار الإسلام السياسي الذي يقوده راشد الغنوشي أضحى أكثر الأطراف عرضة للانتقاد نتيجة تعكيره للأجواء، حتى أن شخصيات انتمت في وقت من الأوقات لحركة النهضة لديها نفس الموقف. ولذلك يرى القيادي السابق في النهضة ونائب رئيس البرلمان سابقا عبدالفتاح مورو خلال حوار مع “العرب” أنه على رئيس البرلمان اعتزال السياسة خاصة وأن الإسلاميين لم يقدموا بديلا عن الدولة الوطنية.

تونس - دعا عبدالفتاح مورو النائب الأول لرئيس البرلمان التونسي سابقا والقيادي السابق بحركة النهضة الإسلامية في حوار مع “العرب” رئيس البرلمان راشد الغنوشي إلى اعتزال السياسة، مشددا على فشل النظام السياسي الذي “لم يفرز غير الأزمات”.

ويقرّ مورو الذي اعتزل السياسة في وقت سابق بفشل النظام السياسي الذي وضعه دستور 2014 والذي جعل السلطة الواحدة تنقسم إلى رأسين و”هنا يكمن الخطأ” حسب قوله.

ويُشدد القيادي السابق بحركة النهضة خلال تطرقه للمأزق الدستوري والسياسي الذي وقعت فيه تونس بسبب التعديل الوزاري الأخير على أن دعوات الأحزاب الحاكمة (حركة النهضة) للتظاهر في الشارع “خطأ لأن الأحزاب التي هي في السلطة مدعوة للإنجاز لا للتظاهر”.

والأمر اللافت أن مورو لم يتردد في الاعتراف صراحة بخطأ الإسلاميين (حركة الاتجاه الإسلامي) بتكفير الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة الذي خاض صراعا مريرا معهم بسبب السلطة.

الاحتجاج خيار خاطئ

وسط مناخ عام يوحي بأن البلاد ترقص على حافة الهاوية بعد أن تصاعدت الأزمة السياسية، تزايدت التحذيرات من الانزلاق نحو مربع العنف بعد أن كثفت أحزاب دعواتها للنزول إلى الشارع على غرار حركة النهضة والحزب الدستوري الحر وحركة الشعب على خلفية أزمة التعديل الوزاري الذي أجراه رئيس الحكومة هشام المشيشي مؤخرا.

وقال مورو لـ”العرب” إن “هذه الأزمة متوقعة خاصة في الأنظمة الديمقراطية الجديدة التي تجهد نفسها من أجل المرور من وضع دكتاتوري إلى وضع مؤسساتي جديد من شأنه أن يفضي إلى استقرار الديمقراطية، إنها إشكالات التحول”.

ويرى أن “النظام الذي وضعناه في دستور 2014 حيث كان ينظر إليه من قبل أطراف على أنه درة من درر العالم، وهو كلام تسويقي، أراد الابتعاد عن الدكتاتورية (دكتاتورية رئيس الجمهورية) فقام بتقليص نفوذه وصلاحياته”.

مناخ عام يوحي بأن البلاد ترقص على حافة الهاوية بعد أن تصاعدت الأزمة السياسية، تزايدت التحذيرات من الانزلاق نحو مربع العنف

وللرجل الذي كان قد اعتزل السياسة وغادر النهضة في 2019 جرأة في الاعتراف بالفشل، قائلا “لم نستطع إلغاء هذا التعلق بالفردانية مرة واحدة فأردنا تطوير هذا النظام، لكننا وقعنا في فخ يتمثل في تقسيم سلطة واحدة إلى رأسين وهذا خطأ، ومن نتائجه أن يحصل في نطاق السلطة الواحدة تداع يجعل كل طرف يدعي لنفسه السلطة، أنا ضد هذا النظام وقلت ذلك منذ وقت سابق”.

ومورو البالغ 73 عاما اختار النأي بنفسه عن السياسة في أعقاب هزيمته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وعاد ليرتدي جبّة المحاماة بعد أن أيد بقوة التوافق من أجل تجنب انزلاق البلاد نحو مربعات العنف خلال تنافس الإسلاميين والعلمانيين قبيل وبعد انتخابات 2014.

وبالنسبة إلى ما يحدث على الساحة السياسية اليوم يعتقد مورو أنه ليس من حق رئيس الدولة رفع الفيتو ضد اختيار الحكومة أو تشكيلها، قائلا “الدستور لا يمنح الرئيس حق الاعتراض على تشكيل أو اختيار الحكومة، بل أعطاه استثناءات على غرار بعض القوانين التي يمررها البرلمان، مسؤوليته بعد منح البرلمان الثقة للحكومة تكون مقيدة وتجعله قائما بدور دستوري، هو دور مقيّد وعليه أن يمضي، لكن لا يمكن القيام بشيء يلزمه”.

وأفرزت الأزمة الأخيرة دعوات إلى عزل الرئيس قيس سعيّد. وبدا نواب من حزب قلب تونس وهو أحد مكونات الوسادة البرلمانية للمشيشي، متحمسين لها أكثر من أي طرف آخر، علاوة على بعض من قيادات النهضة.

ويقول مورو “أنا مع النأي بالرئيس سعيّد عن التجاذبات السياسية مثله مثل رئيس الحكومة. فرئيس الحكومة محتاج إلى دعم برلماني من الأحزاب، لكن من الخطأ الدعوة إلى عزل الرئيس. اليوم هناك أولويات أخرى على غرار الاقتصاد وتحسين الأوضاع الاجتماعية”.

ومؤخرا لوّحت عدة أحزاب على غرار النهضة والحزب الدستوري الحر بالنزول إلى الشارع والتأثير على الرأي العام. وبينما تقول الحركة الإسلامية إن دعوتها تأتي بحجة “دعم الشرعية”، يبرر حزب عبير موسي تلك الخطوة بأنها تأتي للدفاع “عن الشرعية والدولة المدنية”.

وهنا لا يرى مورو سببا للقيام بذلك ويوضح لـ”العرب” أن “استعمال الشارع أمر خطير، فضلا عن أن السلطات لا تستعمل الشارع بل الإنجاز. أما الشارع فتستعمله المعارضة في نطاق الاحتجاج وليس في النطاق السياسي، الطرفان في المعارضة وفي السلطة يتحملان المسؤولية”.

على الغنوشي الاعتزال

الغنوشي يؤاخذ سياسيا ومن الممكن تغيير رئاسة البرلمان عبر القوانين واللوائح وهذا يحدث  في مؤسسات أخرى
الغنوشي يؤاخذ سياسيا ومن الممكن تغيير رئاسة البرلمان عبر القوانين واللوائح وهذا يحدث في مؤسسات أخرى

تستمر التجاذبات تحت قبة البرلمان حيث ينقسم المجلس المنبثق عن انتخابات 2019 وسط مساعٍ لإسقاط رئيسه وهو الزعيم التاريخي للنهضة راشد الغنوشي.

ويقول مورو إن المشكلة ليست في رئاسة البرلمان “نعم رئيس المجلس يؤاخذ سياسيا وكذلك نوابه لأننا رأينا نائبته سميرة الشواشي تسبّ وتشتم رغم غياب الخلل في تسييرها للمجلس، لكن هناك أطراف لا تريد الاعتراف بالبرلمان ولا بالثورة وتسعى إلى هدم هذا المجلس، هناك أساليب لتعطيل البرلمان، هناك إرادة لإظهار عجز البرلمان أمام الرأي العام”.

واستدرك مورو في حديثه أنه من “الممكن تغيير رئاسة البرلمان عبر القوانين واللوائح وهذا يحدث في مؤسسات أخرى (…) رئيس البرلمان راشد الغنوشي لم يتنازع حول الصلاحيات مع أحد لأنها مكفولة بالقانون في الأنظمة الديمقراطية، لكن بالنسبة إلي على الغنوشي أن يعتزل السياسة، لقد أتعبناه في حركة النهضة طيلة خمسين عاما (…) ليعتبرها نصيحة أخوية ووطنية أيضا ويعتزل السياسة ليتفرغ إلى عمل آخر”.

الإسلاميون والسلطة

احتفى التونسيون منذ أيام بمرور عقد كامل على اندلاع الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي وسط تراشق بالتهم حول مسؤولية الانتكاسات التي عرفتها البلاد طيلة العشرية الأخيرة.

ووجدت النهضة نفسها في مرمى اتهامات خصومها الذين يقولون إنها لم تقدم شيئا للبلاد طيلة السنوات الماضية، حيث ساءت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ما ولد في الآونة الأخيرة غضبا في الشارع الذي طالب بـ”إسقاط النظام”.

ويشدد مورو على أن “الإسلاميين لم يقدموا بديلا عن الدولة الوطنية خلال هذه العشرية، هم يقولون إنهم لم يجدوا الفرصة وإنهم دخلوا المعارك السياسية عوض الدخول في الثورة”، موضحا أن “هذا الأمر ينسحب على بقية الأطياف أيضًا”، متسائلا “ماذا قدم الدستوريون؟ ماذا قدم اليساريون؟ ماذا قدم القوميون؟ جميعهم لم يقدموا شيئا، لقد انصرفوا إلى المعارك السياسية التي لا تغير في واقع التونسي شيئا، كان على هؤلاء أن يعملوا مع بعضهم البعض من أجل التغيير”.

الإسلاميون أخطأوا عندما كفروا الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي خاض صراعا مريرا معهم بسبب السلطة

ومورو من بين القيادات التي غادرت حركة الاتجاه الإسلامي في تسعينات القرن الماضي بسبب هجوم رفاقه في الحزب على أحد مقرات حزب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وعقب الثورة شارك في انتخابات برلمانية كمستقل لكنه فشل في الوصول إلى البرلمان قبل أن يعود إلى الحزب في 2012 ويساهم في التفاوض مع العلمانيين.

ولعل من بين الأشياء التي لم يغفرها التونسيون لمورو ورفاقه هو استقبالهم لرجل الدين المتشدد وجدي غنيم الذي طردته لندن في 2009، حيث استقبلوه في تونس سنة 2013 لكن مورو تدارك بالاعتذار عن الحادثة.

ولكن هناك أيضا تكفير الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي يمقته الإسلاميون إثر الإصلاحات الجذرية التي اتخذها في مجالي حرية المرأة وتحجيم نفوذ رجال الدين (مشائخ الزيتونة).

ويؤكد مورو في هذه النقطة أن “ذلك كان خطأ دون أدنى شك، الأحزاب تخطئ وتتدارك بالتحرك، الأحزاب تتطور بالزمن وبالأخطاء، والأحزاب تغطي مرحلة من مراحل الوطن ثم تضمحل، وأثناء تلك المراحل تخطئ الأحزاب سواء بسبب ممارستها للسلطة أو بسبب غياب الوعي الكافي، لكن لا النهضة ولا غيرها من الأحزاب قادرة على أن تعمر. لقد كان ذلك خطأ”.

6