عبدالرحيم شاهين: ألوان البهجة والنساء ضرورة فنية للتعايش مع كورونا

الفنان التشكيلي المصري يؤكد أن الفن هو الأداة الأنسب للمقاومة في زمن القبح، وأنه يُعيد التوازن للعالم بعد انقضاء الجائحة.
الثلاثاء 2020/06/30
بين ذاكرتين

من وظائف الفن رسم الجمال وإطلاق الأمل، ونسج السحر ومقاومة القُبح. بتلك الفكرة يتصوّر الفنان التشكيلي المصري عبدالرحيم شاهين دور الفن في إعادة التوازن للعالم بعد جائحة موجعة وغير مسبوقة، غرست بذور الأحزان شرقا وغربا، وأظلمت نفوس البشر وذواتهم خوفا ووهنا.

القاهرة – بدأ التشكيلي المصري عبدالرحيم شاهين مسيرته الفنية في سن الرابعة عشرة، متخصصا في فن النحت قبل أن ينتقل منه إلى الفن التشكيلي مشاركا في معارض دولية وإقليمية متنوعة، ومقيما معارضه الخاصة التي بلغ عددها 23 معرضا كان آخرها معرض “هي والبحر” في القاهرة.

وأكّد شاهين في حواره مع “العرب” أن فن الرسم يمثل فرصة مواتية لصناعة البهجة، ويمكن تشكيل مقاومة فنية للجائحة وما فرضته من مشاعر سلبية على البشر من خلال الألوان والظلال.

وقال، إن وظيفة الألوان في اللوحات هي صناعة البهجة، ويمكن توظيف كل لون باختلاف درجاته لبث مشاعر الفرح والسرور، ولكل درجة من درجات اللون وقع وإحساس، فالفن بشكل عام يخاطب الوجدان، وأن حياة الفنان تشهد دوما حالة اشتباك مستمرة مع ما حوله، لشعوره الدائم بأنه ملزم بتقديم رسالة خير إلى العالم كله.

وأشار إلى أن الاستعانة بالأنثى مهم للتعبير عن انتصار الحياة والتحضر والنماء والخصوبة، وهو ما يشكل عنصرا محوريا في معظم أعماله.

وعبدالرحين شاهين فنان مصري من مواليد مدينة قنا، بجنوب مصر، عام 1953، وتخرّج في كلية الفنون الجميلة ببغداد سنة 1972، وحصل هناك على الماجستير في الفنون من جامعة بغداد، ثُم حصل على الدكتوراه في دراسات علم الجمال سنة 1986 وعمل بتدريس علم الجمال في العراق خلال الفترة من 1979 إلى 1991.

وحصل الفنان على عدد من الجوائز الدولية والمحلية كان أبرزها جائزة الشراع الذهبي من الكويت، جائزة التفوق التكنيكي من المكسيك، جائزة الإبداع لفنون الشرق الأوسط من بوسطن، فضلا عن جوائز القوات المسلحة المصرية في التصوير سنة 1999 وجائزة الإبداع في الأعمال الفنية الصغيرة في العام ذاته.

حائط مقاومة

عبدالرحيم شاهين: أستعين بالأنثى في لوحاتي للتعبير عن انتصار الحياة والتحضر
عبدالرحيم شاهين: أستعين بالأنثى في لوحاتي للتعبير عن انتصار الحياة والتحضر 

قال الفنان المصري، لـ”العرب”، إن الفن يطرح أسئلة الوجود الملتبسة والمستحيلة ويوظف التخييل لبناء إطار تعبيري جامع للجمال لأنه ينبع من الوجدان، ففي زمن القبح ليس أنسب من الإبداع كأداة ملائمة للمقاومة.

من هُنا يتم استدعاء المرأة باعتبارها محور الكون وشاهده الأزلي وخصم القبح الأول والمقاوم الأقوى له في كل مكان وزمان، فالمرأة هي الرومانسية المفتقدة، والحب التائه، والبراءة الغضّة، يرسمها وكأنه يناديها ويخاطبها بقصد وبتلميح وبكل طريقة لتواجه وتقاوم وتتحرّر وتُحرّر، هي الحرية الحقيقية لديه، ولا تغيب عن أي معرض من معارضه.

وأضاف أنه يتحدّث إلى المرأة وجها لوجه، ويكلّمها من خلف ظهرها، ومن كل ناحية ممكنة، ويستحثّها للخروج من الحزن إلى السرور، ومن الشجن إلى البهجة، ومن العزلة إلى الانفتاح والتحرّر.

وتبدو المرأة حاضرة دائما في معارض وأعمال الفنان عبدالرحيم شاهين، حيث تتحرّك من ظل إلى نور، وتقف بفخر وإغواء ورضا وتأمل وسرور وتبثّ عيناها دوما نداءات التطلع للحرية، ففي لوحة “رجل وامرأة وتفاحة” يقف الرجل حائلا أمام تطلعات المرأة للأفق الفسيح فاردا ذراعيه التي يحمل في إحداها تفاحة، بينما تبدو هي في وضع تأمل وكأنها تفكّر في قبول تفاحة الرجل أو التمنّع بكبرياء أنثوي.

وفي لوحة “امرأة وسمكة” نجد امرأة جميلة تواجه سمكة كبيرة وكأنها تتحدّث إليها وتبثّها همومها وتشكو لها أوجاعها، وفي لوحة أخرى تحمل العنوان نفسه تعطي المرأة السمكة ظهرها وتتأمّل مشهدا لا نراه، ربما لأنه يمثل مشهدا مرفوضا لديها، كأنها تفكّر في السمكة فقط باعتبارها رمز الخير والعطاء، وتظهر المرأة في إحدى اللوحات ساحبة الرداء الذي خلعته وتسير في زهو يعكس سحر الجمال وقوة الغواية، وتتكرّر لوحات النساء لدى الفنان لنرى سيدتين في لوحة واحدة تسيران كأنهما تائهتان وسط الأطلال والخرائب.

الأساطير التاريخية والرموز المجتمعية في خدمة اللوحة
الأساطير التاريخية والرموز المجتمعية في خدمة اللوحة

وتعبّر لوحة “امرأة في الأصفاد” عن قيود مجتمعية وتراثية لا حصر لها تكبل النساء في العالم العربي، وتحاول الفكاك منها، وحتى الصور الخالية من النساء تبدو فيها الطبيعة الخلاّبة بمثابة أنثى بكر، وفي لوحة “مراكب البحر” لا نرى صور نساء، لكن نشعر برائحة أنثوية تنبع من لون البحر وأشرعة المراكب المتعانقة معا.

ويؤكّد استدعاء المرأة في أعمال شاهين فكرة الثنائية الحاكمة للطبيعة، فالمرأة هي المقابل الجيني للرجل، ومثلهما ثنائيات عديدة كالنهار والليل، الخير والشر، السماء والأرض، الحق والباطل.

أشار شاهين إلى أن توظيف الأساطير التاريخية والرموز المجتمعية مسألة مهمة للغاية لفتح مجالات أوسع للفن، وللتحليق في سماوات رحبة والوصول بالرومانسية إلى أعلى سقف ممكن، خاصة في ظل وقائع الوجع الإنساني حولنا شرقا وغربا.

وتلك الأوجاع، من حروب وخراب وإرهاب واستغلال وتعصّب وجهل وفقر ومرض تحتاج إلى وعي تشكيلي يتعاطى ويتفاعل مع الإبداع لاسترداد الرومانسية الغائبة.

أمية تشكيلية

"المرأة والسمكة".. رمز للخير والعطاء
"المرأة والسمكة".. رمز للخير والعطاء

شدّد شاهين، على ضرورة تأسيس حوار بنّاء بين حالة الإبداع والمتلقي لكسر الأميّة التشكيلية المفجعة والمخجلة التي نمت وهيمنت وسيطرت في ظل معاداة الفنون والجهل بالإبداع وتجاهله رسميا وشعبيا.

ولفت إلى أن جانبا كبيرا من الأميّة التشكيلية السائدة يرجع للتوحّش السكاني غير المخطّط، وتحوّل الفنون إلى اهتمامات ثانوية لدى الكثير من الحكومات، حاكيا أنه كانت هناك مراسم في المدارس بمصر خلال الخمسينات والستينات، وورش تدريب وتعليم للنشء في كافة قصور الثقافة وفي كل المحافظات، إلى جوار ذلك كانت هناك نظرة اهتمام وإعجاب بكل مبدع.

وحكى الفنان المصري أنه قرأ وعمره 14 عاما في المدرسة مؤلفات أرسطو واطلع على تاريخ العالم وتاريخ الفن الحديث في المكتبة المدرسية، معتقدا أن الكثافة السكانية تؤثّر بالسلب على قيم التحضّر والجمال، وفي ظل ثقافة الزحام والضجيج لا يمكن لفن عظيم أن ينمو.

وأسّس شاهين عام 1997 مدرسة تعبيرية حديثة سعت إلى تخريج مواهب إبداعية لديها رؤى تحديثية وتصوّرات للنهوض بالحركة الفنية، وتعلّم فيها الكثير من أصحاب المواهب البارزة في الوقت الحالي.

مراكب تتقاذفها أمواج من الألوان والظلال
مراكب تتقاذفها أمواج من الألوان والظلال

وقال “إذا أردنا أن نواجه الأميّة التشكيلية بصدق، علينا أن نفضّ الاشتباك بين منغصات الحياة اليومية وبين الإنسان، بدءا من الزحام والعشوائيات والضجيج وحتى حرية التعبير والتفكير”.

وأكّد شاهين، أن الفن هو من أهم الركائز الحقيقية لمواجهة الإرهاب والتعصّب، ما يدفع إلى ضرورة دعم ومساندة وتشجيع وزارات الثقافة في العالم العربي للفنانين والمبدعين والوقوف إلى جوارهم.

وحول تقنياته الخاصة، قال الفنان التشكيلي المصري، إنه أول من عمل بخامات الأكاسيد في جيله، وهي خامات رخيصة ومعمّرة جدا، وكان المصريون القدماء من أوائل من استخدموها في الرسومات على المعابد والآثار القديمة، ويتم جلبها من جبال سيناء الغنية بالأكاسيد ذات الألوان المبهرة.

والأكسيد عبارة عن أحجار رسوبية قديمة ومتحوّلة الألوان تحت تأثير الحرارة والضغط الجوي، ويمكن إضافة محسنات إليها، مثل زيت بذرة الكتان للحصول على اللون المظلم، أو زيت الزيتون مع بعض قطرات المواد المجفّفة لتيسير الحركة بين أجزاء اللوحة.

ولا يفضّل شاهين استخدام اللون الأسود إلاّ بحرص شديد للحصول على قدر من الظلال، فالألوان الداكنة تخنق البهجة في اللوحات، ومن الضروري استخدام الظل والنور بتناغم للتعبير عن ذاتية كل فنان، مشيرا لتفضيله تكنيك التدرّج في الظل للوصول إلى لون غامق إلى حد العتمة، ومع التدرّج في النور لدرجة إبهار العين، فالعلاقة البصرية المتضادة تكسب اللوحات عمقا نفسيا.

16