عباس الحايك مسرحي سعودي أثرت نصوصه خشبات المسارح العربية

الكاتب عباس الحايك يرى أن المسرح لم يمس قضايا الناس، ولم يقدم أعمالا مسرحية يجد فيها الجمهور محاكاة لهمومهم وقضاياهم، وصار يدور في تهويمات بعيدة عن الواقع
الاثنين 2019/04/15
عباس الحايك: المسرح السعودي منذ نشأته واجه التهميش والرفض من البدايات

يعد الكاتب المسرحي السعودي عباس الحايك واحدا من أهم المسرحيين في الخليج العربي، حيث تشتبك أعماله وتتفاعل مع واقع المجتمعات في هذه المنطقة، ومع انعكاسات ما يجري عالميا وفي محيطها الإقليمي عليها، الأمر الذي جعلها موضع إقبال المخرجين من الكويت وسلطنة عمان والإمارات والبحرين وبالطبع السعودية، هنا حوار للحايك مع “العرب” حول علاقته بأبي الفنون، الفن الذي حول وجهته من الرسم والشعر والقصة إلى الكتابة المسرحية التي يعشق.

قائمة نصوص الكاتب السعودي عباس الحايك التي قدمت على خشبات المسارح العربية عامة والخليجية طويلة؛ فمثلا نصه “المزبلة الفاضلة” قدمه العديد من المخرجين المسرحيين مثل: السوري هاشم غزال، والمغربي عبدالواحد الخلفي، والكويتيان علي المذن وعلي حسن، والعراقي نشأت مبارك، والقطري عبدالله البكري لفرقة جلجامش البحرينية، وغيرهم في عدد من الدول العربية منها: السعودية، عمان، الإمارات، الكويت، الأردن، العراق، المغرب، ليبيا، سوريا والجزائر.

وقدم له الكويتي عبدالله السعداوي نص “فصول من عذابات الشيخ أحمد”، ونص “المعلقون” أخرجه الكويتي خالد المفيدي، والسوري غسان الدبس في الدمام، ومن سلطنة عمان قدم له المخرج يوسف البلوشي عرض “مدق الحناء” الفائز بجائزة أفضل عرض متكامل في مهرجان المسرح الخليجي في دورته الثالثة. وفي هذا الحوار مع “العرب” نتعرف على تجليات تجربة عباس الحايك ورؤاه الفكرية وآرائه في ما يجري الآن.

 أكثر من كاتب

بدأ عباس الحايك رساما فقاصا ثم شاعرا وأخيرا مسرحيا وكاتب سيناريو أفلام، وقد أكد أنه في كل هذه المراحل كان ساعيا وباحثا عما هو عليه، وقال “هي مراحل اكتشاف لإمكانياتي وذاتي، هل أنا رسام فعلا؟ بدأت أرسم وطورت أدواتي في الرسم عبر ثلاث دورات احترافية، وشاركت في معارض تشكيلية، لكنني لم أجد ذاتي في عالم التشكيل، وجربت كتابة القصة القصيرة وشاركت في مسابقات، ولم أجد ذاتي هناك أيضا، كتبت الشعر وشاركت في أمسيات ونشرت نصوصا، ولم أجد ذاتي أيضا في الشعر، حتى اكتشفت عالم المسرح عبر نصوص سعدالله ونوس، ولاحقا كتابات جواد الأسدي عن المسرح، فوجدت أن هذا عالمي الخاص الذي أبحث عنه، وهكذا أرسيت سفني على مرافئ المسرح، أما بالنسبة لكتابة السيناريو، فهي امتداد للكتابة المسرحية، ولم أجد تعارضا بينها وبين كتابة المسرح”.

وأوضح الحايك “كان توجهي للمسرح عبر قراءة النصوص، فحين كنت عضوا في ملتقى القديح الأدبي، الذي أسسناه مع ثلة من الأصدقاء في قريتي القديح، كنا نجتمع أسبوعيا لمناقشة نصوصنا الشعرية، فوقعت في يدي نصوص سعدالله ونوس منسوخة، قرأتها فوجدتني مشدودا إلى المسرح، إلى عوالمه، إلى شخصياته، ولأن رأسي كان مليئا بالحكايات والشخوص، وجدت في المسرح ضالتي، والكتابة له منصتي”.

ويضيف “المسرح كما يقولون هو أبو الفنون، المسرح يشمل فنونا وآدابا مختلفة، يشمل الرسم والموسيقى والرقص والكتابة، فأن أكون قد مررت على هذه الفنون كممارس، يعني أنها تمكنني من إدراك تفاصيل العرض المسرحي، كما مكنتني من الكتابة للمسرح بنفس مسرحي، وبلغة مسرحية تتجاوز اللغة الأدبية التي يتورط فيها بعض كتاب المسرح”.

أعمال الحايك المسرحية تعكس ما يجري في محيطه الإقليمي
أعمال الحايك المسرحية تعكس ما يجري في محيطه الإقليمي

وحول رؤيته لإخراج نصه “مدق الحناء” وأسباب اختياره لمخرج عماني وفرقة عمانية، قال “مدق الحناء، هو العنوان الذي اختاره المخرج العماني يوسف البلوشي لنصي: أم الخير، نصي الذي كتبته قبل ثلاث سنوت للمشاركة فيه في مسابقة تأليف مسرحي خليجية، لم يحالفني الحظ يومها للفوز بأي جائزة، فآثرت أن أنشر النص على مدونتي، اطلع عليه أحد ممثلي فرقة مزون فأعجب به، ففاتحني بأمر تنفيذه، لم ينفذ النص آنذاك ويبدو أنه كان مشروعا مؤجلا”.

ويسترسل “بعد أن تم الإعلان عن الدورة الثالثة من المهرجان الخليجي، بدأت الفرقة بالتحضير للعرض، وبدأنا التواصل، لتطوير النص والوقوف على رؤية المخرج الذي كانت لي معه عدة تجارب سابقة من بينها إخراجه نصي: زهرة الحكايا، والنص يتناول موضوع الحرية، وكيف أن الإنسان مهما كانت طبقته أو خلفيته تواق بطبعه إلى الحرية ويرفض أن يكون تحت العبودية والوصاية”.

والحكاية لا مكان محددا لها ولا زمان، تمس كل الناس، وهو ما أغرى البلوشي لتقديم النص بثيمات عمانية، وكان من المفترض أن يحضر الحايك العرض في الشارقة، لكن وفاة والده منعه من ذلك.

أشار عباس الحايك في حواره مع “العرب” إلى أن المسرح السعودي منذ نشأته وهو يعاني، فقد واجه التهميش والرفض من البدايات، خاصة بعد سطوة المتشددين الذين رأوا في المسرح فنا تغريبيا محرضا على فساد المجتمع، فوقفوا ضده ومنعوا كل محاولات تكريسه في وجدان السعوديين، إضافة إلى ذلك واجه عدم الاهتمام من قبل الجهات الرسمية، مما حال دون تشكل حركة مسرحية نابضة كما هو الحال في الكويت، وأن يكون فنا شعبيا.

كاتب مستقل

يوضح الحايك “المسرحيون الجادون يمارسون المسرح دون ميزانيات بعد إعلان حالة التقشف من قبل جمعية الثقافة والفنون، والتقتير على هذا الفن بالتحديد كمكون ثقافي، بينما يجد مسرح التهريج الاهتمام والمساحة الواسعة ليقدم للجمهور عروضا بلا قيمة، سوى الضحك”.

ويضيف “المسرحيون السعوديون يناضلون من أجل شغفهم؛ يدفعون من جيوبهم لتنفيذ عروض مسرحية تمكنهم من المشاركة في المهرجانات، والعديد من هذه العروض شرفت الثقافة السعودية، وحصدت جوائز، ومع هذا لم تجد أي التفاتة من المسؤولين، وكنا كمسرحيين قد استبشرنا بهيئة الثقافة ثم بوزارة الثقافة، وحتى الآن وضع المسرح مكانك سر”.

ولفت الحايك إلى أن تجربته تواجه العديد من التحديات، وأضاف “أنا كاتب مستقل لست منضما إلى أي فرقة، أكتب نصوصي لتجد طريقها إلى الخشبة، كنت أمام خيارين، إما أن أركن نصوصي في الأدراج بحثا عن مخرج بمقاسي، أتفاهم وأتواصل معه، وهذا صعب إذ لم تكن لي علاقات تربطني بمخرجين لأضمن تنفيذ نصوصي من خلال رؤاهم، وإما أن أضطر لنشر نصوصي حتى تكون متاحة للمخرجين من خارج حدود بلدي، وقد اخترت طريق النشر، وهذا الخيار حقق لي انتشارا، وأيضا لاسمي ونصوصي”. ونصوص الحايك تقدم في كل دول الخليج بفضل نشرها في مدونته التي يزورها أسبوعيا أكثر من ثلاثة آلاف زائر، من الباحثين عن النصوص، ومن هناك وجدت نصوصه طريقها للخشبات العربية، وترجمت نصوصه إلى العديد من اللغات مثل السريانية والفرنسية والكردية.

ويقول “لولا فكرة النشر لما وصلت نصوصي إلى كل مكان، لكن هذا الخيار له ثمن أيضا، حيث إن أدبيات بعض المخرجين لم ترتق إلى مبدأ أخذ الإذن الخطي مني ككاتب نص لتنفيذ نصوصي، فكثيرا ما أفاجأ بتنفيذ نصوصي في معاهد التمثيل أو في مهرجانات تقدمها فرق دون الرجوع إلي لأخذ الإذن، أو حتى من باب تمكيني من المعلومة، وهذا أكثر تحد يواجهني”.

وأكد الحايك أن حجم الحرية متباين من بلد خليجي أو عربي إلى آخر. وهو يرى أن “المسرح يحتاج إلى حرية أكبر، حتى يكون له دور حقيقي؛ دور جمالي ودور عضوي في المنظومة الاجتماعية، المسرح لا يمكنه أن يكون فاعلا بلا حرية حقيقية، بلا نظرات خشية ممّا سيقدمه، ودون النظر إلى المسرحيين بأنهم متهمون”.

ويرى الكاتب المسرحي السعودي أن مشاكل المسرح العربي يمكن تقسيمها إلى عدة أقسام، وهي أيضا تصدق على دولة دون أخرى، ويقول “مسألة الاهتمام بالمسرح كمكون ثقافي أو حتى مكون ترفيهي يقدم قيمة فكرية موازية لقيمة الضحك، لم تقتنع به المؤسسات الرسمية، وهي لا تجد غضاضة في تهميشه، فالمسرح ليس منصة جيدة أيضا ليكون سوط الحكومات والمتحدث باسمها، ولو كان كذلك لوجد منها جل الاهتمام به”.

الكتاب المسرحيون صاروا يكتبون نصوصا هي أقرب إلى قصائد النثر، وليست نصوصا مسرحية تحمل دراما مشوقة

وهو يرى أن المسرح لم يمس قضايا الناس، ولم يقدم أعمالا مسرحية يجد فيها الجمهور محاكاة لهمومهم وقضاياهم، ويقول “المسرح تغرّب عن الناس وابتعد، صار يدور في تهويمات بعيدة عن واقعهم، فالكتاب صاروا يكتبون نصوصا هي أقرب إلى قصائد النثر، وليست نصوصا مسرحية تحمل دراما مشوقة”. ويضيف “الدراما هي ما يبحث عنه الناس، ويبحثون عن الفرجة التي غيبها البحث عن مفردات تجريبية في العرض المسرحي، مثل هذه العروض تبدو نافرة عمّا يتناسب مع الجمهور العادي، وتصلح فقط للمهرجانات، المسرح الحقيقي انزوى في دائرة المهرجانات التي لا تحضرها سوى الوجوه ذاتها التي تسافر من مهرجان إلى مهرجان، وانزوى بعيدا عن الجمهور الحقيقي الذي يمكن أن يحقق معادلة التلقي”.

وللخروج بالمسرح مما هو فيه وعودته إلى مناقشة قضايا الإنسان المصيرية، أكد عباس الحايك أن الحل في الحرية أولا وأخيرا، وأن يترك المسرحيون ليكونوا أكثر شجاعة من كاتب العمود الصحافي، يجادلون في القضايا دون خوف ولا توجس.

ويختم موضحا “أبو الفنون يحتاج إلى دعم مالي يكفي لتقديم عروض جيدة، تقدم فرجة مسرحية ووجبة فنية تظل في ذاكرة الناس، يحتاج إلى صالات مهيأة، ويحتاج إلى اعتراف به ولا ينظر إليه كمجرد عبث، يحتاج إلى مسؤول واع يعي أهمية هذا الفن، ويحتاج أن يدار عبر مؤسسات مسرحية مستقلة دون أن يكون تابعا لجهات رسمية لا علاقة لها بالمسرح، وإلى غير ذلك من الاحتياجات التي لو توفرت لكان المسرح حاضرا”.

17