ظاهرة سي تومبلي

ذلك الفنان الذي وصل إلى نوع خاص به من التجريد وهو نوع صار له مقلّدوه في مختلف أنحاء العالم لا يمكن أن تخطئ لوحته العين، بالرغم من أن تلك اللوحة لا تظهر شيئا بعينه ولا يمكن تمييز أشكال، يمكن أن يُقال إن الفنان ابتكرها.
الاثنين 2020/10/26
لوحات تطرح أسئلة حائرة (عمل فني لسي تومبلي)

لا تزال لوحات الأميركي سي تومبلي (1928ــ2011) تتصدّر قائمة المبيعات في المزادات الفنية. في الأيام الأخيرة بيعت إحدى لوحاته بأكثر من 38 مليون دولار وهو ما أثار دهشة الكثيرين، إذ أن تلك اللوحة لم يحتو سطحها إلاّ على عدد مبعثر من خطوط قلم الرصاص التي لا تصنع أشكالا.

الناظر إلى تلك اللوحة ربما لا يميزها باعتبارها عملا فنيا، غير أن توقيع تومبلي وحده هو ما منحها تلك الصفة. في كل مرة تُباع فيها إحدى لوحات ذلك الفنان تُثار الأسئلة الحائرة نفسها التي تنبعث من رغبة في الفهم.

فهم الدافع الذي يقف وراء ارتفاع أسعار لوحات لا يرى المشاهد العادي فيها ما يمتعه أو ما يتوقّع أن يراه في لوحة فنية. أعتقد أن ظاهرة تومبلي استثنائية في كل القياسات. أثناء حياته بُيعت لوحاته بأسعار، كانت هي الأعلى بالنسبة لفنان لا يزال حيا. وبعد موته تصاعدت تلك الأسعار وصارت مثار تعجب واستغراب بالنسبة لجمهرة المقتنيين ممّن صاروا يتسابقون في ما بينهم للاستحواذ عليها.

ذلك الفنان الذي وصل إلى نوع خاص به من التجريد وهو نوع صار له مقلّدوه في مختلف أنحاء العالم لا يمكن أن تخطئ لوحته العين، بالرغم من أن تلك اللوحة لا تظهر شيئا بعينه ولا يمكن تمييز أشكال، يمكن أن يُقال إن الفنان ابتكرها.

الخط هو عنصره الوحيد الذي يمكن النظر إليه باعتباره مفردة جمالية. ليست هناك مساحات ملونة، حيث ينتشر البياض في كل أرجاء السطح. في مرحلة ما رسم تومبلي زهورا حمراء عملاقة بطريقة لم يسبقه إليها أحد.

كانت تلك الزهور مرسومة بالخطوط العبثية نفسها التي اعتاد الفنان اللجوء إليها في التعبير عن وحدته. يومها اعتبره الكثيرون الوارث المعاصر للفنان الفرنسي كلود مونيه. وحين بحث المنسقون عمّن يكمل مسيرة البريطاني وليام تورنر ومونيه في عالمنا المعاصر اتجهت أنظارهم إلى سي تومبلي، الرسام الذي نجد في سطوح لوحاته البيضاء ما يمكن اعتباره اختصارا جماليا عميقا لما سعى الرسامان السابقان له إلى إنجازه على مستوى تجريد الجمال من طابعه النفعي. ظاهرة سي تومبلي ينبغي تأملها بعمق قبل التعليق المغرض على أسعار لوحاته.

16