صهيل الخيول يتّسع للفلسفة التجهيزية لبسام كيرلس

نحات لبناني يتوغّل جماليا في تناقضات الإنسان المعاصر وفوضى حواسه.
الأربعاء 2021/06/16
خيال متحرر من الرؤى الجمالية السائدة

تستقبل صالة “براك نعماني” البيروتية معرضا للنحات اللبناني بسام كيرلس يحتوي قطعا نحتية/معدنية جديدة ومختلفة الأحجام اشتغلها الفنان لتتوافق مع أفكاره الفلسفية التي أغناها خلال مسيرته ماضيا وحاضرا.

بيروت - تستضيف صالة “براك نعماني” بالعاصمة اللبنانية بيروت حاليا معرضا جديدا للنحات اللبناني بسام كيرلس يضم 13 عملا نحتيا أهمها مجموعة لأحصنة لم تبال بضيق مساحة صالة العرض، بل جعلته في خدمة أحد أهم أفكار الفنان الفلسفية التي غذّى بها نصّه عبر السنين، والقائل إن الإنسان المعاصر يسكن الزمن وليس المكان.

والزمن قابل للتوسّع في كل الاتجاهات كما هو قابل للتلاشي ببساطة وهدوء تماما كما يتلاشى سراب أو وهم ما، وإن لعب هذا الوهم دورا أساسيا في حياة البشرية منذ أن حلّت على هذه الأرض التي هي بدورها ستفنى يوما ما، يوم معلوم عند خالقها.

إضافة إلى منحوتات العمارة والصروح المُتصدعة والمُهشمة والشاهدة على حروب مضت والتي اشتهر بها الفنان، سرحت أحصنته القليلة غير الضئيلة ما بين تلك الأبنية، وهي بالرغم من ثبات وصلابة المادة المكونة لها، تحلّق بصهيلها (الأثيري حُكما) لتجتاح به الجدران فتوسّعها افتراضيا.

صهيل مسموع

منحوتات تهجس بالفلسفي والروحي الموشّح بسوداوية جريئة تأبى الميلودرامية وترفض منطق العواطف

منحوتات بسام كيرلس بإمكانها، وخلافا لعدد كبير من أعمال فنانين نحاتين آخرين، أن تستوطن أماكن رحبة أو ضيقة. وقد استطاع براك نعماني صاحب الصالة الفنية سينوغرافيّا وببراعة أن ينظم “زيارة” إلى منحوتات كيرلس عبر فضاء صالته الحميمية بشكل يجعلها تتنفّس وبطريقة تسمح لأحصنته بأن يتسلق صهيلها الجدران بكل حرية.

المنحوتات كعادتها تهجس بالأثيري/ الفلسفي/ الروحي، الموشّح بسوداوية جريئة تأبى الميلودرامية وترفض منطق العواطف. منحوتات هي في عزّ تعبيريتها الفنية ترضخ لسلطة العقل، وكأن بها يسرد الفنان قصة الإنسانية القائمة على الحروب والغطرسة.

وتأتي المفارقة في أعمال الفنان الجديدة كما السابقة أن الشاعريّ والعاطفيّ يولدان من قلب هذا العقل الذي يراقب ويرفض الاحتكام إلى فوضى الحواس والحساسية المرتبطة بسذاجة النظرة إلى الأمور.

ويستحيل الكلام عن فن كيرلس دون ذكر أنه مولود سنة 1971، أي هو من جيل الحرب اللبنانية بامتياز، عايشها بكل تفاصيلها، وهو اليوم يتلقى شأنه كشأن كل لبناني مقيم في لبنان موجات جديدة منها وإن أتت بهيئات مختلفة. وطبعا تبقى حساسية الفنان وموهبته في تظهير آثار الحروب والأفكار المؤسّسة لها هي الأمضى في التعبير عن تلك التجارب أكثر من أي فرد عادي.

أحصنة الفنان هي من أهم المعروضات في صالة “براك نعماني” اليوم لأنها جمعت الثبات بالحركة، والعذوبة بالقسوة، والجامد بالحيّ لتعبّر حينا عن انطلاقة مُتعسرة، كما في هيئاتها (أي هيئة الخيل) عندما تكون منخورة بفعل أدوات الحرب ومرور الزمن، وقابعة في أرضها لا شيء بها يشي بأدنى حركة، إلاّ تلك التي تعتمل في الداخل. وحينا آخر تعبّر عن تقدمّ يتخطى صلابة المادة التي استخدمها الفنان.

اليوم تتخطّى “ظاهرة” التقدّم الحصان المُتقدّم ذاته. ونرى ذلك بفضل مفهوم لم يفارق ذهن الفنان يوما، وهو مفهوم السرعة الشبيهة بسرعة الضوء وقابلية تجسيده نحتا في المادة الصلبة.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يجسّد فيها كيرلس الخيل كرمز من رموز ألعاب الطفولة، ولكنها ربما هي المرة الأولى التي يطال فيها التفكيك نبض وإيقاع الحركة غير المرئية التي تسكن كائناته الحيّة (الحصان).

أسئلة معلقة

Thumbnail

بدت المنحوتات التي تجسّد أحصنة، كما العمارات التي أنجزها سابقا، “تلتوي” بفعل المعدن المصنوعة منه لتبدو وكأنها انبثاق خارج مفهوم الوقت والمكان التقليديين. ويتجلّى هذا الوصف تحديدا وواقعيا بالجهد النحتي الكثيف الذي صدّع النصف الأخير من هيئة منحوتات الحصان ليبدو وكأن سرعته تتخطّاه هو، كحصان ذي بنية حديدية.

هنا، في هذه الأعمال وغيرها ممّا حضر في صالة العرض، يدخل عنصر الزمن بطريقة مختلفة جدا عن دخوله إليها في معارضه السابقة. أصبحت المباني والعمارات – التي لا زالت تحافظ بعناد على “دمارها” حتى صار اليوم طبيعتها الثانية – زمنا مائعا بديلا عن مفهوم المسكن الثابت الذي يوحي بالسلام والطمأنينة والاستقرار.

وتأخذنا هذه الأفكار إلى مجموعة منحوتات جديدة للفنان ليست معروضة في صالة “براك نعماني” وهي لمبنى إهراءات القمح بعد انفجار مرفأ بيروت. إنه السكن في الزمن المُعلّق والمُترنّح والثابت في آن واحد كصرح شاهد على ذاته وعلى ما يحيط به وصولا إلى حدود لبنان شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.

أعمال الفنان اللبناني تسكن في الزمن المُعلّق والمُترنّح والثابت في آن واحد كصرح شاهد على ما يحيط بواقعه وذاته وبلده

إنه السكن في الزمن المُترنّح والثابت الذي ينتظر ولا ينتظر في آن واحد تحوّلا ما يحلّه من رباط أن يكون “حالة وجودية/ نهائية”. ولكن كيف يُمكن السكن في هكذا زمن بعيدا عن طمأنينة الأماكن بعد تحلّلها؟ سؤال لم يُجب عنه الفنان، ولكنه يستمر في طرحه بأكثر من شكل.

وولد كيرلس سنة 1971 في بنتاعل التابعة لجبيل ولا يزال مقيما هناك. دَرس الرسم في كلية الفنون بالجامعة اللبنانية. ما بين عامي 1996 و1998 التحق بمشغل الفنان الفرنسي جويل فيشر بباريس لدراسة النحت، ثم انتقل إلى روما وقضى هناك عامين في دراسة الرسم والتصوير، حصل على دبلوم في الخزف سنة 1999 من معهد سولندو.

وفي العام 2000 عاد إلى لبنان ليترأس جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت. وهو يدرّس منذ سنوات بكليّة الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية. شارك في العديد من المتلقيات النحتية العالمية بفرنسا وإيطاليا، وأخرى عربية أهمها بسلطنة عُمان، وفي العديد من الورشات النحتية.

وله العديد من النصب التذكارية حول بعض الشخصيات التاريخية والأدبية والفكرية، من أهمها تمثال الأديبة اللبنانية مي زيادة. وله العديد من المعارض الشخصية في لبنان، آخرها معرض “أكوان” في صالة “مارك هاشم” البيروتية. وتوجد أعماله النحتية كمقتنيات في العديد من المتاحف وصالات العرض الدولية.

--------

 

16