"صلاة النكاية" ضد ثقافة الحياة

البكاء والتهديد على "الصلاة" في المدارس هي حملة سياسية أيديولوجية يقف وراءها تيار سياسي يريد استعراض عضلاته في فترة سياسية حرجة وفراغ سياسي واضح.
الاثنين 2019/02/11
تجييش إخواني ضد الوزيرة نورية بن غبريط

في الوقت الذي يخرج فيه المجتمع التونسي، بنخبه وعامته، للتنديد بالفاحشة التي عاشها تلاميذ المدرسة القرآنية بمنطقة الرقاب، وذلك بدق ناقوس الخطر الذي يحوم حول مستقبل الأطفال والدعوة إلى المحاكمة والمراقبة وغلق هذه الأوكار التي تستغلها الوحوش المريضة لإشباع رغباتها الجنسية الوحشية متسترة بتدريس القرآن كي تبعد عن نفسها كل شبهة، في هذا الوقت بالذات يخرج الجزائريون لأداء صلاة “النكاية” (نكاية في الوزيرة) في ساحات المدارس وفي قاعات التدريس ردا على تصريح وزيرة التربية الوطنية نورية بن غبريط والتي دعت فيه إلى احترام مهمة المدرسة الجمهورية “وأن المدرسة للتربية والتعليم والصلاة مكانها البيت والمسجد”. وهي دعوة تحمل ضمنيا رسالة الخوف على مستقبل الأطفال من “الفاحشة” الأيديولوجية، ودعوة صريحة لتحرير المدرسة من الرموز الدينية المسيسة وعودتها إلى مجالها ومهمتها المدنية الجمهورية، أي صناعة المواطن.

لقد كشف تصريح وزيرة التربية الوطنية، والذي طالبت فيه بتحرير المدرسة الجزائرية من الأيديولوجيا الإسلاموية وعودتها إلى مهمتها الأساسية وهي التربية والتعليم والتثقيف، عن المستور المعتق في هذه المدرسة المعطوبة التي ظلت ولا تزال مستباحة لتنظيم “الإخوان المسلمون” وذلك منذ بداية السبعينات تحت شعار التعريب الذي لم تكن فيه العربية سوى الغلاف اللغوي لأيديولوجية الإخوان.

و أنا أتابع حملات تندرج ضمن ثقافة التجييش الإخواني المتشنج على شبكات التواصل ضد تصريح الوزيرة الداعي إلى منع الصلاة في المدرسة الجمهورية وإعادتها إلى مكانها المناسب الذي هو البيت أو المسجد، أتساءل: لماذا الجزائري يؤدي صلاة الفجر في وقتها، ويؤديها عند الظهر والعصر والمغرب والعشاء في موعدها بالثانية والدقيقة، وهذا أمر شخصي يحترم، ولكن الغريب هو أن هذا الجزائري الذي يحرص على احترام وقت الصلاة بدقة متناهية، بطريقة يابانية، لا يولي أي أهمية لاحترام أوقات العمل، فهو غير معني بقيمة العمل ولا باحترام ساعات العمل؟

يظل الطفل هو الرهينة وهو القنبلة الموقوتة التي ستنفجر في وجوهنا عن قريب إذا لم نستدرك الأمر، ولم نقف بحزم في وجه "الفاحشة" أخلاقية كانت أم "أيديولوجية"

الذين خرجوا للدفاع عن “الصلاة” في المدارس بحماس وغضب، تناسوا بأن الجزائر أكبر بلد تبنى فيه المساجد يوميا في كل الأحياء والدشور والفيافي… أزيد من ثلاثين ألف مسجد إلى جانب الآلاف من قاعات الصلاة المرخصة وغير المرخصة، أيخاف هؤلاء على فقدان الصلاة في بلد يصلي فيه الجميع ويموت فيه طالب أفريقي معتدى عليه وسط الشارع لا لشيء إلا لأنه أسود البشرة؟ لقد صلى آباؤنا وقبلهم أجدادنا دون تطبيل ولا تزمير، بل بعفة وتواضع وداخلية.

إن البكاء والتهديد على “الصلاة” في المدارس هي حملة سياسية أيديولوجية يقف وراءها تيار سياسي يريد استعراض عضلاته في فترة سياسية حرجة وفراغ سياسي واضح، تيار يريد أن يتموقع من جديد.

هذا التيار الإخواني الذي يشبه آلة غسيل مصرية أو تركية الصنع خاصة بغسل عقول الأطفال والشباب، ينسى الحديث عن الفساد المستشري. أما الذين طفحوا فجأة على شبكات التواصل الاجتماعي باسم الدفاع عن “الصلاة” في المدارس هم في ذلك لا يدافعون عن “الصلاة إلى الله” إنهم يدافعون عن “صلاة” حزب.

 استيقظت تونس هذه الأيام على “الفاحشة” الأخلاقية في مدرسة قرآنية في الرقاب، وتعيش الجزائر على وقع “الفاحشة” الأيديولوجية المعممة في مؤسسات الجمهورية في الجزائر، وفي الحالتين يبدو الأمر مقلقا بل وخطيرا، وفي الحالتين يظل الطفل هو الرهينة وهو القنبلة الموقوتة التي ستنفجر في وجوهنا عن قريب إذا لم نستدرك الأمر، ولم نقف بحزم في وجه “الفاحشة” أخلاقية كانت أم “أيديولوجية”، فاحشة تقوم بها “الجمعيات” الدينية أم ترتكبها المؤسسات التربوية الرسمية.

14