صداقة الآباء مع أبنائهم على مواقع التواصل تعزز العلاقة أم تعقدها؟

فـرض الآباء لنوع من الرقابة العلنية أو الخفية سلوك يرفضه الأبناء.
السبت 2021/06/05
علاقة الآباء مع الأبناء على فيسبوك ذات وجهين

يحتاج الأبناء في سن المراهقة إلى الإرشاد والنصح من طرف الآباء. ولأن فترة المراهقة فترة حساسة تصبح صداقة الآباء والأبناء أمرا ضروريا لحمايتهم من الانحراف السلوكي والفكري. ويشير خبراء علم الاجتماع إلى أن صداقة الآباء مع الأبناء على مواقع التواصل الاجتماعي من شأنها أن تسهم في تقوية علاقاتهم بهم في الحياة اليومية خارج الإنترنت، وفي المقابل ترى بعض الدراسات أن الآباء يمكن أن يكونوا سببا في إحراج أبنائهم من خلال بعض المواقف.

يعد التواصل جزءا مهما جدا في أي علاقة ناجحة، وهذا ينطبق على العلاقة بين الآباء والمراهقين، فالتواصل في فترة المراهقة يكون أكثر صعوبة عندما يرى الآباء أنفسهم كمتحكمين بأبنائهم، فهم يريدون تنظيم حياة أطفالهم بتفاصيلها، وتناول وجباتهم الغذائية، وممارستهم لألعابهم، وإيوائهم إلى فراشهم في الوقت المحدد لهم.

وينظر بعض الآباء إلى استخدام أبنائهم للإنترنت والشبكات الاجتماعية بوصفه نشاطاً يخصهم ويرتبط بطبيعة جيلهم، ومن ثم يبتعدون عن متابعته أو الاندماج فيه.

ويذهب آباء آخرون إلى فرض نوع من الرقابة العلنية أو الخفية على نشاط الأبناء، ومتابعة المواقع التي يترددون إليها بهدف حمايتهم، حتى أن البعض يحتفظ بكلمات المرور الخاصة بهم للاطلاع على بريدهم الإلكتروني.

وفي ما يتعلق بالأبناء، فإن بعضهم يضيق برقابة الوالدين، كما قد يقلقون في حال انضم الآباء والأقرباء الأكبر سناً عموماً إلى دائرة أصدقائهم في مواقع التواصل الاجتماعي.

تقول ملاك الخزري البالغة من العمر 14 عاما إن صداقتها مع والديها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك لا تعني أن من حقهما الاطلاع على خصوصياتها، فهما لا يمتلكان كلمة المرور الخاصة بحسابها ولا الرقم السري الذي يمكنهما من استعمال هاتفها.

وترى ملاك أن الصداقة بين الآباء والأبناء على مواقع التواصل الاجتماعي يجب أن تكون في حدود وألا يكون ذلك على حساب استقلاليتها.

صداقة المراهقين ومتابعتهم لآبائهم عبر الشبكات الاجتماعية تسهم في تقوية علاقاتهم بهم في الحياة اليومية

وتضيف لـ”العرب” أن علاقة الآباء بالأبناء يمكن أن تتضرر إذا كانوا أصدقاء على فيسبوك، خصوصا إذا كان الآباء لا يجيدون التعامل مع أبنائهم المراهقين. وهي ترفض أن تتدخل والدتها في كل كبيرة وصغيرة في عالمها الافتراضي، فتأمرها بحذف صورة أو أغنية شاركتها مع أصدقائها.

ورصدت دراسة إفراط بعض المراهقين في استخدام الشبكات الاجتماعية بما يتجاوز ثماني ساعات كل يوم، وربطت بين الاستخدام الزائد والميل إلى الاكتئاب والسلوك العدواني، من دون أن يرتبط ذلك بالعلاقة مع آبائهم.

وترسم دراسة حديثة لجامعة “بريغهام يونغ” الأميركية نموذجاً مختلفاً لشكل العلاقة بين الوالدين والأبناء في الشبكات الاجتماعية مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام، إذ ترى أن صداقة المراهقين ومتابعتهم لآبائهم وأمهاتهم عبر الشبكات الاجتماعية وتواصلهم من خلالها تسهم في تقوية علاقاتهم بهم في الحياة اليومية خارج الإنترنت، كما أن هذا التواصل يُؤثر إيجابياً في الأبناء فيميلون لمساعدة الآخرين والتعاطف معهم.

وتشير الدراسة إلى أن هذه المواقع تفتح قناة جديدة للتواصل بين الوالدين والأبناء بالنظر إلى أهميتها بالنسبة إليهم، وتعبيرها عن اهتماماتهم وطريقة تواصلهم مع الآخرين.

وبحسب دراسة لمركز “بيو” للأبحاث، فإن معظم المراهقين يستخدمون الشبكات الاجتماعية. وتوفر هذه المواقع فرصاً متعددة للآباء والأمهات للاقتراب من أبنائهم، مثل الإعجاب بواحدة من صورهم في فيسبوك أو كتابة تعليق إيجابي على صورة أو تحديث كتبه أحدهم، كما تُطلع الآباء على جزء مهم من عالم أبنائهم وأصدقائهم واللغة التي يستخدمونها، من دون أن تُشعِر الأبناء بوجود رقابة متعمدة على سلوكهم.

وتقول سارة كوين الأستاذة في كلية الحياة الأسرية والمؤلفة الرئيسة للدراسة إن الشبكات الاجتماعية تتيح للوالدين نظرة مقربة على حياة المراهقين، وتسمح لهم بالتعرف إلى المرحلة التي يمرون بها وما يجري في حياتهم، وآراء أصدقائهم، وتشعرهم بأنهم مقربون من أولادهم.

الصداقة بين الآباء والأبناء على مواقع التواصل الاجتماعي يجب أن تكون في حدود وألا يكون ذلك على حساب الخصوصية الشخصية
الصداقة بين الآباء والأبناء على مواقع التواصل الاجتماعي يجب أن تكون في حدود وألا يكون ذلك على حساب الخصوصية الشخصية

كما أشارت نتائج الدراسة إلى الفوائد التي تعود على الأبناء نتيجة تواصلهم مع آبائهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تعزيز علاقاتهم بالوالدين وشعورهم بالقرب منهم في الحياة الواقعية، وقد أظهر المراهقون معدلات أعلى من السلوك الاجتماعي المساند، وكانوا أكثر ميلاً للكرم والتعاطف ومساعدة الآخرين.

ووفقاً للدراسة التي شملت نحو 500 مراهق وعائلاتهم، فإن نصف المشاركين يصادقون آباءهم في الشبكات الاجتماعية، كما يتفاعل 16 في المئة معهم يومياً، وهو ما يؤدي إلى تقوية العلاقة بينهم. ويرى خبراء أن الوالدين اللذين يتواصلان بمعدل منتظم يتمتعان بروابط وثيقة مع أبنائهما. لكن لا يعني ذلك أنه يمكن للوالدين الاعتماد على الشبكات الاجتماعية وحدها للتواصل مع أبنائهم والاقتراب من عالمهم، أو أنها بمفردها تُحسن العلاقات الأسرية.

وقالت كوين إن التواصل مع الأبناء على الإنترنت أداة واحدة من بين مجموعة كبيرة من الأدوات يستخدمها الآباء، لافتة إلى أن الوالدين اللذين يتواصلان مع أبنائهما بعيداً عن الإنترنت يبحثان عن مسارات جديدة لتنمية علاقاتهما، وبالتالي يصادقانهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ما يعزز الأواصر القائمة بالفعل.

وحثت كوين الآباء على تفهم طبيعة هذه المواقع واستخدامها باعتدال، وعدم مشاركة صور أو منشورات قد تتسبب في إحراج أبنائهم، إضافة إلى احترام خصوصية الأبناء وتقدير خياراتهم الخاصة.

ويشير الخبراء إلى تغير الشبكات الاجتماعية باستمرار وصعود مواقع وتراجع أخرى، كما تتبدل تفضيلات المستخدمين خصوصاً الفئات الأصغر سناً، وقال الخبراء إنه في الآونة الأخيرة ازداد توجه المراهقين لاستخدام تويتر وتمبلر عوضاً عن فيسبوك.

ونصحوا الآباء بمعرفة الوسائط التي يستخدمها أبناؤهم، وألا يمنعهم تخوفهم أو قلقهم من التجديد من تعلم تقنيات ومواقع إنترنت جديدة للحفاظ على صلات وثيقة مع الأبناء.

21