صاعد تشونغ جي كون.. فاتح أبواب الصين على ثقافة العرب

رحيل صاعد تشونغ جي كون حامل جائزتي زايد وعبدالله بن عبدالعزيز، والحاصل على جائزة إنجاز العمر للترجمة والثقافة، وهي الوسام الأعلى في مجال الترجمة في الصين.
الثلاثاء 2020/04/28
الحضارتان العربية والصينية متشابهتان

غالبا ما تركز الثقافة العربية على المستشرقين والمستعربين القادمين من الغرب، لكنْ هناك مستعربون مؤثرون قادمون من الشرق، أثروا الحضارة العربية على مرّ التاريخ وأثّروا فيها كما أثّرت فيهم ما خلق نوعا من التلاقح الثقافي والحضاري بين العرب والمشرق الأقصى.

في 13 أبريل الجاري، أعلن عن وفاة المستعرب الصيني الشهير تشونغ جي كون، الذي اختار لنفسه اسما عربيا وهو صاعد ألحقه باسمه الصيني، وذلك عن عمر يناهز 82 عاما، تاركا وراءه إرثا غنيا من المؤلفات التي تهتم بالأدب العربي منها “تاريخ الأدب العربي المعاصر” و“التاريخ العام للأدب العربي”، وشارك في تجميع “القاموس الصيني العربي” و“القاموس العربي الصيني”.

كما ترجم تشونغ جي كون إلى الصينية عددا من الكتب العربية مثل “المعلقات السبع”، “كلمات في صدري” لإحسان عبدالقدوس، “الصحراء جنتي” لسعيد صلاح، “مختارات من نثر جبران”، “دمعة وابتسامة” لجبران خليل جبران، “مختارات قصصية لإحسان عبدالقدوس”، “مختارات من الشعر العربي القديم”، “في البدء كانت الأنثى” لسعاد الصباح، “ألف ليلة وليلة”، “مختارات قصصية لميخائيل نعيمة”.

مسيرة محب للعرب

ولد تشونغ عام 1938، بمدينة داليان من مقاطعة لياونينغ، وفي عام 1961 تخرّج من قسم اللغات الشرقية من جامعة بكين، حيث كان متعلّقا باللغة العربية منذ كان في الثامنة عشرة من عمره، روى في حديث مع صحيفة الصين اليوم قصة ذلك التعلق فقال “عرفت اللغة العربية في مرحلة تطلع العالم الثالث إلى الاستقلال ومحاربة الاستعمار، فعندما تابعت ما يجري في مصر والعالم العربي، من تحوّلات ثورية، بدأت في منتصف القرن الماضي، أعجبني موقف الزعيم الوطني جمال عبدالناصر، الذي نادى في مؤتمر باندونغ عام 1955، مع زعماء الصين ويوغسلافيا والهند وإندونيسيا، بتشكيل مجموعة دول عدم الانحياز”.

مستعرب أنتج أكثر من 80 عملا ما بين التأليف والترجمة والكتابة الأدبية ونال تكريم جائزة الشيخ زايد للكتاب

وأضاف “وعقب هذه الدعوة، حاول الاستعمار فرض إرادته على مصر، والتوجه إلى احتلال مصر من جديد، خلال العدوان الثلاثي الذي وقع عام 1956، أعجبت كثيرا بموقف جمال عبدالناصر، الذي وقف على منبر الجامع الأزهر يدعو الشعب المصري إلى مكافحة الاستعمار، ورأيت قدرته على الخطابة بلغة لم أفهمها، ووجدت كم أن الشعب تجاوب معه بكل بساطة، وقاد حربا على الاستعمار الذي فشل في فرض إرادته على مصر من جديد. كانت مصر قد اعترفت قبل العدوان الثلاثي عليها بأسابيع بجمهورية الصين الشعبية، وأصبحت أول دولة عربية تعترف بالدولة الصينية التي قاد الزعيم ماو تسي تونغ ثورتها وشقّت طريقها نحو التحرر الوطني من كافة أشكال الاستعمار وذيوله”.

في العام 1956 التحق تشونغ بجامعة بكين، لدراسة اللغة العربية حيث استفاد كثيرا من أساتذته من مسلمي الصين وخاصة محمد ماجيان واضع أسس تدريس العرب في الصين وغيره ممن كانوا من خرّيجي الجامعة الأزهرية في ثلاثينات القرن الماضي، واعتبروا روّادا في تدريس اللغة العربية في الجامعات والمعاهد الصينية، إذ أدخلوا هذا التدريس من الجامع إلى الجامعة منذ عام 1946. و”كان هؤلاء الأزهريون يأخذون بعين الاعتبار جانبي النطق والنحو بل ويجيدونهما، وبالتالي ساهموا في إرساء أساس وطيد في المستوى المرتفع نسبيا لتعليم العربية بالصين”، على حد قوله.

ونظرا إلى كونه أبرز الطلاب في ذلك العهد، فقد تم ترشيحه للانضمام إلى هيئة التدريس بقسم اللغة والثقافة العربية فور تخرّجه في جامعة بكين عام 1961. وفي نفس العام ترجم قصّة للكاتبة السورية الشهيرة ألفة إدلبي بعنوان “ماتت قريرة العين” حول نضال الشعب الجزائري ضد المستعمرين الفرنسيين وقد نُشرت في مجلة “الآداب العالمية”.

بسبب الأوضاع السياسية على ضوء الثورة الثقافية، والضغوط القائمة، انكفأ تشونغ على طموحاته الأكاديمية والثقافية، ليستعيدها مع بداية عصر الانفتاح، حيث حظي بفرصة استكمال دراسته الأكاديمية في كلية الآداب بجامعة القاهرة من 1978 إلى 1980، وهناك أتم ترجمة رواية “في بيتنا رجل” للكاتب إحسان عبدالقدوس، ومختارات من القصص القصيرة للكاتب اللبناني ميخائيل نعيمة، وتعرّف عن قرب على كبار الكتاب والأدباء المصريين كالروائي نجيب محفوظ الذي قال عنه “أرى شخصيا أن لا أديب في العالم يضاهيه من حيث الأفكار الفلسفية وأبعاد المحتويات العميقة وأساليب الإبداع الفني التي تعكسها أعمال الأديب الكبير”.

تولّى تشونغ في الفترة ما بين 1985-1986 إدارة قسم اللغات الشرقية بجامعة بكين العربية، وانضم إلى رابطة الكتاب الصينيين عام 1996. وأدار جمعية الأدب الأجنبية الصينية، والجمعية العربية لأبحاث الأدب، وجمعية الشرق الأوسط الصينية، وحظي بالعضوية الشرفية لاتحاد الكتّاب العرب، كما عرف كعضو الجمعية الصينية للآداب الأجنبية.

العربية والصينية متشابهتان

جائزة الشيخ زايد اختارت تشونغ شخصية العام الثقافية 2018
جائزة الشيخ زايد اختارت تشونغ شخصية العام الثقافية 2018

يقول الصينيون عن تشونغ جي كون إنه من فتح أبواب بلادهم أمام ثقافة العرب تأليفا وبحثا وترجمة، فقبله كان إطلاعهم على الثقافة العربية لا يتجاوز بعض المعلومات العامة، إلى أن ظهر فكان أحد أقطاب الترجمة وعلما من أعلام الدراسات العربية في الصين، ورائد دراسات الأدب العربي في الصين. كما اعتبر رسول الصداقة في التبادل الثقافي الصيني العربي، حيث كان صاحب سمعة عالية في العالم العربي، كما قال الدكتور ماهر قه تياينغ، الأستاذ بجامعة الاقتصاد والتجارة الدولية ببكين وعضو جمعية الكتّاب الصينيين.

حصل تشونغ في 2005 على الوسام الأعلى لوزارة التعليم العالي المصرية، وفاز كتابه الضخم “تاريخ الأدب العربي الحديث” بالجائزة الأولى للإنجاز المتميز لأبحاث العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعات الصينية؛ ونال في عام 2009 الشهادة الفخرية لكبار المترجمين في جمعية الترجمة الصينية.

وفي عام 2011 اختارته الهيئة الاستشارية لجائزة الشيخ زايد بدولة الإمارات العربية المتحدة ليحظى بلقب شخصية العام الثقافية، تقديرا لما قدّمه لأكثر من نصف قرن في حقل تعليم اللغة العربية والترجمة والدراسات العلمية في اللغة العربية في دول الشرق الأقصى.

وتعقيبا على هذا التتويج قال راشد العريمي الأمين العام لجائزة الشيخ زايد للكتاب “إن إنجازات الأستاذ تشونغ تشهد له بأحقيته باللقب، فبالإضافة إلى كونه شخصية بارزة على الصعيد الأكاديمي والثقافي والأدبي، فقد أثرى المكتبة العالمية بمؤلفات وتراجم تعكس جوهر الأدب العربي الأصيل وتحمله إلى دول الشرق الأقصى بأسمى رسائل الحوار الحضاري”.

وفي العام ذاته، قرر مجلس أمناء جائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز تكريمه حيث جاء في براءة التكريم أن “تكريم الدكتور تشونغ جيكون، صيني الجنسية الذي نال درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، وعمل رئيساً لجمعية بحوث الأدب العربي في الصين، ومستشاراً لمجلة الآداب الأجنبية، وعُني كثيراً باللغة العربية، فأنتج أكثر من 80 عملا ما بين التأليف والترجمة والكتابة الأدبية، وقد كان لجهوده الأثر البالغ في مدّ جسور تواصل الحضارة الصينية بالثقافة العربية وآدابها وحضارتها. وأسهمت أعماله العلمية في تعزيز التواصل الحضاري بين الثقافات الإنسانية”.

مع الزعيم الراحل ياسر عرفات
مع الزعيم الراحل ياسر عرفات

وبذلك كان أول شخصية أدبية وأكاديمية تحصل على جائرتي الشيخ زايد والملك عبدالله بن عبدالعزيز في عام واحد، وفي عام 2018، حصل على جائزة إنجاز العمر للترجمة والثقافة، وهي الوسام الأعلى في مجال الترجمة في الصين.

من أقوال تشونغ “يصعب علينا أن نجد حضارتين أو ثقافتين لديهما خصائص مشتركة مثل تلك الخصائص التي تميّز الحضارتين والثقافتين الصينية والعربية، مثلا في كلتا الحضارتين هناك تاريخ طويل وحضارة عريقة. الحضارة الصينية ترجع إلى أكثر من خمسة آلاف سنة، وكذلك العربية تضرب في أعماق التاريخ إلى ما قبل الإسلام”.

وأضاف “كما يقول أرنولد توينبي في ‘قصة الحضارة‘، إن الحضارة الإنسانية بدأت في بلاد العرب، ضمن مثلث ثقافي هو وادي النيل ووادي الرافدين وساحل البحر الأبيض المتوسط الشرقي، حيث نشأت الحضارتان الكنعانية والفينيقية. وهو ما يقوله أيضا فيليب حتي في كتابه ‘تاريخ الأدب‘، إذ يقرر أن العرب لم ينشئوا إمبراطورية مترامية الأطراف فقط، بل أنشؤوا ثقافة إنسانية، وهذه الثقافة يقتبس ويتشرب منها أبناء الحضارات الأخرى في محيطها. فالعرب هم الذين اخترعوا الحروف الأبجدية، وبعد ذلك أخذها عنهم اليونانيون ونقلوها إلى الأوروبيين. وهذا واقع يشابه الحضارة الصينية التي أثرت في ما حولها من حضارات اليابان وكوريا وفيتنام، وقد تم التأثير العربي والصيني في الحضارات الأخرى خلال القرون الوسطى عندما كان الغرب يعيش في ظلام حالك، فمثلت الحضارتان الصينية والعربية منارة للشعوب، تضيء على طرفي طريق الحرير وتسطعان بأنوارهما علي العالم كله. ففي بغداد كان هناك مثلا بيت الحكمة، وفي الشرق الأقصى أيضا كانت هناك موائل عديدة للحكمة أخذ منها الكوريون والفيتناميون واليابانيون”.

وفي تصريح لصحيفة الشعب الصينية، قال البروفيسور أمين فو تشي مينغ، نائب عميد كلية اللغات الأجنبية بجامعة بكين “لقد رحل أستاذنا تشونغ جيكون، من سن الثامنة عشر حينما التحق بقسم اللغة العربية بجامعة بكين، إلى سن الثانية والثمانين حينما وافته المنية. من شاب يافع يتدفق بالحيوية، إلى عجوز ثمانيني يستعين بسماعة أذن ليسمع الآخرين. لم تطفئ سنوات العمر جذوة حب الأستاذ تشونغ جيكون للأدب العربي وفضوله إليه. بل على العكس، لقد كنت أشعر دائما بعمق روح التزامه وإصراره على تطلعاته من دراسة الأدب العربي. وحتى وهو على سرير المرض، كان الأستاذ تشونغ يحلم بأن ينظم جلسة شعرية بعد خروجه من المستشفى، ليجتمع برفاقه ومحبيه، ويلقي على مسامعهم قصائد الشعر العربي. وقد كان دائما يردد قوله: أنا أحب ما هو عربي، أنا عاشق للشعر العربي”.

مع الأديب الراحل نجيب محفوظ
مع الأديب الراحل نجيب محفوظ

 

14