"صاحب المقام": العجز عن التشبّث بأهداب التصوّف

الفيلم المصري لم يوفق في الجمع بين ثيمتي الإرهاب والعمل الصالح.
الجمعة 2020/08/21
روح.. امرأة بأكثر من وجه

تختلط في بعض المعالجات السينمائية الكثير من المفاهيم والقضايا الإشكالية، ومنها قضية وجود الأولياء الصالحين الذين تتّخذهم فئة واسعة من المتدينين وغير المتدينين زلفى للاقتراب من إجابة وتلبية الدعوات والحاجيات. وذلك من منطلق صلة الإنسان بخالقه والكيفية التي يتعامل بها مع هذه الحقيقة منذ إدراك الإنسان وتكامل وعيه، ليجد في ما بعد أن الأمر بالغ التعقيد وتتشابك فيه فرق دينية ومذهبية ومدارس فقهية وفتاوى وسجالات لا تكاد تنتهي، وهو ما يحاول فيلم “صاحب المقام” جاهدا ملامسته.

 أمران يمكن الانطلاق منهما في قراءة الفيلم المصري “صاحب المقام”، الأول هو أن عرض الفيلم الذي أخرجه محمد العدل تم بالاتفاق مع شركة السبكي المنتجة له بأن يكون عرضه ابتداءً من عيد الأضحى ولغاية ثلاثة أشهر في منصة المشاهدة الرقمية “شاهد” التي تتبع مجموعة “أم.بي.سي”.

هذه الخطوة كانت منطلقا جديدا وغير مسبوق ربما فرضته متطلبات التباعد الاجتماعي وإغلاق صالات العرض السينمائي بسبب تفشي فايروس كورونا، ولهذا كان البديل هو العرض من خلال تلك المنصة للمشتركين فيها، وهي خطوة يعوّل عليها كثيرا صناع السينما العربية من أجل تأسيس تقاليد مشاهدة جديدة، عبر ترسيخ دور المنصات الرقمية الشبيهة بنتفليكس وجعلها بديلا يتم اللجوء إليه في بعض الأحيان، كالظروف التي رافقت تفشي جائحة كورونا.

هذا التصوّر سرعان ما اصطدم بشيوع ظاهرة القرصنة والعجز عن السيطرة عليها، إذ سرعان ما انتشر الفيلم مأخوذا من المنصة التي عرض فيها، أو أي مصدر آخر، لا نعلم بالضبط، حتى شاهده الملايين من المشاهدين في العديد من المواقع وبذلك لم يتحقّق ما كان مخطّطا له في العرض عبر المنصة الرقمية في إطار حقوق المؤلف.

الأمر الثاني، هو ما سبق الفيلم من تسريبات وأخبار عن أنه سيكون أول فيلم مصري عن التصوّف، وبعضهم نقل ذلك عن المؤلف وهو الصحافي والكاتب إبراهيم عيسى، لكن السؤال هو، هل كان الفيلم عن التصوّف؟ وهل نجح فعليا في مناقشة قضية التصوّف؟

لا شك أن ما سنستعرضه في قراءتنا النقدية للفيلم سوف يجيب عن هذا السؤال وأسئلة أخرى كثيرة، لاسيما أن العمل رافقته وما تزال ضجة من الجدالات والسجالات التي لم تتّفق في الغالب لا على المضمون والفكرة والمعالجة ولا على ما يمكن الخروج به من رسائل واستنتاجات.

البداية من العراق

ملامسة عابرة لقضية شائكة
ملامسة عابرة لقضية شائكة

يبدأ الفيلم باجتماع يضمّ الشخصية الرئيسية في الفيلم، رجل الأعمال في مجال البناء والعقارات، يحيى، (آسر ياسين)، وهو مع اثنين من مساعديه أو شركائه، ولربما كانا توأما وهما حليم وحكيم (بيومي فؤاد)، والغرض من الاجتماع هو التفاوض مع شخص إرهابي عراقي أو وسيط مع إرهابيين، كما يظهر من اللهجة التي يتكلم بها عبر الهاتف، وأن هذا الشخص له علاقة باختطاف مهندسين يعملون لصالح شركة يحيى في مجال الاتصالات في العراق، حيث يعلّق يحيى بأن شركته تجلب للعراقيين خدمة الاتصالات فيقومون بخطف العاملين.

الطريف في الأمر أن المفاوضات تنتهي بين الطرفين بأن يطلب يحيى من كاظم الإرهابي أن يغني، بينما يحيى يرقص قرب المسبح وأمام عائلته وبالطبع هذا أيضا من الزوائد التي لا معنى لها دراميا.

ومعلوم ماذا تعني مشاهد البداية التأسيسية في أي فيلم، وكنا سنفترض أن هذه البداية سوف تقودنا إلى ما له علاقة بالجماعات الإرهابية. لكن مشاهد البداية سوف تنتهي عند هذا الحد وسوف تأخذ الأحداث منحى آخر مختلفا تماما إلى درجة أنك لو ألغيت المشاهد المرتبطة بالتفاوض مع كاظم الإرهابي ما تغيّر شيء في مسار الفيلم.

والملاحظة الجانبية الأخرى هي أن لا شركات اتصالات تؤسّس لشبكات اتصال جديدة في العراق، وأن جميع الشركات العاملة يعود تأسيسها إلى سنوات خلت، كما أن قصة خطف الأجانب كانت تقع إبّان الحرب الطائفية بين عامي 2004 و2006، ولا نعلم لماذا زجّ كاتب السيناريو والمخرج نفسيهما في هذا المأزق الخانق؟

على أن ما يقدّمه لنا هذا المدخل هو التعريف بالشخصيتين التوأم، وهما شخصيتان متعاكستان تتشابهان في الشكل والمظهر وتختلفان في المواقف، ولسوف ننتقل من خلالهما إلى قصة الأولياء الصالحين التي يفترض أنها جوهر الفيلم وقضيته الأساسية.

عقاب إزالة المقام

زوجة خائفة من مصير مجهول
زوجة خائفة من مصير مجهول

يبدو أن يحيى غير مكترث كثيرا بحياته العائلية وبعلاقته بزوجته رندة (أمينة خليل) وابنه الوحيد، ولهذا يقع بينهما سجال يليه قرار بإزالة قبر ولي صالح أو من المتصوّفة، بحسب التعريف الشعبي المتداول، ليترتّب عن ذلك القرار سقوط الزوجة رندة مغشيا عليها، ولينتهي بها الأمر في العناية المركزة مصابة بجلطة في الدماغ.

التخريج المباشر الذي يطرحه الفيلم هو أن ما وقع للزوجة كان غضبا وردة فعل عن قيام الزوج بإزالة ذلك القبر، وهو ما سوف يدفع بيحيى للذهاب إلى المقامات وينتهي به المطاف بمقام الإمام الشافعي، وهناك سوف يكتشف أن الناس تترك رسائل طلبات ومشكلات شخصية في داخل المقام ليتولى يحيى قراءتها والوصول إلى أصحابها لحل مشاكلهم.

يقوم يحيى هنا بما يشبه دور التحرّي، لكن ذلك الدور سرعان ما يتراجع ليتحوّل إلى تأثّر مباشر بمقامات الأولياء. من ذلك التحرّي عن مصير شاب فاقد للذاكرة ومختف منذ سنوات، وقد ترك والده رسالة تحكي قصته في مقام الإمام الشافعي، وهي ثيمة كان من الممكن أن تكون ذات جدوى وبمثابة حبكة ثانوية مؤثرة لولا أن ينتهي دور التحرّي هنا في صيغة فاعل خير.

من هناك، سينتقل فاعل الخير إلى بيوت أخرى ليساعد الناس المأزومين بسبب الفقر والحاجة وسط تشجيع من امرأة مجهولة تظهر في أماكن وأزياء مختلفة، فهي تارة تظهر في هيئة طبيبة أو ممرضة أو منظّفة أو درويشة أو غير ذلك، وهي التي يقال عنها إن اسمها روح (الممثلة يسرا).

الرأي القائل بأن فيلم "صاحب المقام" هو أول فيلم صوفي في تاريخ السينما المصرية، هو رأي متفائل ومبالغ فيه
الرأي القائل بأن فيلم "صاحب المقام" هو أول فيلم صوفي في تاريخ السينما المصرية، هو رأي متفائل ومبالغ فيه

لا شك أن إدخال شخصية إضافية في مسار الدراما الفيلمية هو نتيجة وضرورة درامية حتمية لغرض دفع الأحداث إلى الأمام وتصعيد الصراع وبث حبكات ثانوية جديدة، ومن ذلك شخصية روح وشخصية الرجل الذي يقوم على مقام الشافعي (الممثل محسن محيي الدين) والمدمن وغيرهم، لكن هؤلاء لن يكونوا إلاّ هامشيين يسيرون في موازاة شخصية يحيى، وعلى هذا فإن أسئلة جديّة يطرحها زجّ الشخصيات من دون ضرورة ولا قوة درامية.

وأما إذا توقفنا عند شخصيتي حكيم وحليم المزدوجتين والمتناحرتين فإن السؤال هو، ماذا لو كانتا بالفعل شخصيتين لممثلين مختلفين بدلا من ممثل واحد، ما الجدوى من ذلك وماذا أضافتا للدراما الفيلمية؟

وواقعيا إن هذه الشخصية تستوجب طرح أسئلة أكثر ممّا توفر من إجابات أو يكون لها فعل مؤثر في الدراما الفيلمية، مع أن هنالك تأويلات مبالغ فيها كالصراع بين الخير والشر والإيمان وعدم الإيمان وغير ذلك من التخيّلات. وبعد هذا يمكننا أن نرسم الخارطة المكانية وخارطة أفعال يحيى الذي يقود هذه الدراما. إنه باختصار ينتقل ما بين المستشفى لتفقد الزوجة وقراءة الرسائل، حيث جلب الرسائل من مقام الإمام الشافعي ونثرها على سرير زوجته، والانتقال المكاني الثاني هو أماكن سكن بعض من أصحاب تلك الرسائل وهم من الفقراء، أما المكان الثالث فهو مقر الشركة الذي سيبقى هامشيا.

في هذه الدائرة المكانية سوف يتحرّك يحيى من دون أن يحرّك الدراما الفيلمية بالضرورة، مع أن قصص الناس البسطاء وهم يشكون شجونهم من خلال تلك الرسائل كفيلة لوحدها لأن تكون موضوعا ذا أهمية، لكنه يتحوّل هنا إلى موضوع عابر من أجل متابعة رحلة يحيى الذي تمت سرقة حذاءه في الجامع وما إلى ذلك.

ننتقل بعد هذا إلى المحمول الفكري والمعنوي الذي انطوى عليه الفيلم والرسائل التي حملها، فجمهور عريض من المشاهدين وكذلك من كتبوا عنه في بعض الصحف والمواقع أحالوه إلى قضية الحلال والحرام في ما يتعلق باللجوء إلى المراقد والمقامات الدينية وصولا إلى اتهامات وجّهت إلى الفيلم بالتشجيع على الشرك بالله وما إلى ذلك من تأويلات.

والظاهر أن الفيلم كان بعيدا عن مثل هذا التأويل، ولربما يمكن تبسيطه أكثر في شخصية الغريق الذي يتشبّث بقشة. يحيى الذي يكاد يفقد زوجته يجد تشجيعا من أحد مساعديه بالندم عن إزالة مقام أحد الدراويش أو المتصوّفة أو العباد الصالحين، والرجل رأفة بولده الصغير وحبا لزوجته يفعل ذلك، وبالفعل تعود زوجته إلى الحياة بعد الغيبوبة التي مرّت بها لمدة غير محدودة من الزمن.

وأما إذا ذهبنا مع ما نقل عن كاتب السيناريو بأنه أول فيلم عن التصوّف فتلك قصة غرائبية أخرى، فالفيلم برمّته لا يلامس قضية التصوّف الغائرة في الموروث العربي والإسلامي إلاّ ملامسة عابرة، فالاقتراب من عالم الصوفية يعني تجسيد يوميات المتصوّفة وشيئا من أفكارهم ومعتقداتهم ومدرستهم الصوفية التي ينتمون إليها وغير ذلك الكثير.

رسائل المقامات

الغريق يتشبّث بقشة
الغريق يتشبّث بقشة

أما التبسيط الآخر الذي يمكن أن يكون مناسبا، فهو باختصار زيارة بعض المقامات وجلب رسائل الشاكين وحلها من فيض أموال رجل الأعمال، في مقابل تبسيط آخر هو أن الإنسان مهما تضخّمت ثروته وشغلته مشاغل ومكاسب الدنيا والحياة المرفهة، فلا يمكن إلاّ أن يعود إلى رحاب الرجال الصالحين بوصفهم زلفى إلى الله.

لكن كل هذا التبسيط الذي تم تداوله لا يرقى إلى تقديمه بالشكل الذي ظهر عليه في هذا الفيلم، بمعنى أن الخطابات والمحاضرات والمقالات الوعظية والإرشادية التعليمية شيء والدراما الفيلمية شيء آخر، حتى أننا يمكن أن نعود بهذا الفيلم إلى حقبة أفلام الأبيض والأسود، حيث يلجأ من ضاقت به السبل إلى المسجد فيصلي ويستغفر. لكن يحيى هنا لا يفعل ذلك بل إن قضيته هي أصحاب المقامات ممّن يصنّفون على أنهم متصوّفة حينا وعلى أنهم دراويش حينا آخر.

لكن كاتب السيناريو إبراهيم عيسى وفي حملته للترويج للفيلم يتحدّث بثقة في مقطع فيديو نشره في صفحته على تويتر، يقول فيه إن هذا الفيلم هو أول فيلم صوفي في تاريخ السينما المصرية وربما حاضرا وحتى مستقبلا، هذا الرأي المتفائل يبدو أنه يتقاطع بشكل شبه كامل مع مضمون الفيلم، ويبدو أنه بوصفه كاتبا للسيناريو عدّ ما كتبه على أنه كتابة صوفية أو عن الصوفية ومن المستغرب أن تكون الصوفية بما راكمته من منجز على مدى قرون بهذا الشكل الذي شاهدناه، مدير شركة يجلب الرسائل من مقام الشافعي، فأي صوفية هذه؟

16