شعار فرنسا محل مُساءلة في عرض مسرحي

بناء المعنى يتمّ بالنقاش والاختلاف والخصام لا بالتنظير والكلمات الرنّانة.
الاثنين 2020/11/23
"الحرية والمساواة والأخوة" محل نقاش دائم

لئن حمي الجدل اليوم حول قضية حرية التعبير، فقد رافقه جدل آخر حول المبادئ التي قامت عليها الدولة الفرنسية، وهو موضوع عمل مسرحي عنوانه “الشعار”، من تأليف فرنسوا بيغودو وإخراج بونوا لامبير.

بعد العرض الذي قدّمه في الكوميدي فرانسيز العام الماضي بعنوان “ما المسرح؟” يواصل المخرج بونوا لامبير ثلاثيته التي بدأها بـ”التاريخ الكبير” و”الخبر السعيد” من خلال عمل جديد عنوانه “الشعار”، ويتناول هذه المرة الأسس التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية.

وقد تولّى تأليف هذا الجزء، كما هو الشأن بالنسبة إلى الجزأين السابقين، صديقه فرنسوا بيغودو، إيمانا منه بأن بناء المعنى يتمّ بالنقاش والاختلاف وحتى الخصام، وأن غايته دفع الناس، الشباب بخاصة، إلى تأمل فكري حول معنى الجمهورية وشعارها “الحرية والمساواة والأخوة”.

ذلك الشعار الموروث عن عصر التنوير إبّان الثورة الفرنسية أول مرة، والمفروض في ظل الجمهورية الثالثة، كجزء من التراث الفرنسي، قبل أن يُدرَج في دستور عام 1958.

فكرة المسرحية بسيطة، بطلها شخص تكلفه الجهات الرسمية بتقديم محاضرة عن ذلك الشعار الذي يحمل مبادئ كونية جاءت بها ثورة 1789 وصارت جزءا من تراث فرنسا، فأعدّ مسودة محاضرته التي سيلقيها في مختلف المعاهد لتوعية النشء بقيم الجمهورية، وتعميق الحسّ الوطني، وراح يراجعها مع امرأة خبيرة. فكانت تناقشه في كل مقطع، وتعترض على ما يقترحه، بل وتفكّك حججه وبراهينه.

كثرة نقاط الاختلاف بين المتدخلين تولّد الشكّ في مدى مشروعية مبادئ الثورة الفرنسية التي تريد أن تكون كونية

فينشأ بينهما الجدل، هادئا حينا ومحتدّا في أغلب الأحيان حول معنى الكلمات، وهي طريقة ذكية لعرض عدة وجهات نظر متباينة دون السعي إلى تقريبها من بعضها بعضا، لأن الغاية ليست فرض قناعات خاصة بل فتح باب النقاش. بل إن كثرة نقاط الاختلاف بين المتدخلين تولّد الشكّ في مدى مشروعية هذه المبادئ التي تريد أن تكون كونية.

والمراجِعة أو المراقِبة تعلمه بشروط لقاء الشباب دون بهرج، فلا بذلة ولا منبر ولا نبرة رسمية، وإنما هو أشبه بلقاء ودّي بين مدرس لطيف وتلاميذ يحبون الاستماع إلى دروسه.

فهي تلحّ على ضرورة حذف كل ما يُشعر المراهقين بأنهم أمام زعيم سياسيّ يريد توجيه آرائهم نحو فكرة محدّدة، من جهة الشكل كما أسلفنا، ومن جهة المضمون أيضا، إذ تعترض على الكثير من التعابير المتداولة في وسائل الإعلام، تلك التي صارت خاوية، خالية تقريبا من المعنى في أذهان المتلقين مثل “قيم”، و”مصطلحات” و”مفاهيم”. ولكن كيف يمكن لتلك المبادئ أن تعني شيئا إذا ردَدْناها إلى ما تعنيه في واقع اليوم؟

ذلك أن المسرحية لا تلتزم بالمعنى القاموسي للكلمات، بل تحفر في مدى علاقتها بالواقع الراهن. فهل تعني الحرية مثلا أننا نستطيع أن نفعل كل ما نشاء؟ كيف يمكن إذن أن نجعل الحرية مطلقة ثم ندرج ضمنها احترام الآخر؟ أليست في تناقض مع المساواة؟ ثم كيف يمكن أن ندافع عن مبدأ المساواة في منظومة مجتمعية قائمة على التفاوت الاجتماعي والاقتصادي؟

مواقف كثيرة صيغت بأسلوب يسرّ الصغار والكبار
مواقف كثيرة صيغت بأسلوب يسرّ الصغار والكبار

ولماذا وردت الأخوة بصيغة المذكر Fraternité وليست بصيغة المؤنث Sororité؟ أليس في ذلك تمييزٌ للذكور عن الإناث في بلد يرفع شعار المساواة؟ فكيف يمكن أن نقتنع بالأخوة وهي تقصي النساء من تسميتها؟ أي أننا لو نحلل بدقة كل مبدأ من مبادئ الشعار الفرنسي فسوف نقف على عدة تناقضات.

وذلك ما تهدف إليه المسرحية: أن تدفع المتفرّج إلى النظر إلى ما وراء الشعارات البراقة، والتساؤل عن مدى التزام بلاده بمبادئ الشعار الذي ترفعه، رغم ما تنطوي عليه المسرحية من أفكار قد تنعت مؤلفها ومخرجها بانعدام الوطنية، لاسيما في هذا الظرف المتوتر.

والمسرحية، إذ تتعرّض لتلك المبادئ لا تتناولها بالتمجيد ولا بالسخرية، وما الضحك الذي تثيره في الجمهور إلاّ نتيجة مقاربة المحاضر لبعض المفاهيم، والطريقة التي ينوي بها تقديمها للأطفال، بدعوى أنهم مراهقون، واعتراض السيدة المكلفة بتصويب خطابه وتوجيهه توجيها يصيب غايته.

ويقول لامبير “من الذي يهتم بالشباب اليوم سوى نحن والمدرسة، وكلانا محطة للثقافة، يستطيعون أن يجدوا فيها ما لا يجدونه في عالم المباريات والمسابقات التي تلغي تفكيرهم بغية دمجهم في مجتمع الاستهلاك”.

أما بيغودو، وهو روائي وسيناريست أيضا، كتب سيناريو شريط “بين الجدران” الذي فاز بالسعفة الذهبية لمهرجان كان عام 2008، فقد صرّح “نأتي بالمسرح إلى المعاهد لفتح باب النقاش حول مسائل جوهرية، تخصّهم هم بالدرجة الأولى كجيل مدعو إلى بناء المستقبل، كي يعرف ما له وما عليه، بعيدا عن الشعارات السياسية، المضللة في أغلب الأحيان”.

لقد أعِدّ العمل كي يعرض في شتى الفضاءات المسرحية والثقافية وخاصة المدرسية، لإيمان المخرج وصديقه بأن الفرد ليس مستلَبا في اختياراته، وأن المراهق يفكّر أكثر ممّا يتخيله الكبار، وأنهما يقترحان مادة قد يستغلها المدرّسون كما يهوون، لأن في دخول المسرح إلى المؤسسات التربوية فوائد جمّة ليس أقلها دفع السّأم وخلق روح مرحة، لاسيما أن “الشعار” يحتوي على مواقف كثيرة مصوّغة بأسلوب يسرّ الصغار والكبار.

عرض لا يلتزم بالمعنى القاموسي للكلمات
عرض لا يلتزم بالمعنى القاموسي للكلمات

 

16