شرق المتوسط.. خطة أنقرة لإبعاد القاهرة عن ليبيا

مصر ترفض الربط بين القضايا الإقليمية في ظل الاستفزاز التركي المتكرر بعد أن كسبت أرضا جيوستراتيجية يصعب التفريط فيها فيما تؤكد أن القضية الليبية مستقلة بذاتها.
الاثنين 2020/08/03
القاهرة تدرك ما تريد أنقرة

تعمد أنقرة باستمرار لمناوشة القاهرة في شرق المتوسط، هذه المرة عبر تنفيذها لأعمال مسح سيزمي في منطقة رمادية بما لا ينسجم مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ويخالف أحكام القانون الدولي. ويقول مراقبون إن تركيا تعمد إلى انتهاج هذه الاستفزازات في كل مرة بهدف تشتيت تصورات مصر وإبعادها عن ليبيا التي باتت نقطة صراع واضحة بين البلدين بعدما أكدت مصر بلغة شديدة اللهجة عدم استعدادها للتفريط في ليبيا لفائدة غزو عثماني جديد.

القاهرة- يكشف جزء كبير من التحركات التركية في ليبيا عن أطماع اقتصادية بلا حدود، ولم تعد خافية عن الكثيرين، وعندما بدأت مصر تعترض على هذا التوغل وتلوح باستخدام القوة باتت أنقرة، لا تعلم المدى الذي يمكن أن تذهب إليه القاهرة لمواجهتها على الأراضي الليبية، لأن منطقة الهلال النفطي باتت تحت سيطرة الجيش الوطني الليبي، والخط الأحمر الذي حددته مصر يقع في المنطقة ذاتها.

وحاولت تركيا التحرش بمصر مباشرة في منطقة شرق البحر المتوسط، بهدف استفزازها وشغلها عما يجري في ليبيا، لكنها كانت مخطئة، فلم تنجر القاهرة خلف الاستفزازات المتكررة، واعتصمت في كل مرة بالقوانين الدولية التي تتعمد أنقرة تجاهلها، أو عدم الاعتداد بها لإجبار الخصوم على الوصول معها لحافة الهاوية.

المنطقة الرمادية

أكدت القاهرة اعتراضها رسميا على قيام سفينة تركية بتنفيذ أعمال مسح سيزمي في الفترة من 21 يوليو إلى 2 أغسطس، بسبب تداخل النقطة رقم (8) الواردة بالإنذار الملاحي التركي مع المنطقة الاقتصادية المصرية، وهو إجراء لا ينسجم مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ويخالف أحكام القانون الدولي.

وأوضحت الخارجية المصرية، السبت، أن هذا التصرف يمثل انتهاكًا واعتداءً على حقوق مصر السيادية في منطقتها الخاصة بالبحر المتوسط، وأنها لا تعترف بأي نتائج أو آثار قد تترتب على العمل بمنطقة التداخل.

ميليشيات تركية في ليبيا
ميليشيات تركية في ليبيا

وتستغل تركيا المناطق الرمادية في العلاقات الإقليمية والدولية، وتحاول النفاد منها لتحقيق أهدافها، أو جر خصومها للتفاوض حولها، وفي النهاية تصبح لديها قضية ربما تسمح لها بالجلوس على الطاولة.

وتعبر اللهجة التي تعاملت بها القاهرة مع أنقرة عن فهم لطبيعة مراميها من وراء هذا التحرش في الوقت الراهن، وأن الشدة التي قوبلت بها تركيا تعني أن مصر ليست على استعداد لإبداء ليونة معها في ليبيا أو شرق المتوسط.

وتعمدت تركيا أن تمنح نحو 35 ألف كيلو متر مربع زيادة في المياه الإقليمية لمصر بناء على مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس رجب طيب إردوغان مع فايز السراج رئيس حكومة الوفاق في طرابلس، 26 نوفمبر الماضي، في محاولة لشراء سكوت القاهرة عن تدخلات أنقرة في ليبيا، غير أن هذه الحيلة لم تنطل على مصر.

ونجحت مصر في تثبيت حقوقها في شرق المتوسط مبكرا، وأودعت إعلاناً لدى الأمم المتحدة بشأن ممارستها لحقوقها في المياه الاقتصادية الخالصة وفق المادة 310 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في 11 يوليو 1983.

ناهيك عن الممارسات اللاحقة التي تسارعت خلال الأعوام الخمسة الماضية، وأفضت إلى تشكيل تكتل قوي من مصر واليونان وقبرص، ثم منتدى إقليمي حشر تركيا في زاوية بعيدة، وأصبحت معزولة عن المحيط المعني بالثروة الغازية في هذه المنطقة.

أكدت القاهرة اعتراضها رسميا على قيام سفينة تركية بتنفيذ أعمال مسح سيزمي في الفترة من 21 يوليو إلى 2 أغسطس، بسبب تداخل النقطة رقم (8) الواردة بالإنذار الملاحي التركي مع المنطقة الاقتصادية المصرية

ومكنت هذه التصرفات مصر من عدم إظهار تجاوب مع الرسائل السياسية والاقتصادية التي تبعث بها أنقرة نحو القاهرة، كما أن التطورات المتلاحقة في ليبيا تمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، ما جعل تصورات تركيا غير مقبولة بالمرة، وتحمل في جوهرها مكونات خطيرة لا تتساوى بأي حال مع المغريات الاقتصادية.

وتؤكد ممارسات تركية مختلفة أن هناك رغبة عارمة لتوظيف الأوراق التي تمتلكها أو تستحوذ عليها بحكم الأمر الواقع، لأجل تعظيم مصالحها الاقتصادية.

ولجأت تركيا إلى تدشين أعمال المسح السيزمي كجزء من الأعمال التمهيدية للبحث والتنقيب عن الهيدروكربونات، في محاولة لجذب انتباه القاهرة، فإما أن تنخرط في مناوشات تضاعف من التحديات التي تحيط بها، وإما تضطر إلى الاستجابة لدعوات أنقرة للتفاهم معها حول الملفات الخلافية. وفي الحالتين تربح تركيا في تأكيد حضورها بقوة في شرق المتوسط وفي ليبيا، وتخفف من الضغوط الإقليمية والدولية الواقعة عليها، وقد تنجح في تفتيت القوى المناهضة لها، والتي تتزايد بعد اتساع منسوب تحرشاتها العسكرية مع دول عدة في المنطقة.

وأدى الإعلان عن هذا المسح السيزمي إلى تصاعد حدة التوتر بين تركيا وكل من اليونان وقبرص، ودخلت ألمانيا على الخط وتمكنت من نزع فتيل أزمة كادت تفضي إلى حرب بين البلدين، واضطرت أنقرة إلى وقف عمليات التنقيب انتظارا لإجراء محادثات بعد إعلانها التخطيط للقيام ببحث زلزالي في أجزاء من الجرف القاري اليوناني في منطقة تقع بين قبرص وكريت في بحر إيجه والبحر المتوسط.

مناكفات تركية

أنشطة استفزازية
ميليشيات تركية في ليبيا

تشير الخرائط الدولية التي يعتمد عليها بعض الخبراء إلى أن المنطقة الاقتصادية الخاصة بتركيا بعيدة عن منطقة الأحواض الرسوبية الغنية بالغاز، لذلك تتبنى طريقة ترسيم على خلاف قواعد القانون الدولي، بحيث تمكنّها من الوصول إلى مربعات رقم 10، و11 من المنطقة الاقتصادية القبرصية التي قسمتها إلى نصفين، ليصبح النصف الأيمن من المنطقة تابعا لقبرص.

من وقت لآخر تقوم تركيا بمناكفات في هذا النصف بحجة دفاعها عن حقوق قبرص التركية الموالية لها، ويكون النصف الأيسر من المنطقة تابعا للمنطقة الاقتصادية التركية، كما اقتطعت جزءا من المياه الاقتصادية لليونان متجاهلة جزرها المتاخمة لسواحلها، وهي في مجملها تمنع تركيا من الوصول إلى حدود مصر الاقتصادية.

ووجدت أنقرة نفسها في وضع صعب يحرمها من تحقيق استفادة من موارد شرق المتوسط، وحاولت تعويضها من خلال العلاقة الخاصة التي تربطها بالقبارصة الأتراك الذين وقعوا في سبتمبر 2011 على اتفاق ترسيم الجرف القاري مع أنقرة.

وبموجب الاتفاق أعلنوا امتلاكهم منطقة اقتصادية بإدعاء أن نصف المنطقة الخالصة لقبرص الرومية ملك لهم، وأحقيتهم في مربعات أرقام 1 و2 و3 و8 و9 و12 و13، بما يخالف قواعد القانون الدولي، لأن قبرص التركية غير معترف بها دوليا.

ويمكن فهم انزعاج مصر من هذه المربعات التي تجور على حقوقها، وتلوح بها تركيا من وقت لآخر كنوع من تكثيف الضغوط عليها، وتعزيز موقفها التفاوضي.

وبعد اكتشاف مصر لحقل “ظُهر” منذ خمسة أعوام، تقدمت تركيا بشكوى إلى الأمم المتحدة بخصوص تصورها لمنطقتها الاقتصادية، مع أنها لم تنضم إلى “اتفاقية البحار” لعلمها أن قبرص الرومية وجزر شرق إيجة اليونانية تقوضان حدودها الاقتصادية من التمدد.

مساع تركية لاستفزاز مصر في منطقة شرق المتوسط، لكن القاهرة لم تنجر وراء هذه الخطوات المتكررة

ويقول خبراء إن هذا الإجراء تستفيد منه تركيا للتغطية على ما تقوم به حاليا، باعتبار أن هناك منطقة  بينها وبين قبرص، وأضحت المربعات التي تمتلكها قبرص الرومية تثير بشأنها أنقرة مضايقات منعت قبرص من التنقيب في بعض مناطقها الخالصة.

ويتراوح احتياطي الغاز في شرق المتوسط بين 340 إلى 360 تريليون قدم مكعب من الغاز، و3.4 مليار برميل بترول، وكم كبير من السوائل الغازية، ويقدر إجمالي قيمتها المالية بنحو 2.5 إلى 3 تريليون دولار، ما يجعل هذه المنطقة تحتل المركز الثاني عالميًا من حيث احتياطيات الغاز، وكل ما تم اكتشافه مجتمعًا في قبرص وإسرائيل ومصر حتى الآن هو 70 تريليون قدم مكعب فقط.

وتسيل هذه الأرقام لعاب القيادة التركية، وتحاول الحصول على نسبة جيدة منها، ما يجبرها على اللجوء إلى الخشونة والتلويح بدبلوماسية البوارج الحربية، أو تبني منطلقات تبدو مرنة تمهيدا للسعي إلى تفاهم مع القوى الإقليمية، ولا يتخيل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يخرج خالي الوفاض، فيلجأ إلى تنويع ألاعيبه، والرهان على قضم جزء من الكعكة.

وتتعامل القاهرة مع هذا الرهان بحكمة، وترفض الربط بين القضايا الإقليمية، لأن شرق المتوسط ينخرط فيه لاعبون كثيرون، وكسبت مصر أرضا جيوستراتيجية يصعب التفريط فيها، بينما تظل ليبيا قضية مستقلة بذاتها تتعلق بشواغل الأمن القومي.

7