شخصيات روائية بصفات إنسانية

أهمية بناء الشخصية الروائية لا يمكن عزلها عن القيمة الفنية للبناء السردي لأحداث الرواية وما ينطوي عليه من توتر ودلالة تكسب هذا العمل قيمته النابعة من الأفكار والقضايا الوجودية والسياسية والاجتماعية الخاصة.
الثلاثاء 2019/10/08
زوربا من شخصية روائية إلى حقيقية

عندما نتحدث عن كثير من الأعمال الروائية تقفز إلى الذهن فورا أسماء شخصياتها بوصفها أيقونات دالة عليها، ومن يقوم بالأفعال السردية التي تنظم إيقاع السرد وتطوره فيها. لذلك يصعب على القارئ تحديد علاقته بالرواية بمعزل عن هذه الشخصيات، والدلالة التي ارتبط وجودها بها داخل العالم الروائي، حيث استمدت من خلال صفاتها وأفعالها البشرية قيمتها الأصيلة التي منحتها الخلود.

إن هذه العلاقة الجدلية بين الشخصية والرواية يمكن للقارئ أن يتلمسها عند قراءة أي عمل روائي أو من خلال الأفعال التي تقوم بها هذه الشخصية المتخيلة وتشكل مصدر الحدث ومن يقوده في السرد الحكائي للرواية. لذلك فإن رواية الجريمة والعقاب لا تذكر إلا مقترنة بشخصية بطل الرواية راسكلينكوف ذات البنية الدرامية المركبة والدالة في أفعالها وصراعها الذي يمنح أحداث الرواية توترها. كذلك لا تذكر شخصية زوربا حتى يحضر اسم رواية زوربا اليوناني لنيكوس كزانتزاكي باعتبارها تكثيفا واختزالا للبحث عن معنى حسي للوجود الإنساني والحياة.

ولا يختلف الأمر بالنسبة لثلاثية نجيب محفوظ التي ارتبطت باسم شخصية بطلها عبدالجواد وأفراد أسرته التي عكست في سلوكها وقيمها تحولات الواقع الاجتماعي والسياسي في منتصف القرن الماضي، وكذلك الحال بالنسبة لشخصية رجب في رواية شرق المتوسط لعبدالرحمن منيف التي عبرت في حركتها داخل المكان عن العلاقة الضدية بين عالمين متناقضين، عالم الحرية وعالم القمع والاستبداد لشرق المتوسط.

 إن الأهمية الخاصة للدور الذي تلعبه هذه الشخصية الورقية في العمل الروائي لا تقترن بمدى واقعيتها مهما حاول الكاتب أن يمنحها من الصفات الواقعية لأنها تظل شخصيات خيالية يقوم الكاتب ببنائها لكي يجعلها أكثر تمثيلا للواقع والأفكار والقيم التي يريد التعبير عنها. كما تتجاوز هذه الشخصية في أهميتها الأفكار التي تطرحها والقيم التي تمثلها في سلوكها ومواقفها والبنية الدرامية التي تحوز عليها، بوصفها الحامل الأساس لهذا العمل والبؤرة التي تتفرع منها ومعها جميع أحداث الرواية. لذلك فإن الحديث عن هذه الشخصية في العمل الروائي يتجاوز كل ما سبق إذ لا يمكن تناولها بمعزل عن كل عناصر العمل الروائي نظرا إلى العلاقة العضوية التي تربطها بجميع مكونات هذا العمل من سرد ووصف وأحداث وزمان ومكان تدور فيهما هذه الأحداث.

 إن تنوع التجارب والدلالات التي تنطوي عليها شخصيات الأعمال الروائية يرتبط بتنوع قضايا الواقع التي تعبر عنها تجاربها ومواقفها وسلوكها داخل البنية السردية للعمل، الأمر الذي يجعل وجود هذه الشخصية يرتبط ارتباطا وثيقا بالدلالة التي تنتجها داخل هذا العمل والرؤية التي تجد تعبيرها في سلوكها ومواقفها وحواراتها وعلاقاتها مع الشخصيات الأخرى داخل العمل الروائي. لذلك جرى تصنيف الأعمال الروائية وفقا لطبيعة هذه القضايا والموضوعات التي تطرحها وتشكل محور حياتها وسلوكها، مثل الرواية الاجتماعية والرواية السياسية ورواية الحب أو الرواية النسوية والرواية الإيروتيكية.  

هذه الشخصيات الخيالية على الرغم من اختلافها وتنوع أشكال تقديمها ومقاربتها هي في الرواية الواقعية غيرها في الرواية النفسية، إذ تهتم الرواية الواقعية بالواقع الخارجي وعلاقة الشخصية به كما تبدو في مواقفها منه وسلوكها تجاهه، في حين أن الرواية تحاول أن تكشف عن هذه العلاقة كما تتجلى في مرآة العالم النفسي للشخصية، الأمر الذي يجعل تيار الشعور واللاشعور يتدفق في رسم صورة الواقع كما تعكسها هذه المرآة الداخلية لعالم الشخصية النفسي، لكن كثيرا من الأعمال الروائية حاولت أن تزيل الحدود بين هذين النوعين من الرواية من خلال انتقال السرد الروائي مع الشخصية من الواقع إلى تمثلاته النفسية عند هذه الشخصية كما يظهر ذلك في استخدام المنولوج والتداعيات عندها.

 لقد ظل السرد في رواية ثلاثية نجيب محفوظ ينتقل بين صورة الواقع الخارجي والعالم الداخلي لشخصيات هذه الرواية. ولا يختلف الحال في رواية الجريمة والعقاب التي جعلت شخصية البطل تنوء تحت احتدام أفكارها وصراع موقفها من الواقع الاجتماعي الضاغط عليها بقوة. إن هذه القيمة الدلالية الخاصة للشخصية لا تنبع من بنيتها الدرامية المركبة وحدها بل من مجمل أدوارها التي تلعبها في تصاعد الخط الدرامي للبنية السردية في الرواية وعلاقتها بالواقع وبالشخصيات الفرعية الأخرى في إطار اللعبة السردية للرواية والأفكار والقيم التي تعمل على تمثيلها في هذه اللعبة.

إن أهمية بناء الشخصية الروائية لا يمكن عزلها عن القيمة الفنية للبناء السردي لأحداث الرواية وما ينطوي عليه من توتر ودلالة تكسب هذا العمل قيمته النابعة من الأفكار والقضايا الوجودية والسياسية والاجتماعية الخاصة، التي تحملها وتختزل معناها في سلوكها ومواقفها وجدلها مع ذاتها ومع العالم الذي تشتبك معه. إن الشخصية الروائية بوصفها الحامل الأساس للعمل الروائي تمثل البؤرة التي تنطلق منها أحداث الرواية وتظل مرتهنة إليها في صعودها وهبوطها، الأمر الذي يجعل مركزية حضورها تتجلى في أفعالها ومواقفها التي تشكل العصب الذي يشد إليه بنية العمل الروائي، ويتحكم في مساراته وحمولاته الدلالية في سياق البنية الكلية للرواية وما تحاول أن تقوله أو تعبر عنه خاصة بالنسبة للقضايا الأكثر تأثيرا على المستوى الوجودي والسياسي والاجتماعي.

إن أهمية زوربا تكمن في شخصية بطلها زوربا ولذلك جعل الكاتب من اسم هذه الشخصية الأيقونية العلامة الدالة عليها عندما جعل منها العنوان الرئيس للرواية. ولا يختلف الحال مع رواية أنا كارنينا لتولستوي نظرا لمحورية الدور الذي تلعبه هذه الشخصية والقيمة الدلالية التي تنطوي عليها كما تتجلى قي قصة الحب التراجيدية التي عاشتها. لذلك فإن أهمية هذه الشخصيات الأيقونية تنبع من المواقف والقيم والأفكار التي تمثلها في علاقتها مع الواقع ومع ذاتها وذوات الشخصيات الأخرى في إطار هذا العالم السردي الدال. وما يزيد من تأثير هذه الشخصية وتفاعل المتلقي معها هو البنية الدرامية وحالة الصراع التي تعيشها مع الواقع أو القضايا الكبيرة التي تنتصر لها أو تعبر عنها في موقفها من الحياة والوجود والإنسان.

15