سينما المخرجين.. تلك الأساليب التي تغوص في أعماق الذات والحياة

هناك مخرجون ذوو أسلوب سينمائي متفرد تركوا آثارا تدل عليهم وتجارب تنهل منها الأجيال ودارسو السينما ومتذوقوها.
الأحد 2021/09/26
مخرجون غيروا تاريخ السينما

إنها سينما المخرجين بامتياز، تلك التي تراكم فيها المنجز السينمائي ورسخت الصنعة واتضحت بصمات الصانع الماهر أسلوبيا على الشاشات.

وهي بعد ذلك عملية مركّبة وتحتاج إلى ما يكفي من زمن لكي تتكامل الصفات الأسلوبية لدى مخرج دون غيره، ومن هنا نشأت المدارس والاتجاهات السينمائية وخاصة منذ خمسينات القرن الماضي، وفي مقدمتها الواقعية بأنواعها واتجاهاتها، والموجات الجديدة، وخاصة الطليعية والتجريبية وأفلام الأندرغراوند والأفلام المستقلة وغيرها.

إنها في الواقع نمطية متفردة وشديدة التميز، تلك التي تقدم ثلة من المخرجين ذوي البصمة الخاصة، وبهذا صار معتادا أن تدرج العديد من المواقع السينمائية على شبكة الإنترنت -وكذلك يفعل النقاد والمجلات السينمائية- قائمة أفضل 100 مخرج على مر الزمن، فيما سوف يكون هنالك من يقلص القائمة إلى النصف أو حتى إلى ربع هذا العدد.

ومهما يكن العدد الذي ينطبق على مخرجين أسلوبيين أو ذوي أسلوب سينمائي متفرد ومتميز، فإن الأصل هو ما تركه أولئك المخرجون من آثار تدل عليهم وتجارب سينمائية تنهل منها الأجيال ودارسو السينما ومتذوقوها.

عند الشاعر والسينمائي جان كوكتو تمتزج لغة السرد السينمائي بالشعر، في أسلوب متفرد يحمل الكثير من طابع التجريب والاختلاف، حيث يصرّح بأن الفيلم هو كتابة شعرية بالصور.

 ويؤمن كوكتو بأن الفيلم هو مركبة من الدرجة الأولى لحمل الأفكار، تسمح للشاعر – المخرج بأن يصطحب المشاهد إلى عوالم لم يقده إليها أحد سوى الأحلام والنوم.

أسلوب راسخ لـ"مايكل أنجلو أنطونيوني"

 إن ثلاثية كوكتو “دم الشاعر” و”أورفيوس” و”شهادة أورفيوس” هي تأكيد لأسلوب إخراجي سبر أغوار مجاهل الخلق الشعري: من هو الشاعر وكيف يقوم بنسج بنائه الشعري وكيف يبدع وكيف تتجلى له الأشياء؟

في فيلم “دم الشاعر” يدخل الشاعر، عبر المرآة مبحراً لعالم آخر، إلى عزلته حيث يداوي جراح يده. وعندما يحك يده بالتمثال يختفي الجرح، وتدب الحياة في التمثال، وانتقاماً لذلك يدفع به التمثال إلى المتاهة، وإلى عالم الخلق والإبداع الفني، حيث يستجلي الشاعر من ذكريات طفولته وخيالاته ومخاوفه، حتى يطلق الرصاص على نفسه ويقع على طاولة مغطاة بالثلج، وعندما يتفجر دمه يصفق له الجمهور: ويعلن كوكتو “إن ألم الشاعر يمنح السرور للآخرين”.

وفي المقابل -وفي تجربة أخرى- لنا أن نتساءل، ترى من أية زاوية سنرى حياتنا التي نريد أن نرتقي بها إلى مرتبة الشعر وهي تتجلى في أسلوب متفرد لمخرج يرى ما لا نراه؟

تلك الصور التي تحتوي اللحظة -كما يقول شيلي- كما تحتوي غائية تحركها وتحتشد بجذوة الشعر فيما تتخذ لنفسها تعبيرها الخاص، إنه الأسلوب المتفرد للمخرج السويدي انغمار برغمان وأفلامه منذ “صراخ وهمسات” و”التوت البري” و”فاني والكسندر” و”بيرسونا” و”وجهاً لوجه” و”سوناتا الخريف” و”ايفا” و”أسرار امرأة” و”الختم السابع” و”ساعة الذئب” و”عاطفة آنا” و”اللمسة” و”الصيف في مونيكا” وغيرها، ألا نلاحظ أننا “مشوشون” في إدراك تلك البداية الموهومة التي ألقاها علينا النمط الأميركي، خاصة في أعمال أوليفر ستون وبيكنباه وسبيلبرغ وسواهم. فمع هؤلاء نبحث عن حلقة أخرى من العنف لدى ستون خاصة بعد عمله “القتل بالغريزة” وكذلك لدى بيكنباه، وعن حلقة أخرى من كائنات الفضاء الغريبة أو الحيوانات المنقرضة، فابحثوا عن ذلك التتابع الوهجي المجهول مع سينما “برجمان”، إنها في كل الأحوال متجاورات أسلوبية فلا يشبه ذلك المخرج الأسكندنافي في الذات والحياة نظراءه الأميركان من المخرجين، إنها أسلوبيات مغايرة.

هناك تجربة أسلوبية أخرى لدى المخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني العابر للثقافات والجدير بأن يحتفي به السينمائيون والمثقفون على حد السواء، فهو الذي اجتذب اهتمام نقاد وفلاسفة كبار من وزن رولان بارت وجيل ديلوز وكانت لهم قراءتهم لمنجزه الجدير بالمراجعة والفهم المتجدد، كتب له بارت يوما قائلا “لا شك أنك تتعامل مع المادة والشكل باعتبارهما هما أيضا تاريخين، فالمآسي هي، كما قلت أنت، سيكولوجية وتشكيلية في آن معا”.

في تلك الفسحة الغرائبية التي يتحدث عنها رولان بارت تنبض حياة صنعها أنطونيوني دفعة واحدة في ثلاثية أدارت الرؤوس إليه وأسست أسلوبه المميز أو على أقل تقدير رسخت أسلوبه، سلسلة مكثفة في شكل ثلاث قصص سينمائية بين الأعوام 1960 و1962 وهي: المغامرة، الليل، الأفول. ثلاثة أفلام بقيت علامات فارقة في مسار أنطونيوني، وكل منها حمل ملمحا من ملامح التجريبية السردية التي أرّخت لمنجزه وميزته.

 المرويات والسرد السينمائي الكثيف قدما رؤية مختلفة عن السائد في تلك الحقبة، لاسيما وأن الواقعية الإيطالية كانت راسخة على أيدي مخرجين إيطاليين كبار من مثل فيسكونتي ودي سيكا وفيلني وروسيليني وزافاتيني ودي سانتيس. هنا ثمة فارق ملحوظ، إذ كان من الصعب الزج بأنطونيوني وأسلوبه في ذلك الخليط النمطي الواقعي، فالقصص الأكثر قربا للواقع في أعقاب الحرب العالمية الثانية لم تكن هي غاية أنطونيوني بقدر عنايته بشخصياته المأزومة وهي تروي تفاصيل حياتها من زوايا مختلفة وغير مألوفة.

15