سيطرة طالبان على الحكم تنكأ جراح الهزارة الأفغان

ذكريات الأعمال الوحشية تقض مضاجع الأقلية الشيعية.
الأربعاء 2021/09/15
خوف من القادم

النجف (العراق) – يقضّ الخوف والقلق على المستقبل مضاجع مجموعة من رجال الدين من طائفة الهزارة الشيعية الذين يتلقون علوما دينية في مدينة النجف العراقية بعد سيطرة طالبان على السلطة في أفغانستان.

بين هؤلاء الطلبة الشيخ علي بصير الذي جلس في غرفة توزعت فيها مكتبات وُضعت على رفوفها نسخ من القرآن وكتب دينية وعلّقت في سقفها مروحة تواصل دورانها في أيام الصيف اللاهب.

وأمضى بصير 17 عاما من عمره (51 سنة) في دراسة العلوم الدينية في “الحوزة”، المدرسة الدينية العريقة لإعداد رجال الدين الشيعة في النجف المقدسة التي يتوافد إليها الملايين من الشيعة كل عام لزيارة مرقد الإمام علي بن أبي طالب.

تختفي ابتسامته بينما يتحدث عن صعوبة العودة إلى بلده الذي أصبح منذ منتصف أغسطس تحت سيطرة حركة طالبان الإسلامية السنية المتطرفة. ويقول في حديثه لوكالة فرانس برس “أتمنى وأريد العودة إلى أفغانستان لخدمة شعب أفغانستان، لكن الوضع ليس طبيعيا” حاليا هناك.

والهزارة أقلية شيعية تشكّل ما بين 10 و20 في المئة من سكان أفغانستان الذين يقدّر عددهم بحوالي 40 مليون نسمة. وتحدثت تقارير عن تعرّض أفرادها لمجازر راح ضحيتها الآلاف على أيدي الحركة الإسلامية المتشددة إبّان سيطرتها على الحكم بين عامي 1996 و2001.

ولطالما مثل الهزارة مشكلة طائفية تاريخية بالنسبة إلى أفغانستان، فقد تعرضوا للتهميش والإقصاء إبان حكم طالبان، لكنهم في الوقت نفسه كانوا يمثلون مشكلة عندما اندفعوا صوب إيران التي درّبت الآلاف منهم في معسكرات يديرها الحرس الثوري.

قمع واضطهاد

علي بصير: أريد العودة إلى أفغانستان، لكن الوضع ليس طبيعيا حاليا

لا تزال ذكريات الأعمال الوحشية التي ارتكبها عناصر طالبان عالقة في أذهان العديد من الأفغان، وهي تشكل مصدر قلق للشيخ بصير الذي يقول “أخي وأختي في أفغانستان. الحمد لله هما بعيدان عن العاصمة، في الريف، وهما بخير”. لكن ذلك لا يمنع توجسه من الطريقة التي ستسيطر بها حركة طالبان على الشيعة.

ويعرض الشيخ مقطع فيديو في جهازه المحمول يتضمن مشاهد لما يقول إنه قمع يمارسه عناصر طالبان ضد تظاهرة، مؤكدا أن “الذين يتظاهرون من الهزارة”.

وتعرّض الهزارة، الذين يسهل التعرّف عليهم من خلال سماتهم الآسيوية، لتهميش واضطهاد خلال مراحل تاريخية عديدة. ووفقا لبعض التقارير قضي على نصف هذه الأقلية خلال غزو مناطقهم من قبل الباشتون السنة في نهاية القرن التاسع عشر.

ولم تتوقف معاناتهم عام 2001 إثر رحيل طالبان عن السلطة، بل استمر استهداف الهزارة عبر هجمات نفذها متشددون خلال السنوات العشرين الماضية.

وأثناء الحرب الأهلية الوحشية في تسعينات القرن الماضي قُصف الهزارة بلا رحمة خلال القتال بين فصائل متعادية، ثم ذُبح الآلاف منهم عندما استولت حركة طالبان على الحكم.

وقتل المئات من الهزارة منذ ذلك الحين في هجمات لتنظيم الدولة الإسلامية استهدفت مساجد ومدارس وتجمعات ومستشفيات في داشت بارشي، الجيب الذي يقيم فيه الهزارة في غرب كابول.

وفي مايو الماضي قتل 50 شخصا من هذه الأقلية أثناء هجمات وقعت قرب مدرسة للبنات في حي من أحياء كابول يسكنه الهزارة.

عراقي من الأعماق

Thumbnail

كان مصطفى، ابن الشيخ بصير وعمره 21 عاما، يجلس في إحدى زوايا الغرفة وينصت بانتباه للحوار مع والده.

ويقول الشاب الذي ولد في العراق إنه “عراقي من الأعماق” رغم جنسيته الأفغانية. ويضيف بلهجة النجفيين “أنا لا أتكلم الداري جيداً”، مضيفا “أفضل البقاء هنا في النجف الآمن أكثر” من أفغانستان.

وشهد العراق خلال العقود الأخيرة حروبا وصراعات وأزمات، ومع ذلك يبدو للبعض ملاذا آمنا.

ويعرب الشيخ هزاره محمد تقي، الذي تزوج قبل عام في بلده ويتحدّر من مدينة هرات الواقعة في غرب أفغانستان، عن أمله في أن يعود إلى بلاده.

ويضيف الطالب، الذي يواصل دراسته منذ نحو ست سنوات في النجف، بقلق “أمي وأختي وزوجتي هناك، أخاف عليهن (…) النساء لا يمكنهن مغادرة المنزل إلا بمرافقة أزواجهن”.

وخلال سيطرة طالبان سابقا على أفغانستان لم يكن يسمح للنساء بالخروج من المنزل دون مرافق يكون أحد أفراد العائلة، لكن لا يبدو أن هذا يطبق حاليا.

ويقول تقي “لا أدري كيف نحصل على جواز سفر أو تأشيرة، فلم تعد هناك دولة” في أفغانستان.

وبدوره يحلم الشيخ قربان علي (26 عاما) بالعودة. ويقول رجل الدين الوقور، الذي يتحدر من مدينة مزار شريف الواقعة في شمال أفغانستان، “الوضع هناك لا يسمح للطلبة بنشر تعاليمهم”.

لكنه يستدرك قائلا بأنه إذا طلبت منهم “المرجعية”، أعلى سلطة دينية حيث يدرس في النجف، العودة إلى أفغانستان فـ”يجب أن نذهب”.

         

13