سياسات مكافحة كورونا تركز على معاناة النساء وتهمل صحة الرجال

تحيّز ضد الذكور مسكوت عنه في طرق مكافحة الوباء.
الخميس 2021/04/15
تعزيز صحة الرجل والمرأة فيه حماية للجميع من الوباء

لم يحظ الرجال بنفس القدر من الاهتمام الذي حظيت به النساء أثناء جائحة كورونا، وهذا يتجلى في التركيز على الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها النساء، فيما لم تعط الأولوية للرجال في الرعاية الصحية والتطعيم رغم أن معدلات أعداد الموتى في صفوفهم أعلى بكثير من النساء منذ الأيام الأولى لانتشار الوباء.

أدت الاستجابة الجنسانية لفايروس كورونا إلى التركيز أكثر على مشكلات النساء والأعباء الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهنها، وفي المقابل كان نصيب الرجال الإهمال، إذ لم تعط الدول والجهات المعنية الأولية لصحة الرجال الذين يموتون بمعدلات أعلى بكثير من النساء منذ الأيام الأولى لانتشار الوباء.

ويمكن أن يؤدي عدم التركيز على جنس الرجال إلى تقويض سياسات الخروج من الوباء، ولذلك يبدو من الضروري مراعاة الاختلافات بين الجنسين في الإصابة بالفايروس، والتي تحتم على الحكومات وخدمات الرعاية الصحية اتباع استراتيجيات مختلفة في التعامل مع الرجال والنساء المصابين بكورونا، وأساليب علاج تناسب كل جنس على حدة.

ويفترض عند الحديث عن المساواة الاجتماعية وحقوق النساء، الأخذ بعين الاعتبار حقوق الرجال في الصحة، والتي تعد مشكلة مسكوتا عنها على نطاق واسع، رغم أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يكفل لكل شخص الحق في أعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه، ويُلزِم الدول باتخاذ تدابير لمنع تهديد الصحة العامة، وتقديم الرعاية الطبية لمن يحتاجها.

صعوبات اقتصادية واجتماعية

عانت النساء من صعوبات اقتصادية واجتماعية أكبر من الرجال بسبب الجائحة، في حين كانت معدلات الإصابات والوفيات بين الرجال أكثر في معظم الدول التي توفرت بيانات عنها.

ونبهت أبحاث وتقارير علمية إلى المخاطر الصحية التي يتعرض لها الرجال جراء الجائحة، بسبب اختلافهم عن النساء في التركيبة البيولوجية. لكن استراتيجيات الاستجابة لفايروس كورونا من قبل الحكومات والجهات الصحية لم تراع تلك المخاطر، وكان من المفروض أن تساهم في إنقاذ حياة الكثير من الرجال.

وكشف تقرير رسمي أن عدد الرجال الذين توفوا بكورونا في الصين وصل إلى 75 في المئة من جملة الوفيات بالفايروس.

وفي مارس 2020، وثقت تقارير من إيطاليا أن 4 من أصل 5 وفيات بين أول 827 شخصا ماتوا كانوا رجالا.

وفي الولايات المتحدة، كان الفايروس أكثر فتكا بالرجال مقارنة بالنساء. وهذه التفاوتات بين الجنسين تكون أكبر بناء على العمر والعرق.

وفي كوريا الجنوبية كانت نسبة النساء اللاتي ثبتت إصابتهن بالفايروس أعلى من نسبة الرجال، إلا أن هناك حوالي 54 في المئة من الوفيات المبلغ عنها بين الرجال.

وبعد مرور عام على انتشار جائحة كورونا، سجلت الولايات المتحدة حوالي 500 ألف حالة وفاة معظمها من الرجال.

النساء عانين من صعوبات اقتصادية أكبر من الرجال بسبب الجائحة، لكن معدلات الإصابات والوفيات أكثر بين الرجال

وبالرغم من أن معظم الحكومات لم تقدم بيانات عن حالات الإصابة المؤكدة والوفيات مصنفة بحسب الجنس، إلا أن البلدان التي تتوفر عنها بيانات، وتشمل حوالي ربع سكان العالم، وصل فيها احتمال وفاة الرجال أكثر بنسبة 50 في المئة من النساء بعد تشخيص الإصابة بفايروس كورونا المستجد.

وسلطت العديد من التقارير والدراسات الضوء على أن الرجال أكثر عرضة للإصابة والوفاة بمرض كوفيد ـ 19 مقارنة بالنساء، ورغم ذلك فإن خطة التطعيم في العالم أعطت الأولوية لكبار السن والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة والعاملين بالمجال الصحي، في حين لم ينطبق الأمر نفسه على الرجال.

ووجد تقرير لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة أن حوالي 40 في المئة من الرجال تلقوا الجرعة الأولى كانوا في بداية نشر اللقاح، واستمر هذا النمط من توزيع اللقاح إلى الأشهر الأخيرة، حين بدأ الناس في تلقي جرعاتهم الثانية.

وتم الكشف عن فروق النجاة والبقاء على قيد الحياة بين الجنسين منذ عام 2003، حيث عانت النساء أكثر من الرجال من متلازمة الجهاز التنفسي الحادة (سارس) ولكن معدل الوفيات بين الرجال كان أعلى بنسبة 50 في المئة.

وخلال جائحة الأنفلونزا الإسبانية عام 1918 التي أودت بحياة ما يقدر بنحو خمسين مليون شخص، كان الرجال البالغون أكثر عرضة للوفاة من النساء.

مقاومة العدوى الفايروسية

وتشير أدلة علمية كثيرة إلى أن النساء أكثر مقاومة للعدوى الفايروسية، ويتفاعلن بطريقة مختلفة مع أمراض القلب والأوعية الدموية والإعاقات.

وعادة ما تكون الوفيات جراء الأمراض المعدية أعلى لدى الرجال منها لدى النساء، لأسباب نسبت تاريخيا إلى قوة جهاز المناعة لدى العنصر الأنثوي.

وعلقت أستاذة علم الوراثة في جامعة لاتروب الأسترالية جيني غريفز على هذا الأمر في مقال لها بموقع ساينس أليرت بقولها “أعتبر ذلك تفاعلا بين العديد من العوامل والأمر ليس خاصا بكورونا المستجد، إذ أن الاستجابة المختلفة للرجال والنساء أمر طبيعي في العديد من الأمراض لدى الكثير من الثديّات”.

واعتبرت غريفز أن التحيز الجنسي في وفيات كورونا هو جزء من صورة أكبر وأقدم بكثير، للاختلافات الجنسية في الجينات والكروموسومات والهرمونات التي تؤدي إلى استجابات مختلفة تماما لمختلف أنواع الأمراض، بما في ذلك كورونا المستجد.

التحيّز الجنسي في وفيات كورونا هو جزء من صورة أكبر وأقدم بكثير، للاختلافات الجنسية في الجينات والكروموسومات والهرمونات

غير أنه ليس من السهل مراعاة الوضع الصحي المقلق الذي يعاني منه الرجال، فغالبا ما أرجع بعض الخبراء مشكلة المعدلات المرتفعة لوفيات جراء الجائحة إلى السلوكيات القائمة على النوع الاجتماعي، أي إلى النمط المختلف الذي يمارس به الرجال والنساء حياتهم اليومية، مثل اعتبار أن الرجال يدخنون أكثر من النساء، كما يستهلكون كميات أكبر من المشروبات الكحولية مقارنة بالنساء، إضافة إلى أنهم أقل التزاما بنصائح الصحة العامة، وهي من أبرز عوامل الخطر المسببة للأمراض.

وعلى ضوء هذه التفسيرات، فإن الحلول المنطقية هي حث الرجال على تغيير سلوكياتهم، كارتداء الأقنعة وغسل اليدين والإقلاع عن التدخين والاعتدال في شرب الكحول.

أدلة تعارض الافتراضات

لكن ثمة أدلة أخرى تتعارض مع هذه الفرضيات، إذ خلصت عدة دراسات أجريت إلى أن النساء يدخن أقل من الرجال، ومع ذلك فإن مخاطر التدخين على النساء أعلى بمرتين من الخطر لدى الرجال.

ويرى خبراء أن السلوكيات المحفوفة بالمخاطر لا يجب أن تبرر في حد ذاتها الفروق بين الجنسين في الوفيات بكورونا، بل يجب أن تطرح نقاط استفهام عن أسباب عدم تفكير الدول في توجيه جهود مكافحة الوباء نحو حماية الرجال بشكل أكثر فعالية؟ واتخاذ خطوات واضحة ومحددة لتقليل عبء الوباء على الرجال، والأهم من هذا كله توصيل رسائل صحية عامة، لتغيير خطط التطعيم، التي يجب أن تعطى فيها الأولوية للرجال على وجه التحديد.

ولا يوجد سبب يدعو الجهود المبذولة لتحسين صحة الرجال إلى الابتعاد عن احتياجات صحة المرأة، فالأمر ليس للمفاضلة بين الجنسين. لكن التعرف على الفروق بينهما أمر مهم، لاسيما وأن للرجال والنساء أولويات صحية مختلفة، واحتياجات صحية غير متطابقة، والعمل على تعزيز صحة الرجل والمرأة يمكن أن يعزز صحة الجميع.

17