سوريا تفقد مروان عكاوي السينمائي الرحّالة

المخرج السوري مروان عكاوي ولد في صالة عرض سينمائي فأحب الفن السابع وأبدع فيه.
السبت 2020/08/15
"عندما تغيب الزوجات" من أشهر أفلام الراحل

في مرحلة التأسيس الثانية للسينما السورية التي بدأت بوجود المؤسسة العامة للسينما عام 1963، برز اسم مروان عكاوي كأحد أهم الأسماء التي قدّمت جهدا كبيرا لصالح الفن السينمائي السوري، وهو الذي شارك في صنع العديد من الأفلام بين مخرج ومونتير وكاتب ومنتج، ليرحل أخيرا في صمت بأثينا بعد صراع مرير مع المرض.

 دمشق – تبدو علاقة السينما بالمخرج السوري مروان عكاوي الذي رحل عن الدنيا الأربعاء، غريبة ونادرة. فمروان لم ينتظر أن يولد لكي تبدأ علاقته بفن السينما، بل بدأت علاقته بها منذ كان جنينا، وفي ظرف غريب. عندما ذهبت والدته لمكان عمل والده كعارض سينمائي لتناوله وجبة الطعام، وهناك في محل عمل الوالد يأتيها مخاض الولادة بين جدران غرفة العرض وملصقات الأفلام وأصوات الجمهور.

يكبر الطفل مرافقا والده في عمله في صالات السينما، وينهل منه شغفه وحبّه للسينما. وبعد تحصله على الشهادة الثانوية يذهب في منحة دراسية لدراسة السينما في لندن. ليعود في أواسط الستينات ويعمل في المؤسسة العامة للسينما كأحد مؤسسيها.

وخلال عمله هناك يقنعه التقني جوزيف فهدة بأن يتخصّص في فن المونتاج، ليصبح المونتير الأول في سوريا لفترة طويلة. نفّذ خلالها المئات من الأفلام الإعلانية والوثائقية والروائية، كما كان رقما صعبا في معظم المشاريع السينمائية بين سوريا وكل من مصر ولبنان. ولم تقف مواهبه الفنية عند حدود المونتاج، فكتب في السينما ثم أخرج العديد من الأفلام كما قام بإنتاج بعض الأفلام في سوريا وخارجها.

هموم جميلة

عاش منذ بداية الثمانينات في العاصمة اليونانية أثينا التي شكّلت لديه مدينة ملهمة، فمثّل وجوده فيها جسرا فنيا بين سوريا واليونان وشكل مع ابنيه فيها حالة إبداعية هامة.

وفي العام 2011 قدّم كتابا ضمن سلسلة الفن السابع التي تصدر عن المؤسسة العامة للسينما في وزارة الثقافة بعنوان “همومي الجميلة”، تحدّث فيه عن نظريات المونتاج والكثير من تفاصيل المهنة عبر ما يقارب الخمسين عاما  من عمله فيها. وكتب في مقدمة كتابه “سأحاول أن أوجز تجربتي وخبرتي المكتسبة على مدى ما يقارب من خمسين عاما في مجال الفن السابع (السينما)، كما سأحاول أن أضمنه معظم الإجابات التي كنت أقولها وأشرحها لأصدقائي في تلك الجلسات الحميمية”.

أنور قوادري: الراحل كان موسوعة في معظم التخصّصات السينمائية
أنور قوادري: الراحل كان موسوعة في معظم التخصّصات السينمائية

وقام بمونتاج الفيلم السوري الشهير “الفهد” الذي أخرجه نبيل المالح وكان من بطولة أديب قدورة والفنانة إغراء وحقّق جوائز سينمائية كبرى. وقدّم في الأفلام الطويلة “فيلم سرب الأبطال” (إنتاج 1974) وهو من بطولة إغراء ورضوان عقيلي وخالد تاجا وعبدالهادي صباغ وأسعد فضة.

كما قدّم فيلم “زواج على الطريقة المحلية” (إنتاج 1976) من بطولة وليد توفيق وفاديا خطاب ورفيق سبيعي وناجي جبر ونجاح حفيظ. أما فيلم “عشاق” (إنتاج 1980) فكان من بطولة مديحة كامل وأسامة خلقي وهاني الروماني وعباس النوري.

وفي العام ذاته أخرج فيلم “عندما تغيب الزوجات” بطولة دريد لحام ونهاد قلعي وإيمان (ليز سركيسيان) والممثلة الفرنسية مورييل مونتوسيه ونجاح حفيظ. وكان آخر أفلامه “إمبراطورية غوار” بطولة دريد لحام وناجي جبر وهاني الروماني (إنتاج 1982).

أما الأفلام القصيرة والوثائقية  فحقّق منها: “الحقيقة”، وثائقي عن الأقلية المسلمة في اليونان 1984 لصالح التلفزيون الرسمي اليوناني. و”خذ المستقبل في يدك”، وهو فيلم تدريبي لصالح اتحاد العمال الأوروبي 1986.

كما قدّم في الإنتاج “مكتبة الشعب المسلح” وهو مسلسل وثائقي عن تاريخ الحروب (إنتاج 1982) لصالح التلفزيون الليبي، و”حديث الشيطان” وهو فيلم وثائقي درامي من بطولة روبرت كافاناه (إنتاج 2002). وقدّم في العام 2009 فيلم الرعب “عيد ميلاد” من بطولة روبرت كافاناه وباتريك بيرغن وشييان دونيفان وغادة الشمعة، وهو إنتاج مشترك بريطاني سوري يوناني.

وفي المونتاج  كان إسهامه الأكبر، فقدّم خلال مسيرته الفنية 63 فيلما في سوريا ولبنان ومصر واليونان، و37 فيلما قصيرا في سوريا وخارجها  و50 ساعة للتلفزيون في الشرق الأوسط واليونان.

يقول عنه زميله مدير التصوير الشهير حنا ورد “هو فارس من فرسان السينما السورية، والده كان عارضا في فترة الخمسينات من القرن الماضي. وهو أكثر من عارض حتى يكون له ابن مونتير ومخرج. في ذلك الزمن الجميل هناك عاشقون للفن السينمائي، الذين واجهوا صعوبات كثيرة في حياتهم المهنية”.

ويضيف “مروان عكاوي هو أحد مؤسسي السينما السورية، وربما كان الأخير من هذا الجيل. كنت أتمنى أن يكون تكريمه بشكل جدي خلال حياته. شخصيا أكنّ له كل الاحترام. هو رجل هام في تاريخ السينما السورية وأتمنى طباعة كتابه الجديد الذي انتهى منه مؤخرا”.

حالة فنية خاصة

تحدّث المخرج السوري العالمي أنور قوادري عن عكاوي، قائلا “هو ابن العارض السينمائي المؤسس محمد عكاوي الملقب بالزعيم، كان عنده شغف كبير بالسينما، وكان يرافق والده في عمله في صالات السينما. هو موسوعة ثقافية في معظم التخصّصات وخاصة السينما. سافر إلى لندن في منتصف الستينات، وكان من مؤسسي المؤسسة العامة للسينما التي عمل فيها مع صلاح دهني ورفيق الصبان وعباس شمس وموفق الخاني وغيرهم”.

"همومي الجميلة" كتاب تحدّث فيه الراحل مروان عكاوي عن نظريات المونتاج وتفاصيل المهنة
"همومي الجميلة" كتاب تحدّث فيه الراحل مروان عكاوي عن نظريات المونتاج وتفاصيل المهنة 

ويستذكر قوادري “عمل عكاوي في أستوديو الجيش وأنجز أفلاما وثائقية، ثم جاءته فرصة المشاركة في الأفلام الطويلة في المؤسسة العامة للسينما، حيث كانت هناك مجموعة من خريجي الاتحاد السوفييتي أمثال محمد ملص وسمير ذكرى وريمون بطرس، فعمل مروان معهم بفن المونتاج”.

وعن علاقة مروان عكاوي بوالد أنور قوادري، يقول المخرج السوري “تبناه والدي المنتج تحسين قوادري الذي كان لوالد مروان فضل مهني كبير عليه في بداياته، فقدّم والدي لمروان دعما مهنيا كبيرا، وعمل معه في فيلمي ‘واحد زائد واحد’ و’الثعلب’. فانفتحت الآفاق أمامه لاحقا ونفذ خلال هذه الفترة ما يتعدى المئة فيلم”.

ومن هناك قدّم مروان عكاوي في مجال الإخراج العديد من الأفلام الطويلة وعمل مع كبار المخرجين العرب، على غرار هنري بركات في فيلم “حبيبتي” بطولة فاتن حمامة ومحمود ياسين، ولفت الفيلم النظر لمهارات عكاوي في المونتاج.

ويسترسل قوادري “هاجر إلى اليونان وعمل في الدوبلاج والأفلام العالمية. ونجح في أماكن ولم ينجح في أماكن أخرى. يعشق سوريا التي تعيش في قلبه، وهو الذي أتى بالمخرج اليوناني الشهير كاكويانوس مخرج فيلم ‘زوربا’ إلى سوريا. وكان يحب أن يرى اسم سوريا موجودا في المهرجانات العالمية. هو خليط بين السينما وسوريا، كنت فخورا به وتعلّمت منه الكثير”.

وخلال حياته المهنية تنقّل مروان عكاوي في أكثر من مجال إبداعي، فقدّم أبحاثا سينمائية وترجم كتاب “أبي يرقص” للكاتب نيكولاس بباندريو ونشر بعنوان “سياسة ورقص”. عمل في “القناة 29” اليونانية كمستشار للشؤون العربية  ومنتج لنشرة الأخبار العربية لمدة عامين 1989-1991.

كان عضوا في لجنة التحكيم في مهرجان مونت كارلو الدولي 2003، ومحاضرا زائرا في جامعة لا فيرن الأميركية في أثينا، ومحاضرا زائرا في كلية البحر المتوسط  في أثينا، ثم مشرفا ومحاضرا في برنامج التدريب الممول من الاتحاد الأوروبي “المفاوضات العالمية” في اليونان للأعوام 2001-2007.

تحصل على دبلوم معهد الفيلم والتلفزيون لما وراء البحار في لندن، ونال العديد  من الجوائز منها الجائزة الفضية في مهرجان برلين عن فيلم “سوريا بين القديم والحديث” (إنتاج 1964)، والميدالية الذهبية عن مجمل أعماله في السينما السورية، وميدالية تكريم من مهرجان دمشق السينمائي 2003.

15