سليم عياش.. الاغتيال سياسي والإدانة فردية

سليم جميل عياش شبح حزب الله الذي اغتال رفيق الحريري و21 ضحية سياسية أخرى.
الخميس 2020/08/20
مذنب وشريك في اغتيال الحريري

تسمّر اللبنانيون جميعهم أمام شاشات التلفزيون بعد ظهر الثامن عشر من أغسطس الجاري لسماع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تنطق بالنتيجة التي توصلت إليها ومعرفة حقيقة من اغتال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، فجاءتهم ساطعة لا لبس فيها؛ سليم جميل عياش القيادي في حزب الله هو من شارك ونفّذ المؤامرة التي أودت بحياة الحريري إلى جانب 21 ضحية سياسية أخرى.

هذه النتيجة التي كانت معروفة من قبل ليس محبي الحريري وحدهم، بل ربما من العالم بأجمعه، خيّبت آمال الكثيرين، فرغم أن التفاصيل المرافقة لحيثيات الحكم جاءت كلها لتؤكّد وجود مصلحة للنظام السوري الدموي في دمشق، ونظام الملالي في إيران من خلال ذراعه الميليشياوية في لبنان، للتخلّص من هذه الشخصية الفذة والاستثنائية التي مرّت بتاريخ لبنان، إلا أنها “لا تملك من الأدلة الكافية” لإدانة النظامين إضافة إلى أن قانون إنشاء المحكمة ينص على محاكمة “أفراد” وليس محاكمة “أنظمة أو أحزاب”.

غير أن الحكم المسهب حدّد بوضوح دوافع الجريمة السياسية وأصحاب المصلحة في ارتكابها، سواء من جانب النظام السوري أو من جانب حزب الله وصولاً إلى تحديد موعد اتخاذ القرار باغتيال الحريري إثر مشاركة ممثلين عنه في مؤتمر البريستول الذي كان يطالب بإنهاء الوصاية السورية وخروج جيش نظام الأسد من لبنان.

سجلات التاريخ ستتضمن إلى أبد الآبدين عبارة أنّ الحريري قتله سليم عياش، القيادي في حزب الله وسيظل شبح هذه الحقيقة يطارد الحزب الذي أصبح حزباً مداناً في الوجدان اللبناني على الأقل لناحية حماية القاتل والتستر عليه، وهو ما أكّد عليه أمينه العام مراراً باعتبار عناصره “قديسين” ولن يسلّموا إلى العدالة.

من هو عياش

دعوات للتهدئة وجهها “أولياء الدم” وعلى رأسهم الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل
دعوات للتهدئة وجهها “أولياء الدم” وعلى رأسهم الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل

“سليم جميل عياش مذنب وشريك في الاغتيال”، بهذه الكلمات لخّص القاضي دافيد راي رئيس المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، الحكم الذي توصل إليه قضاة الغرفة الأولى في المحكمة وقال “تعلن غرفة الدرجة الأولى عياش مذنبا بما لا يرقى إليه الشك بوصفه مشاركا في تنفيذ القتل المتعمد لرفيق الحريري”.

ووجهت المحكمة لعياش 5 تهم، وهي التخطيط لمؤامرة هدفها ارتكاب عمل إرهابي، تنفيذ عمل إرهابي باستخدام المتفجرات، قتل رفيق الحريري عمدا باستخدام مواد متفجرة، قتل 21 شخصا عمدا باستخدام المواد المتفجرة، محاولة قتل 226 عمدا باستخدام المتفجرات.

كما أعلن راي أن المدعي العام أمام المحكمة الدولية لم يقدّم الأدلة الكافية لتجريم المتهمين الثلاثة حسين عنيسي، أسد صبرا وحسن مرعي، فأعلن تبرأتهم من التهم الموجهة إليهم.

“الإرهابي الشبح” الذي خطّط ودبّر ونفّذ عملية اغتيال الحريري والذي فور صدور الحكم بإدانته، سارع أبناء بلدته الجنوبية إلى رفع صوره في شوارعها ويشيدون “ببطولاته” والتي من ضمنها برأيهم طبعاً اغتيال الحريري.

واستناداً للأوراق الرسمية الموجودة لدى المحكمة، فإن سليم جميل عياش ولد في الـ10 من نوفمبر 1963، في بلدة حاروف إحدى قرى محافظة النبطية، جنوب لبنان، وسبق له أن أقام بجنوب بيروت في شارع الجاموس ببناية طباجة، وسكن أيضا بمجمّع آل عيّاش في حاروف، كما تؤكد أن رقم سجله 197/حاروف، ورقم الضمان الاجتماعي 690790/63 ورقم وثيقة سفره لأداء فريضة الحج 059386.

ومنذ ورود اسم عياش على لائحة اتهامات المحكمة الدولية اختفى عن الأنظار ولا يعرف مكانه حتى اليوم، وأثناء سياق المحاكمة ردّت الحكومة اللبنانية عبر وزارة العدل على طلبات المحكمة بجلب المتهمين وسوقها أمامهم، ومن ضمهم عياش، أنها لم تتمكن من تبليغهم أو الوصول إليهم.

غير أن المتهم الرئيس في القضية “سابقاً” مصطفى بدرالدين، والذي أشارت إليه المحكمة على أنه كان المسؤول الأول عن الشبكة التي نفّذت مؤامرة اغتيال الحريري، فقد “منعت” عنه المحاكمة بعد أن نعاه “حزب الله” وأقام له مراسم دفن “قيادية”.

انتحار الحريري

تاريخ لبنان سيبقى يذكر أن الحريري قتله سليم عياش القيادي في حزب الله
تاريخ لبنان سيبقى يذكر أن الحريري قتله سليم عياش القيادي في حزب الله 

لا شك أن مؤامرة بحجم اغتيال الحريري تتطلب تخطيطاً لا يؤمن اللبنانيون أن “شبحاً” باسم سليم عياش قادر على وضعه بمفرده، أو تنفيذه مع ثلاثة أو أربعة “أشباح” آخرين، بل عملية أمنية معقدة تقف خلفها دول لا أفراد، ولذلك فإن القناعة الراسخة لدى جزء كبير منهم لم تتغيّر، والمسؤولية يحمّلونها لمن حكموا بلادهم بالحديد والنار منذ ثلاثة عقود ونيف: النظام السوري حتى خروجه على دم الحريري، ومن ثم حزب الله الذي ينفّذ قراراً إيرانياً، كان اغتيال الحريري بداية لمرحلة سيطرته المستمرة على لبنان.

وتأكيداً على أن الاغتيال كان بحجم “مؤامرة” كبيرة، ذكرت المحكمة أن “اغتيال الحريري عمل سياسي أداره من شكّل الحريري تهديدا لأنشطتهم”، في إشارة واضحة إلى النظام السوري الذي كان الحريري قد انضم إلى المطالبين بخروج جيشه من لبنان.

وخلال الجزء الأول من تلاوة الحكم وما أن ذكر القاضي راي أن “لا دليل على ضلوع حزب الله وسوريا في عمليّة اغتيال الرئيس رفيق الحريري”، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان بتعليقات منتقدةً المحكمة التي احتاجت الى سنواتٍ عدّة لتخرج بخلاصات غالبيّتها على شكل ترجيحات، خاصة أن اللبنانيين كانوا ينتظرون أكثر بكثير من المحكمة الدوليّة التي يتّجه حكمها الى إدانة أربعة أشخاص ينتمون الى حزب الله، من دون تحميل الحزب أيّ مسؤوليّة.

حتى أن بعض التعليقات كانت ساخرة إلى درجة اتهام الشهيد رفيق الحريري بالانتحار وعدم تعرضه للاغتيال، في حين أن التعليقات المؤيدة لحزب الله جاءت مفاخرة بعد “ثبوت” ضلوعه بعملية الاغتيال كما أعلنت المحكمة.

مؤامرة بحجم اغتيال الحريري تتطلب تخطيطاً لا يؤمن اللبنانيون أن فرداً واحداً مثل عياش قادر على تنفيذه، بل هي عملية أمنية معقدة تقف خلفها دول

لكن رغم كل ما تم تداوله ورغم كل المخاوف التي شاعت قبل أيام قليلة على صدور الحكم عن احتمال قيام أعمال شغب قد تؤدي إلى “فتنة”، فإن الشارع اللبناني ورغم انقسامه العمودي حول هذه القضية وقضايا كثيرة أخرى، احتفظ بالهدوء المطلوب، وتجنّب الوقوع في المحظور، ورافقت

ذلك الدعوات التي وجهها “أولياء الدم” الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل، وانضم إليهم أيضاً النجل البكر بهاء الحريري، بعدم الانجرار إلى ردود الفعل التي يمكن أن تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه.

وكان الرئيس سعد الحريري نجل الشهيد أعلن من أمام المحكمة الدولية في  لاهاي عقب صدور الحكم أن “المحكمة الدولية حكمت، ونحن باسم عائلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري نقبل حكم المحكمة ونريد تنفيذ العدالة بوضوح، لا تنازل عن حق الدم.

أما مطلب اللبنانيين الذي نزلوا بعد جريمة الاغتيال هو كان الحقيقة والعدالة، الحقيقة اليوم عرفناها جميعا وتبقى العدالة التي ستتنفذ مهما طال الزمن”، وأضاف “اليوم بفضل المحكمة الخاصة بلبنان للمرة الأولى عرف اللبنانيون الحقيقة، وللمرة الأولى حكمت العدالة الحقيقية. وأهمية الرسالة للذين ارتكبوا الجريمة والمخططين هي أن زمن ارتكاب الجريمة السياسة من دون عقاب انتهى”.

نصف الحقيقة

أنصار حزب الله لا يبدو عليهم التأثر نتيجة الحكم، بل إن أهالي منطقة حاروف رفعوا صور القاتل عياش للتعبير عن فخرهم بما قام به إبن بلدتهم
أنصار حزب الله لا يبدو عليهم التأثر نتيجة الحكم، بل إن أهالي منطقة حاروف رفعوا صور القاتل عياش للتعبير عن فخرهم بما قام به إبن بلدتهم

أما العقوبة المنتظرة فقد حددت المحكمة يوم الـ21 من سبتمبر المقبل موعدا لإصدارها بعد إعلان الحكم، في خطوة أثارت المزيد من التعليقات والتكهنات. ففي حين اعتاد اللبنانيون من خلال نظامهم القضائي على صدور الحكم والعقوبة في جلسة واحدة، إلا أنهم تساءلوا كثيراً عن سبب تأجيل إعلان العقوبة إلى الشهر المقبل.

يبقى أنه بعد 15 عاماً وستة أشهر وأربعة أيام على اغتيال رفيق الحريري، سطعت الحقيقة على لسان العدالة الدولية، فبين من كان مؤيداً لخطوة إنشاء المحكمة الدولية التي كان لا ينتظر منها أكثر مما قامت به، وبين الذين كانوا يرفضون قيامها خشية انكشاف المفضوح، وصل اللبنانيون أخيراً إلى قناعة بأن الرئيس الراحب رفيق الحريري الذي قال يوماً “لا تصدق نصف ما تسمعه أذناك، وصدق نصف ما تراه عيناك واترك النصف الثاني للعقل، فاستعمالكم للعقل سيكون هو المصفاة التي تودي بالنتيجة إلى معرفة الحقيقة التي يحاول الكثيرون من الناس في هذه الأيام طمسها عنكم”، كان محقاً في حياته وأنصف بعد مماته.

12