سلمان المالك رسام تمتعه أنوثة الحياة

رسام قطري لا تذكّر لوحاته الفنية برسومه الصحافية الساخرة.
الأحد 2021/09/12
رسام حياة آسرة

نادرا ما ينجح رسام الكاريكاتير في أن يكون رسام لوحات. هناك مسافة اختلاف تفصل بين النوعين الفنيين مكتظة بتقنيات التعبير والموضوع والهدف وحتى أدوات الرسم. كان المصري جورج بهجوري واحدا من أهم الناجحين في ذلك المجال. غير أن نسب نجاحه كانت متفاوتة بين مرحلة وأخرى. بهجوري هو الآخر بدا في عدد من تجاربه الفنية وبالأخص في الرسوم الشخصية كما لو أنه يمزج من حيث لا يدري بين الفنين.

رائد بين عالمين

رسومه تحتكم إلى حساسيته المرتبطة بمزاج انقلابي. ذلك مزاج لا يثق بالمرئيات كما هي، بل يسعى لإعادة خلقها بما يجعلها تتوافق مع الحالة الإنسانية التي يسعى لتصويرها

أما القطري سلمان المالك فقد كان دائما حذرا من السقوط في ذلك الفخ. يمكن القول إنه أهم رسام كاريكاتير في بلاده غير أنه حين توجه إلى رسم اللوحة نسي كل شيء عن تلك الصفة. كان شخصا آخر؛ رساما لا تذكّر لوحاته الفنية برسومه الصحافية الساخرة. حتى أن المرء ليعجب مستفهما فيما إذا كان رسام اللوحات والرسام الصحافي الساخر هما الشخص نفسه.

لا يعني ذلك أن رسام اللوحات كان جادا فيما انزلقت شخصية الرسام الساخر إلى الضحك العابث. المالك كما عرفته يقف في المكان الذي يعتقد أنه مناسب له. ليس أقل ولكنه يطمح إلى الأكثر. عمل سنوات طويلة في الهيئة العامة للشباب والرياضة مسؤولا عن مركز الإبداع الشبابي الذي كان حاضنة لفناني المستقبل الذين هم اليوم سادة الحراك التشكيلي في قطر. من هذه النقطة الجوهرية يمكن التعرف على شخصية المالك.

كان ذلك هو دوره الرائد في الحياة التشكيلية. ماذا عن رسام اللوحات المنفصل عن صاحب الرسوم الصحافية الساخرة؟ لدى المالك حساسية لونية نادرة من جهة موهبتها في التقاط مواقع التأثير البصري. وكما أعتقد فإن ازدواجية ما يقوم به هي مصدر قلق له. هل ستكون دائما كذلك؟ ذلك سؤال سيطارده قبل وبعد أن يتعرف على نفسه.       

الإنسان مجاله التعبيري

المالك أهم رسام كاريكاتير في بلاده، وقد نسي ذلك حين رسم اللوحة
المالك أهم رسام كاريكاتير في بلاده، وقد نسي ذلك حين رسم اللوحة

ولد المالك في الدوحة عام 1958. درس الفن التشكيلي في كلية التربية الفنية بالقاهرة بين عامي 1978 و1982. حين عاد إلى قطر عمل مديرا فنيا لمجلة “الدوحة” واستمر في ذلك العمل حتى عام 1986. عام 1991 عمل رئيسا لقسم الديكور في وزارة الإعلام ثم انتقل بعدها إلى الهيئة العامة للشباب والرياضة ليشرف على مركز الإبداع الشبابي ومن ثم انتقل إلى إدارة مركز الفنون البصرية.

إلى جانب ذلك عمل مصمما صحافيا ورسام كاريكاتير في صحيفة “الراية” وبعدها انتقل إلى صحيفة “الوطن” وقد شارك في معارض كاريكاتير ولقاءات فنية عالمية وعربية عديدة.

المرأة حين تظهر تجريديا تختصر المسافة بين امرأة وأخرى. وما من شيء يمت بصلة إلى الرمزية؛ فالمرأة التي يرسمها المالك ليست رمزا

منذ البدء لم يلجأ المالك إلى استلهام جماليات المفردات التراثية كما فعل الرسامون الذين سبقوه فانصب اهتمامه البصري على الإنسان، كتلة وحركة، من خلالهما حاول أن يلج إلى مناطق تعبيرية عميقة من غير أن يُظهر أي اهتمام بالحكاية. في أعماله المبكرة ظهرت بعض المفردات التراثية التي ترمز إلى المرأة لكنها سرعان ما اختفت. كانت نوعا من الاستعارة التي لم يرغب في تطويرها لأنها تتناقض مع العالم الغنائي الذي انهمك في تأليف مساحاته من مزيج أسلوبي يجمع بين التجريد والتشخيص.

في لحظة ما شعر المالك أن غنى التعبير لا يُستمد من مفردة شعبية جاهزة. ذلك ما دفعه إلى أن يحرر كائناته الأنثوية من ملامحها مكتفيا بالإيحاء التعبيري الذي ينبعث من العلاقات اللونية المتدفقة التي صارت بمرور الوقت أكثر إشعاعا وحضورا.

وباعتباره رساما صحافيا فقد برز الخط عنصرا أساسيّا في لوحاته التي رسمها في تسعينات القرن الماضي أما في ما بعد فقد تلاشى الخط وصارت المساحات اللونية هي الأساس في تشكيل الكائن البشري ورسم حدوده والفصل بين منطقة وأخرى على سطح اللوحة. صار اللون عنصر انفصال واتصال بالنسبة إلى العلاقات بين تلك الكائنات التي تتميز برقتها وشفافيتها.

حياة بين الاستفهام والعاطفة

Thumbnail

“النساء أولاً. النساء أخيراً” يمكن للمالك أن يجيبك بذلك إذا ما سألته عن الموضوع الذي يسحره ويحاول من خلاله أن يكتشف الأبعاد الخفية لطريقته في النظر إلى الواقع. بالنسبة إليه فإن المرأة هي الطبيعة التي يحاول من خلال الرسم أن يكتشف أسرار جمالها.

غير أن كل ذلك الانبهار بجماليات عالم المرأة لم يرافقه أي إيحاء بالغرائزية. لم تتميز المشاهد التي صورها الرسام بأي نوع من الحسية. كانت تلك المشاهد على درجة عالية من الرقة والحضور الإنساني بحيث يشعر المرء وهو يتأملها بأن الرسام إنما رغب من خلالها في أن يبشر بلذة وخفة وعذوبة العيش.

المالك هو رسام حياة آسرة. غموض كائناته التي يرسمها من غير ملامح لا يقف حائلا دون أن يتعاطف المتلقي معها. فهي بشكل أو بآخر تضرب على وتر حساس داخل روحه. إنها تدعوه إلى المشاركة في حفلة يغلب عليها الجانب العائلي. لم يرسم عاريات. مَن قال ذلك؟ كان هناك دائما عري روحي في رسوم المالك يُدهش المتلقي ويدفعه إلى الاستفهام. ولكنه استفهام تغلب عليه العاطفة. “هل تود أن ترى العاطفة مجسدة من خلال كائنات تجريدية؟” ذلك هو السؤال الذي يواجهه متلقي أعمال المالك.

النساء كلهن في واحدة. حين تظهر المرأة تجريديا فإنها تختصر المسافة بين امرأة وأخرى. وما من شيء يمت بصلة إلى الرمزية؛ المرأة التي يرسمها المالك ليست رمزا. إنها حالة؛ الحالة التي تجمع بين الحلم والواقع. تلك هي المرأة التي يستحضرها المالك تلقائيا.

الرسام الذي سبقني إلى نفسه

استلهام جماليات المفردات التراثية خيار لم يلجأ إليه المالك، كما فعل الرسامون الذين سبقوه. انصب اهتمامه البصري على الإنسان، كتلة وحركة

 قبل أكثر من عشرين سنة كتبت مقدمة لكتيب ضم لوحاته قلت فيها “في تجربته الجديدة لا يحيلنا المالك إلا إلى جزء من الحكاية التي يعالجها تصويراً، ذلك الجزء العصي على الوصف القائم في توتره، العاكف على تشكيل ذاته من مادة حلمه. وإذ تحيي رسومه منطقة تعبيرية كادت تنقرض في تاريخ حداثتنا الفنية بسبب الإهمال، لا تنشئ قيمها الجمالية استناداً إلى ما تظهره، بل إلى ما تخفيه، سواء حدث ذلك عن قصد أو بشكل عفوي. ففي كل واقعة حسية يلتقطها المالك هناك نوع من الإنصات الغامض الذي يثير الانتباه ويشد الاهتمام إلى السر الذي يجعل هذه اللقاءات ممكنة وهي واقعيا لقاءات ممتنعة، تكمن المتعة هنا في محاولة الرسام الإفصاح عن النبع الروحي الذي تصدر عنه فهي إذاً لا تتماهى طويلا مع الجانب الحسي الذي تستعرضه من غير حجاب إلا من أجل أن تصل إلى تشكلها الداخلي، كيانا غير مسبوق في جهة استغراقه الحدسي”.

لن يفاجئني أن المالك تغير كثيرا. فرسومه تحتكم أصلا إلى حساسيته المرتبطة بمزاج انقلابي. ذلك مزاج لا يثق بالمرئيات كما هي بل يسعى لإعادة خلقها بما يجعلها تتوافق مع الحالة الإنسانية التي يسعى لتصويرها. ما لا يُرى من العلاقات هو ما يحاول الرسام أن يمرره إلى المتلقي باعتباره الوجبة النهائية.

سيكون هناك دائما حوار بين الرسام ومتلقي رسومه يلحق بعملية المشاهدة وهو حوار سيصل الطرفان من خلاله إلى حقيقة أن الرسم هو أشبه بعملية مراجعة للذات. لا تملك أن تقول رأيك قبل أن تنهي الإجابة على كل الأسئلة. يعرف المالك كيف يتعامل مع مشاهديه الاستفهاميين الذين شاركوه متعة أن تكون الحياة أنثى. 

9