سالي ثريا "تكنس" أوجاع بيروت في معرض سمعي بصري بلندن

التشكيلية سالي ثريا توثق عبر معرضها تجربة جماعية من التضامن والصمود بين اللبنانيين بعد انفجار المرفأ فلجأت إلى محاكاة عمليات التنظيف في بيروت الجريحة.
السبت 2021/08/21
زجاج مكسور وأغراض مبعثرة يعكسان حجم الأضرار

لندن- اختارت الفنانة اللبنانية سالي ثريا المقيمة في لندن طريقة خاصة للتعبير عن مأساة بيروت المستمرة منذ انفجار المرفأ العام الماضي، حيث أقامت في غاليري “بي 21” اللندني معرضا صوتيا بصريا حمل عنوان “تكنيس” تضمن عرض فيلم يحتوي شهادات مسجلة بالصوت والصورة لأشخاص عاشوا لحظات ما بعد الانفجار أغسطس 2020.

ويظهر الفيلم في أحد مشاهده رجلا يقول “هذه المكانس فيها كرامة أكثر من السياسيين في البلد، فهؤلاء السياسيون كانوا يعرفون بوجود مواد خطرة لكنهم لم يفعلوا شيئا”.

وعن فكرة المعرض تقول ثريا “انطلق المعرض من فكرة كيف لي كمغتربة لبنانية تعيش في لندن أن أتفاعل مع ما جرى في لبنان.. فعندما وقع الانفجار شعرت أنني بعيدة جدا عن بلدي، وأنه من الضروري أن أتفاعل مع ما حدث، فكانت ردة فعلي عفوية، فلجأت إلى محاكاة عمليات التنظيف في بيروت، وقمت بكنس شوارع في لندن، بعدما أحضرت زجاجا مكسورا وسرت من منزلي حتى السفارة اللبنانية، للفت الأنظار تجاه ما يجري في لبنان”.

سالي ثريا: تصميم اللبنانيين على كنس مخلفات الانفجار ألهمني فكرة المعرض

وتضيف “من هناك استمدّ المعرض عنوانه، ومن تصميم اللبنانيين على كنس الشظايا التي خلّفها تحطم أطنان من الزجاج في جميع أنحاء العاصمة بيروت، وتشرّد الآلاف من سكانها بسبب انفجار المرفأ، والذي أبرز هشاشة الأوضاع التي يعيشها لبنان، ومحاولتهم إعادة توحيدها”.

وإلى جانب الفيلم، استخدمت الفنانة أدوات استعملت في تنظيف الزجاج المحطم والركام الناجم عن الانفجار، حيث عرضت في جنبات المعرض مكانس جلبتها من لبنان استخدمت بالفعل لتنظيف شوارع بيروت الجريحة في حركة رمزية لتوثيق الحالة النفسية للناس وهم يقومون بتنظيف المكان على مدار أشهر، من أجل إبراز تجربة جماعية من التضامن والحزن والصمود.

وعلى أرض المعرض، طبعت الفنانة باستخدام الزجاج المكسور، الذي جمعته بصعوبة من بعض شوارع لندن وآخر جلبته دون عناء من بيروت بعد مضي أكثر من عام على الانفجار، آثار أقدام تحاكي اضطرار الناس في بيروت للمشي فوق الزجاج بعد الفاجعة، وما يعنيه ذلك من إحالات سياسية تقول بالتصريح قبل التلميح “هذا ما فعله بنا سياسيونا، فبتنا نمشي على الزجاج المكسور بعد أن افترشنا العراء”، وسط أزمة اقتصادية خانقة ضاعف من إنهاكها تفشي فايروس كورونا.

وتقول ثريا “المفارقة عجيبة، فحينما حاولت الحصول على زجاج مكسور في لندن وجدت صعوبة لأسباب تتعلق بالسلامة، بينما في بلدي الناس يسيرون على الزجاج وأصابتهم الجروح”.

وأضافت “هذا يعيدني إلى فكرة كيف أنني أعيش بين عالمين مختلفين، وكم هي مهمة تلك الرسالة التي أريد إيصالها للناس”.

وفي جانب من المعرض وثّقت ثريا عبر فيلم قصير ثان الطريق الذي سلكته من منزلها إلى السفارة اللبنانية لتعيش التجربة، وكيف قدّم لها الناس المساعدة لتوثيق ما حصل. وقد وضعت عند مدخل المعرض أيضا علامة تحذيرية من الزجاج الموجود، لما يشكّله من خطر، في رسالة رمزية إلى ما يتعرّض له اللبنانيون من مخاطر، حيث لا يزال الزجاج متناثرا على الأرض.

وعلى الأرض، أي في العاصمة اللبنانية، استعاد عدد من أروقة بيروت الفنية أنشطتها بعد إغلاق دام عاما كاملا بسبب تداعيات حادث انفجار المرفأ الذي دمّر صالات عرض الفن التشكيلي، خاصة أن أغلبها ينتشر في المناطق المحيطة بالمرفأ.

وقرّر أصحاب صالات العرض ترميمها وإعادة بنائها بعد الضرر الذي لحق بها، على نفقتهم الخاصة، بعد فقد الأمل في “تعويضات شركات التأمين أو الحكومة”، كما هو الحال مع غاليري “تانيت” لصاحبته نايلة كتانة كونيغ التي اختارت العودة ثانية بمعرض جماعي ضم ثمانية وعشرين مقيما في لبنان حمل عنوان “معا”، محاكيا مفهوم التعاون والشعور بالآخر ومساندته.

وعنه قالت صاحبة الرواق “هذا أكثر ما نحتاجه اليوم كشعب في وجه الفاسدين، لنحيا من جديد، ونستعيد دور بيروت الثقافي عقب أزمة المرفأ”.

واعتبرت أن “إعادة افتتاح الغاليري بثمانية وعشرين فنانا من المقيمين واللبنانيين، دعوة لإحياء سوق الفن التشكيلي في البلد، وتشجيعا للشباب على إنتاج أعمال تعبّر عن همومهم والناس من حولهم، وترسيخا لمبادئ المساعدة في وجه الأزمات”.

كنس مقدّس من بيروت إلى لندن
كنس مقدّس من بيروت إلى لندن

وتحطّم غاليري “صالح بركات” بشكل شبه كامل إثر انفجار المرفأ، بل وخسر واحدا من أنشط العاملين فيه وأقدمهم، فراس الدحويش، الذي بدأ العمل فيه منذ افتتاحه عام 2016، وقبل ذلك عمل لستة عشر عاما في “غاليري أجيال” في الحمرا الذي تعود ملكيته أيضا إلى بركات.

لكن صاحب الرواق أبى إلاّ أن يُعيد ترميمه وافتتاحه مجدّدا بعد أن هدأت الأنفس، كتحية منه لروح الفقيد الذي ذهب ضحية الانفجار، واستمرارا لرسالة لبنان الفنية في المنطقة.

والأمر ذاته انسحب على غاليري “صفير زملر” المتاخم للمرفأ والذي طاله دمار شامل، لكنه اختار العودة مع معرض مفاهيمي يحمل أبعادا سياسية ومعمارية وطوبوغرافية لمدينة بيروت وجغرافيتها الاجتماعية وأهوالها وتحوّلاتها المدينية، حمل عنوان “واستمرت الأشجار في التصويت للفأس” للفنان الفلسطيني اللبناني مروان رشماوي المسكون بالعاصمة اللبنانية وتحوّلاتها.

وربما يكون هذا المعرض الأقسى بين ما يقدّم اليوم، لكونه يرثي بيروت من خلال منحوتات رشماوي الإسمنتية الهندسية والرياضية، ويحاكي فيها الفنان اتحاد الموت بالحياة وعشق الضحية لجلادها والعابثين فسادا فيها والتماهي مع ألاعيبهم وسياساتهم الفوضوية.

من معرض “تكنيس” اللندني لسالي ثريا إلى أروقة بيروت التي عادت إلى النشاط بحذر تدريجي، يؤكّد اللبناني مرة أخرى أنه قادر على استعادة الحياة من الركام، سلاحه في كل ذلك فن حي يأبى أن يموت.

14