رياح تسريح الموظفين تضرب مصارف تركيا

تسريح 200 موظف في بنك يابي كيريدي يبشر بتماشي جديد مع الوضع المالي المتدهور يعتمد على خفض عدد الموظفين والفروع البنكية.
الأربعاء 2019/11/27
ليست ظاهرة جديدة

وإذا كانت البنوك ستتوجه لخفض عدد الموظفين وفروعها تماشياً مع الوضع المالي المتدهور، فلن يكون من الخطأ أن نقول بأن التسريح الجماعي في بنك يابي كيريدي ليس إلا بداية.

لا شك أن الخدمات المصرفية تعتبر واحدة من المجالات الأساسية لقطاع الخدمات في تركيا، الذي تضرر كثيرا في الفترة الماضية، مثل قطاع تجارة التجزئة.

وسرعان ما انتشرت أخبار عن سعي بنك يابي كيريدي إلى طرد المئات من العاملين من قسم الخدمات المصرفية للأفراد، في منطقة جيبزه غرب إسطنبول.

لقد انضمّ حوالي نصف مليون موظف في قطاع الخدمات إلى طابور العاطلين عن العمل في تركيا في العام الماضي، غير أن ذلك لم يستطع أن يثير ضجة كبيرة بقدر الضجة، التي أثارها فصل 200 موظف كانوا يعملون في يابي كيريدي.

نعزو سبب ذلك إلى مستوى التعليم الذي تلقاه المصرفيون وإلى تحركهم أكثر تخطيطًا وانتظامًا من زملائهم الآخرين.

تسريح العمال في البنوك ليس ظاهرة جديدة. فوفقًا لأرقام هيئة التنظيم والرقابة المصرفية، زاد عدد البنوك واحدا فقط منذ أغسطس 2018، حيث قلبت الأزمة الاقتصادية الأسواق التركية رأسا على عقب.

مقابل ذلك، تمّ تسريح أربعة آلاف مصرفي، وإغلاق 167 فرعا للبنوك، وإزالة 211 فرعا من النظام على شبكة الإنترنت للشروع في تنفيذ الإجراءات اللازمة لإغلاقها.

يابي كيريدي نموذج للمصارف التركية التي تعاني من مشاكل، حيث أثار طرد 200 موظف من البنك ضجة كبيرة في الأوساط الاقتصادية

وإذ أردنا عقد مقارنة بين هذه الأرقام والمُعطيات العامة للقطاع، فإننا سنرى أن عدد البنوك المغلقة والمصرفيين العاطلين هو 1.4 و1.9 بالمئة على الترتيب. وهو في الواقع معدل منخفض للغاية مقارنة بحجم انكماش الخدمات المصرفية.

وإذا كانت البنوك ستتوجه لخفض عدد الموظفين وفروعها تماشياً مع الوضع المالي المتدهور، فلن يكون من الخطأ أن نقول بأن التسريح الجماعي في بنك يابي كيريدي ليس إلا بداية.

ولا شك أن توقعاتنا في هذا الصدد تعتمد على معطيات ملموسة وموضوعية إذ لم يعد رؤساء البنوك يعملون في قطاع مربح للغاية كما كان الحال في السنوات السابقة.

وفقا للبيانات الرسمية، فإن حجم الربح قبل الضريبة في القطاع انخفض بنسبة 14 بالمئة بالقيمة الاسمية في نهاية سبتمبر الماضي. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار معدلات التضخم، فإن الخسارة الحقيقية تتجاوز 25 بالمئة.

والأهم من ذلك، هناك انهيار سريع في هوامش الربح، بالنظر إلى العائد على الأموال المودعة من قبل شركاء البنوك.

وكان العائد على حقوق المساهمين 12.5 بالمئة في سبتمبر من العام الماضي، في حين أنه تراجع حاليا إلى أقل من 9.5 بالمئة، علما أن هذه النسبة لم تنخفض تحت سقف 15 في المئة حتى في غضون السنوات الطويلة التي كثرت فيها عمليات شراء وبيع البنوك في تركيا.

لا يقتصر الأمر على ذلك، فعندما نقارن الإيرادات في القطاع المصرفي بعدد الموظفين والفروع، تزداد النقاط السوداء، فإذا نظرنا إلى مقدار الأموال التي تنفقها البنوك في سبيل مصروفات تشغيلها من الرسوم والعمولات وإيرادات الخدمات الناتجة من أرباح المعاملات غير المتعلقة بالفائدة، أي من قطاع الخدمات، نرى أن السعر ارتفع إلى 89.7 بالمئة بعدما كان 75.7 في المئة العام الماضي.

بمعنى آخر، لقد آل القطاع المصرفي التركي إلى وضع بحيث بات لا يستطيع جني أي أموال من قطاع الخدمات الرئيسي.

من الممكن أن نقدم مزيدًا من الإحصاءات والمعطيات المماثلة في هذا المضمار. فقد انخفض الربح قبل الضريبة لكل موظف في القطاع بنسبة 15 بالمئة في العام الماضي، بينما اقتصرت الزيادة في القروض على ما نسبته 4 بالألف.

وبالمثل، فإن معدل نمو إجمالي الودائع لعدد الموظفين والفروع أصبح أقل من نسبة التضخم.

البنوك مساهم جديد في زيادة معدل البطالة
البنوك مساهم جديد في زيادة معدل البطالة

تُظهر هذه الحقائق أن جميع البنوك، بعددٍ مشابهٍ من الموظفين، أصبحت تحصل على ودائع أقلّ، وتقدّم قروضًا أقلّ، وبالتالي تكسب أرباحًا أقلّ. وهذا بالطبع مؤشر يدل على أن الوقت قد حان لشركاء البنوك ليُجروا حساباتهم مجددًا.

ويفرض التحول في الموازنة العامة، التي شهدتها البنوك في العام الماضي سلسلة من التغييرات ستؤدي لتقلص من حيث عدد الموظفين والفروع. ويمكن أن نرى هذا بسهولة من خلال النظر إلى المجالات التي يوجه القطاع إليها أصوله وأمواله.

لقد نما بند الأوراق المالية للبنوك بنسبة 25 بالمئة في العام الماضي، وأصبح أسرع البنود نمواً في الميزانية العمومية.

بمعنى آخر، فإن البنوك باتت تقوم بمهمة تمويل الديون الحكومية بدلاً من الإقراض، كما كانت تفعل في تسعينات القرن الماضي. وقد أدى هذا التطور إلى زيادة حصة الأوراق المالية في إجمالي الأصول من 11 بالمئة إلى 14 بالمئة.

وكما يعلم الجميع، فإنّ الخدمات المصرفية القائمة على خدمات الأوراق المالية هي خدمة جماعية تتمّ بعدد أقلّ من الفروع والموظفين مقارنة بالمصرفية التي تعتمد على خدمات للأفراد.

وفي ضوء ذلك، فإن هذا الأمر يعني أنّ الإبقاء على المزيد من الموظفين والفروع للبنوك قد تأجل في الوقت الحالي على الأقلّ.

وبناء على ذلك ينبغي أن نقول بأن عمليات التسريح الجديدة في قطاع البنوك سوف تستمر حتى الوصول إلى العدد المثالي من الموظفين.

10