روسيا وتركيا في البلقان: تصادم مصالح ينسف التقارب في الشرق الأوسط

أنقرة وموسكو تغذيان التوتر بين صربيا وكوسوفو، والدول الأوروبية مدعوة إلى تقديم حوافز تطوّق الطموح التركي والروسي.
الجمعة 2019/03/15
صربيا الأقرب إلى قلب بوتين

عند الحديث عن بعض الدول التي تشهد حروبا أهلية، كسوريا مثلا، غالبا ما يطرح وصف “البلقنة” للتعبير عمّا يتهدد هذه الدولة أو تلك من مخاطر التقسيم والتجزئة القائمة على استغلال القوميات والتعدد الإثني، والتي يمكن أن تنتهي إلى نشوء دول جديدة مستقلة، لكنها تعجز عن تجاوز الماضي ما يجعلها تبقى رهينة صراعات وأزمات، على غرار ما يجري بين كوسوفو وصربيا، وهي أجواء مثالية للقوى الخارجية التي تتطلّع إلى كسب نفوذ في المنطقة، والتنافس الروسي التركي على المنطقة مثال على ذلك.

برشتينا - رغم أن أغلب الأخبار من منطقة البلقان تبدو هادئة، وفي الغالب تغطيات خبرية لصفقات اقتصادية أو زيارات رسمية، إلا أن ذلك لا يحجب أصوات الصراع الصامت بين قوى دولية خارجية، كتركيا وروسيا، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي في هذه المنطقة الإستراتيجية، والتي يستمد كل طرف شرعيته فيها من مجموعة عوامل جغرافية وتاريخية وإثنية.

ويرشح المتابعون أن تكون المنطقة محلّ تصادم مصالح بين تركيا وروسيا أساسا، بما قد ينسف أيّ تقارب بينهما في ملفات ومحطات أخرى. ويخلق التوتر السياسي بين بعض دول المنطقة على غرار كوسوفو وصربيا بيئة مثالية، حيث يمكن لتركيا وروسيا إغراء البلدين للانضمام إلى مناطق نفوذهما، وسحب البساط من والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ ضمن أجواء لا يبدو أن الصين تغفل عينها عنها أيضا.

ألون بن مئير: منطقة البلقان وليمة دسمة تغذي نهم روسيا وتركيا
ألون بن مئير: منطقة البلقان وليمة دسمة تغذي نهم روسيا وتركيا

تتقارب موسكو وأنقرة في الشرق الأوسط، وتتشاركان مواقف متشابهة من السياسات الأميركية والأوروبية، إلا أنهما يتحوّلان إلى خصمين شديدين عند الانتقال إلى منطقة البلقان، حيث يسعى كل طرف إلى فرض نفوذه في منطقة تعتبر ذات نفوذ تقليدي لكل منهما، في تنافس شبيه بما يجري في منطقة القوقاز، حيث تتموقع كلّ من تركيا وروسيا على جانبين متقابلين في انقسام عرقي وديني.

ويصف الباحثان ألون بن مئير وأربانا إكسهارا البلقان بأنها “الوليمة التي تغذي نهم روسيا وتركيا”، ويشيران إلى أن لتركيا وروسيا دورا في عرقلة المساعي الأوروبية والأميركية إلى حلّ الأزمات بين صربيا وكوسوفو. ويحاول مبعوثو الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي رفيعو المستوى حلّ النزاع طويل الأمد بين البلدين، لكن الأمر أصبح في الواقع أكثر توترا على نحو متزايد.

رفضت صربيا الاعتراف بحدود كوسوفو ومنعتها من الانضمام إلى المنظمات الدولية مثل الإنتربول واليونسكو، ونكثت اتفاقية حرية الحركة المبرمة في عام 2011، الأمر الذي دفع كوسوفو إلى اتخاذ إجراء مباشر ضد صربيا بفرض التعريفة الجمركية 100 بالمئة على البضائع القادمة من صربيا.

وفي قمة الأزمة، تحدثت تقارير عن أن الولايات المتحدة هددت بسحب قواتها من كوسوفو إذا لم يتم تعليق الضريبة، لكن تبيّن أنها معلومات “كاذبة”، ووجّهت أصابع الاتهام في ترويجها إلى آلات الدعاية الروسية والتركية.

ويشير بن مئير وأربانا إكسهارا إلى أن النخب السياسية التي تتلاعب بها روسيا وتركيا تستخدم المعلومات المضللة من أجل التأثير على الجمهور. ويدفع أهل كوسوفو وصربيا ثمن الشجار السياسي الذي يبدو أنه لا يفيد أي من البلدين لأنهما أصبحا الوليمة الدسمة التي تغذي نهم روسيا وتركيا للسيطرة على البلقان.

يعمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان بجدّ، لكن بشكل منفصل، لتعزيز علاقاتهما مع دول البلقان وهما مستمران في الاستثمار في المشاريع الوطنية الكبرى المحسوبة استراتيجيا لتحقيق أكبر تأثير اقتصادي وسياسي في جميع أنحاء المنطقة.

آلات الدعاية الروسية والتركية تحاول الاستفادة من الخلاف المزمن بين الدولتين
آلات الدعاية الروسية والتركية تحاول الاستفادة من الخلاف المزمن بين الدولتين

وخلقت هيمنة الحكم العثماني على أجزاء من البلقان، لمدة تصل إلى ستة قرون، روابط عائلية وسياسية ودينية وثقافية وثيقة بين الأتراك ومسلمي البلقان، لكن في الوقت نفسه، رعت روسيا علاقاتها الخاصة مع الدول المسيحية الأرثوذكسية في المنطقة حيث يتداخل الثقافي بالسياسي.

ولا تخفي روسيا حقيقة أن لها مصالح اقتصادية وسياسية في المنطقة. وتتمتع روسيا بنفوذ ملحوظ في صربيا ومقدونيا والبوسنة والهرسك. وتبدو صربيا الحليف الأكثر أهمية لروسيا، حيث رفضت بلغراد تطبيق عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا وهي بصدد التفاوض حول منطقة تجارة حرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

وتكمن أولى مرتكزات النفوذ الروسي في منطقة البلقان في كون روسيا، تملك حقّ الفيتو. واستعملت روسيا حق الفيتو منذ عام 2007 لتعطيل قرار كانت طرحته دول غربية داخل مجلس الأمن الدولي للاعتراف الدولي باستقلال دولة كوسوفو.

والركيزة الثانية التي يعتمد عليها الكرملين في بسط نفوذه في غرب البلقان فهي تاريخية العلاقات الثقافية، وسياسة الارتباط التي تتبعها روسيا مع شعوب ودول جنوب شرق أوروبا التي لها تقاليد أرثوذكسية. وتتمثل الركيزة الثالثة في قوة المكانة التي أحرزتها العلاقات التجارية والاقتصادية بين روسيا وبلدان المنطقة، فروسيا هي المصدر الأول للطاقة نحو بلدان المنطقة، وهي اليوم تُقَدِّم نفسها بصفتها مستثمرا وشريكا تجاريا.

قوة تركيا الناعمة

وكالة التعاون والتنسيق التركية تشرف على ترميم المساجد وبناء أخرى في بلدان البلقان المسلمة
وكالة التعاون والتنسيق التركية تشرف على ترميم المساجد وبناء أخرى في بلدان البلقان المسلمة

تشهد صور الرئيس الصربي آلكسندر فوتشيتش، الذي حضر مسيرة إحياء ذكرى أبطال الحرب العالمية الثانية في موسكو في 9 مايو، على علاقاته الجيدة مع فلاديمير بوتين. ولكن قبل وقت قصير من سفره إلى موسكو، كان فوتشيتش في رحلة أخرى جديرة بالذكر. فقد توجه إلى أنقرة، للقاء نظيره التركي، رجب طيب أردوغان.

ولطالما كانت تركيا طرفا مهمّا في غرب البلقان، وتحدد ثلاثة عوامل نمط تطور موقعها: تنحي رئيس الوزراء التركي ووزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو، محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، وطول عملية محاولة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

تواصل وكالة التعاون والتنسيق التركية ترميم المساجد وبناء أخرى جديدة في بلدان البلقان المسلمة، بما في ذلك أكبر مسجد في البلقان في تيرانا. ومع ذلك، أفسح تركيز داود أوغلو على الإرث العثماني وتحديد المجتمعات المشابهة في البلقان المجال أمام واقعية السلطة ونهجها العملي، الذي يركز على التنمية الاقتصادية بدلا من الهوية المشتركة.

وأثرت المعركة ضد شبكة فتح الله غولن، التي تتهمها تركيا علنا بأنها وراء الانقلاب، على القوة الناعمة التركية في غرب البلقان، حيث تشتهر حركة غولن في المنطقة ببناء وإدارة المدارس غير الدينية المرموقة، حيث تقدم الخدمات الأساسية التي تفتقر إليها المجتمعات المضيفة في كثير من الأحيان.

يدفع أهل كوسوفو وصربيا ثمن الشجار السياسي الذي يبدو أنه لا يفيد أي من البلدين لأنهما أصبحا الوليمة الدسمة التي تغذي نهم روسيا وتركيا للسيطرة على البلقان

ورفضت بعض الدول مثل كوسوفو إغلاقها نزولا عند طلب الحكومة التركية بعد الانقلاب. ومع تصاعد الضغط التركي على دول البلقان بشأن هذه المسألة، من المرجّح أن يترك زوال مدارس غولن فراغا، لا تبدو أن أيّ مؤسسة تركية أخرى قادرة على سدّه.

ويقول أنور روبيلي، المحلل الكوسوفي المقيم في سويسرا، “لا ينبغي أن نتوهم، كوسوفو ليست بقوة ألمانيا حتى يمكنها مقاومة الضغط التركي”، وذلك بعد أن دبّ الخلاف الكوسوفي مع أنقرة بعد أن نفّذت استخبارات الأخيرة عملية اختطاف لمواطنين أتراك تتهمهم بالانتماء إلى شبكة فتح الله غولن، ما أثار غضب رئيس الوزراء راموش هاراديناي.

ويرى روبيلي أن خطف ستة أتراك من كوسوفو يدلل على نفوذ أنقرة الحقيقي، مضيفا أن “كوسوفو والبوسنة وألبانيا ومقدونيا كانت ضمن أراضي السلطة العثمانية، ويتم التعامل معها بصفتها جزءا من العالم العثماني الجديد”.

وتمت إعادة خمسة معلمين وطبيب جميعهم يحملون الجنسية التركية ويعتقد أنهم من أتباع غولن، إلى تركيا من كوسوفو في عملية سرية قامت بها وزارة الداخلية الكوسوفية وجهاز الاستخبارات التركي، دون علم رئيس البلاد ورئيس وزرائه.

ويلعب تزايد توتر العلاقات مع بروكسل، وعدم ضمان انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، دورا في تغيير صورة أنقرة في غرب البلقان. وحتى وقت قريب، كانت سياسة تركيا الخارجية في غرب البلقان مثالا عن الطابع الأوروبي. لكن، يرى بعض المحللين الآن أن أنشطة تركيا تخريبية لأنشطة الاتحاد الأوروبي.

عدو مشترك لتحالف ظرفي

الوليمة التي تغذي نهم روسيا وتركيا
الوليمة التي تغذي نهم روسيا وتركيا

يشير ألون بن مئير وأربانا إكسهارا إلى أن دول غرب البلقان تقدّم فرصا منخفضة التكلفة لروسيا للأخذ بمجموعة من التدابير السياسية والاقتصادية لتقويض مصالح الاتحاد الأوروبي الجيوإستراتيجية. ففي عام 2016 على سبيل المثال، حاولت روسيا تنظيم انقلاب في الجبل الأسود يهدف إلى الإطاحة برئيس الوزراء ميلو ديوكانوفيتش من أجل منع بلاده من الانضمام إلى حلف الناتو. وفي العام الماضي حاول بوتين وقف تسوية الصراع بين اليونان ومقدونيا، هذا علما منه بأن الحل سيؤدي إلى عضوية هذه الأخيرة في حلف شمال الأطلسي.

وفي الوقت الذي تحاول فيه صربيا موازنة علاقاتها الثنائية بين روسيا والاتحاد الأوروبي، فإن البلدان الأخرى مثل كوسوفو ومقدونيا أكثر شفافية في السعي إلى التحول إلى أوروبا.

ولروسيا كل نيّة لبذر الخلاف لإبقاء دول البلقان خارج إطار أن تصبح أعضاء في الاتحاد الأوروبي. ويخلص الباحثان إلى أن موسكو وأنقرة ستبذلان كل ما في وسعهما لتوطيد نفوذهما في البلقان، قبل أن ينتهي الأمر بالتصادم بينهما.

وبالنظر إلى المصالح الإستراتيجية للاتحاد الأوروبي وتوجه دول البلقان بشكل عام للغرب، ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يصر على إجراء إصلاحات ديمقراطية والالتزام بحقوق الإنسان وبالمقابل قيام الاتحاد الأوروبي بالتسريع من جهوده لدعم الظروف الاجتماعية والاقتصادية في هذه الدول وتسريع عملية العضوية. إنّ هذا سيعطي دول البلقان الثقة بأن عضويتها المحتملة حقيقية من خلال الإجراءات العملية للاتحاد الأوروبي والمشاركة السياسية المستمرة، التي ستمنح دول البلقان حوافز تقاوم استيعاب طموح تركيا أو روسيا لها لإغوائها للدوران في مدارها.

7