روبرت مالي خبير أميركي إشكالي يريد تصويب سلوك واشنطن

مهندس الصعود البطيء، هل يصل بالملف الإيراني إلى القمّة؟
الأحد 2021/04/11
متعاطف مع إيران أم ماذا

على حسابه الخاص في تويتر غرّد المبعوث الأميركي الخاص لشؤون إيران روبرت مالي، الذي تم الإعلان عن عودته إلى واشنطن من جولة مباحثات حول الاتفاق النووي مع إيران، قائلاً “محادثات الأسبوع المقبل مع الشركاء الأوروبيين والروس والصينيين هي لمناقشة ما يجب أن تفعله إيران والولايات المتحدة لاستئناف التزاماتهما في الاتفاق النووي. هذه أول خطوة. هناك مناقشات صعبة تنتظرنا لكنها في الاتجاه الصحيح”.

وبدا الأمر وكأن الغرض من المفاوضات مناقشة سلوك واشنطن لا سلوك إيران، واحتمال تراجعها عن 1500 نمط من العقوبات التي أقرّتها بحق طهران.

لحظة صدور قرار تعيينه مسؤولاً عن ملف الاتصالات مع إيران هبّت عاصفة داخل الأروقة الدبلوماسية وبين كبار المحللين السياسيين الأميركيين، وتذرّعت تلك الأوساط بحجة أن الموضوع النووي الإيراني ليس مجال تخصص هذا الرجل، في الوقت الذي كان بعضهم قد ذهب أبعد من ذلك بكثير إذ اعتبروا أن صدقية وزير الخارجية أنتوني بلينكن ستتضرر إذا ما جرى تعيينه، وسيضعف معه موقف واشنطن. بالمقابل دافع عنه عدد لابأس به في المؤسسة الدبلوماسية الأميركية مستندين بذلك إلى خبرته من خلال الوثيقة التي أصدرها المعهد الذي يترأسه والتي تعكس وجهة نظره، ومن خلالها يمكن استخراج الخلاصات بشأن فلسفته حول المسألة الإيرانية.

أسس مالي مسيرته الدراسية والمهنية خطوة بخطوة. شق طريقه صاعداً سلّم المسؤوليات بعد سنوات قضاها متنقلاً بين أرقى ثلاث جامعات عالمية من دون أن يتعثر، بل بقي محافظاً على توازنه وهدوئه. وبعد عودة أسرته من أوروبا إلى الولايات المتحدة عام 1980 التحق بجامعة يال ثم هارفارد حيث درس زميل آخر له فيها هو باراك حسين أوباما الذي دارت الأيام وجمعتهما مجدداً خلال الفترة الرئاسية لهذا الأخير، إذ عمل معه في مجلس الأمن القومي على خلفية الخبرة التي اكتسبها كمساعد لمستشار الأمن القومي ساند بركر، وقبلها كمدير لإدارة الديمقراطية وحقوق الإنسان والشؤون الإنسانية، وبالطبع من خلال عمله كمساعد خاص للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون للشؤون العربية – الإسرائيلية.

هاجس العالم الثالث

مالي الذي يتولى الملف الإيراني في إدارة بايدن اليوم كان قد شارك منذ البداية في المحادثات التي جرت مع الجانب الإيراني، مع فريق الرئيس أوباما ووزير خارجيته آنذاك جون كيري، وهو على اطّلاع كامل على حيثيات الملف وتفاصيله الشائكة.
مالي الذي يتولى الملف الإيراني في إدارة بايدن اليوم كان قد شارك منذ البداية في المحادثات التي جرت مع الجانب الإيراني، مع فريق الرئيس أوباما ووزير خارجيته آنذاك جون كيري، وهو على اطّلاع كامل على حيثيات الملف وتفاصيله الشائكة.

لم يأت نبوغ مالي وذكاؤه بالفطرة وحسب، بل يتضح أنها صفات استمدت من أسرة جمعها القدر والظروف الاستثنائية، الأب، سيمون مالي سوري الأصل ابن مدينة حلب مصري المنشأ ويهودي المعتقد، والأم نيويوركية مسيحية المولد أفريقية الهوى، التقيا خلال عمل الأب كمراسل لصحيفة “الجمهورية” المصرية في الأمم المتحدة.

ولم يكن الطفل آنذاك أقل حظوة من والديه في ما جمعاه من تنوع مكاني ومخزون ثقافي، ولد في نيويورك عام 1963 لينتقل مع أسرته إلى العاصمة الفرنسية باريس أواخر الستينات. لكن الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان أطرد والد مالي بسبب مواقفه المنتقدة لإسرائيل. فعادت الأسرة إلى أميركا.

بعد أن أنهى مالي مرحلته الجامعية الأولى انتقل إلى أكسفورد ومنها حصل على الدكتوراه في الفلسفة السياسية، وهناك كما تشير سيرته الذاتية كتب أطروحته عن “العالم ثالثية وزوالها”، وأنهى تحصيله الأكاديمي بنيله شهادة دكتوراه في القانون من كلية الحقوق بهارفارد.

لم تنقطع كتابات مالي في كبريات الصحف الأميركية عن السياسة الخارجية والعلاقات الدولية وأسلوب العمل الدبلوماسي في صحف ومجلات مثل “نيويورك تايمز” و”فورين أفايرز” وواشنطن بوست” و”لوموند”. بل واصل ذلك واختار التعمّق والغوص والتحليل في أعقد قضية عرفها القرن العشرين وهي مسألة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

بدا العالم العربي هاجساً وحيداً لمالي، ويمكنك أن تعثر على هذا في جميع كتاباته. فكتابه “صرخة الجزائر“ الذي صدر في عام 1996 تطرق فيه إلى نقطة تحول نقلت بلد المليون ونصف المليون شهيد من الثورة واليسار إلى ساحة للصراع مع ما بات يعرف بالإسلام السياسي، إلى جانب نشره العديد من الدراسات والأبحاث بالتعاون والاشتراك مع زميله وصديقه الباحث في جامعة أكسفورد حسين آغا الفلسطيني – اللبناني الضالع هو الآخر في المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية على مدار ثلاثين سنة، وقد تناولت تلك الدراسات والأبحاث قضايا الصراع في الشرق الأوسط ومشكلاته مثل “كامب ديفيد ومأساة الأخطاء” و”المفاوضات الأخيرة” وأيضاً “ثلاثة رجال في مركب واحد” وكذلك “حماس ومخاطر السلطة” إلى جانب الكتاب الأخير “الثورة العربية المضادة”.

وتسجل له، في هذا المقام، جرأته وهو في مطلع شبابه وحياته العملية دفاعه عن الفلسطينيين وتبرئتهم وإلقاء اللوم على الإسرائيليين، ففي أعقاب محادثات كامب ديفيد التي شارك فيها حمّل مالي مسؤولية فشلها آنذاك إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، لدرجة بات يعرف معها بالخبير الأول في قضايا الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، لاسيما وأنه يعتبر أن إسرائيل هي المشكلة ولا بد من معالجة المشكلة.

المستشار المتورّط

مالي يرى أن إصرار إيران على رفع جميع العقوبات دليل على عدم جديتها في العودة إلى الاتفاق النووي. وهو يقول إن بلاده قلقة بشأن البرنامج الإيراني للصواريخ الباليستية و"ستبدأ محادثات بشأن أنشطة إيران الإقليمية بمجرد الانتهاء من القضية النووية"

عمله الطويل على ملفات الشرق الأوسط أكسبه الخبرة والكفاءة في إدارة القضايا المعقدة من خلال قربه من الرئيس كلينتون وعضويته في فريق السلام الذي كلف بالأعداد والترتيب للقاء كامب ديفيد عام 2000 بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك بحضور كلينتون.

حتى بعد وفاة عرفات واصل مالي تعميق علاقته مع الفلسطينيين. ويقال إن صلة وثيقة تجمعه بالرئيس محمود عباس بالتوازي مع علاقته النوعية مع الجانب الإسرائيلي. كذلك من خلال التحالف الذي أنشأه في “مجموعة الأزمات الدولية” التي يحتل فيها منصب الرئيس والمدير التنفيذي لها، وبين الهيئة التي يترأسها دانيال ليفي المعروف في الأوساط التي تحيط بباراك ويوسي بيلين، وهما مالي وليفي قريبان في الملف الفلسطيني من منظمة “بتسليم”.

وهكذا أصبح مالي خلال الأْعوام بمثابة الرجل الأول في واشنطن، وخاصة للرئيس أوباما في ما يتعلق بالشرق الأوسط، حيث قاد مكتب الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، وعُيّن مستشاراً خاصاً لأوباما في الحرب على تنظيم “داعش”

يبقى السؤال اليوم؛ ماذا وراء تعيين مالي في هذا المنصب؟ يرى البعض أن هذا التعيين بعث برسائل متعددة العناوين وفي مختلف الاتجاهات حول سياسة الرئيس جو بايدن إزاء الملف النووي الإيراني، حيث لم يخف بايدن نيته بعودة بلاده إلى الاتفاق النووي، ولكنها عودة مشروطة وفق خطوات على الجانب الإيراني الإقدام عليها، ومنها تعهد إيران بجميع الالتزامات النووية المنصوص عليها في اتفاق عام 2015.

بالطبع لن نفاجأ إذا ما عرفنا أن مالي كان قد شارك منذ البداية في المحادثات التي جرت مع الجانب الإيراني، مع وزير الخارجية آنذاك جون كيري، وهو على اطّلاع كامل على حيثيات الملف وتفاصيله منذ بدايته.

وكان الكاتب الأميركي إيلي لاك قد حذر في مقال له نشر على موقع شبكة “بلومبيرغ”، لحظة كشف صحيفة “جويش إنسايدر” عن تعيين مالي لهذا المنصب عن قيام بايدن بتهدئة مخاوف الحلفاء من أن واشنطن ستندفع نحو المفاوضات لإعادة الدخول مجدداً في الاتفاق النووي الذي وصف بـ”المعيب”، وإنّ تعيين مالي يمكن أن يغير ذلك، في حين أصدر زهاء 200 خبير ومتخصصون في السياسة الخارجية ودبلوماسيون ومراكز بحثية في السياسة الدولية بياناً مشتركاً لدعم مالي في مواجهة ما اعتبروه حملة تشهير من قبل الذين يعارضون التعامل الدبلوماسي مع إيران.

مع العقوبات وضدها

صحيفة "جيروزاليم بوست" تنقل عن مصادرها في واشنطن معلومات تفيد بأن لمالي سجلاّ حافلا وطويلا في التعاطف مع إيران وأنه معادٍ لإسرائيل، فهو حسب الصحيفة "يرتبط بعلاقات قوية مع الإيرانيين". (الصور من حساب مالي على تويتر).
صحيفة "جيروزاليم بوست" تنقل عن مصادرها في واشنطن معلومات تفيد بأن لمالي سجلاّ حافلا وطويلا في التعاطف مع إيران وأنه معادٍ لإسرائيل، فهو حسب الصحيفة "يرتبط بعلاقات قوية مع الإيرانيين". (الصور من حساب مالي على تويتر).

يرى مالي إن إصرار إيران على رفع جميع العقوبات دليل على عدم جدية طهران في العودة إلى الاتفاق النووي. وهو يقول إن بلاده “قلقة بشأن البرنامج الإيراني للصواريخ الباليستية وستبدأ محادثات بشأن أنشطة إيران الإقليمية بمجرد الانتهاء من القضية النووية”.

وقبل أيام فقط وفي مطلع أبريل الجاري أكّد أن واشنطن تعلم أنه من أجل إعادة إيران إلى التزاماتها في الاتفاق النووي سيتعيّن عليها رفع العقوبات التي لا تتماشى مع الاتفاق. وأشار مالي إلى نية الولايات المتحدة إعادة إيران إلى التزاماتها في الاتفاق النووي.

وردًا على سؤال عمّا إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لرفع العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على إيران قال مالي “علينا القيام بالعمل الشاق المتمثل في مراجعة هذه العقوبات لنرى ما يمكننا القيام به لضمان تمتع إيران بالمزايا التي كان من المفترض أن تتمتع بها في الاتفاق النووي”.

صحيفة “جيروزاليم بوست” كتبت نقلاً عن مصادرها في واشنطن أن لمالي سجلاّ حافلا وطويلا في التعاطف مع إيران وهو معادٍ لإسرائيل، وأضافت أنه “يرتبط بعلاقات قوية مع الإيرانيين”. ومردّ هذا أن إشارات مالي بقيت دوماً متضاربة، ما جعل إرثه مريباً للمراقبين. ففي حوار أجري معه عام 2018 انتقد مالي المساعدة الأميركية للمعارضة السورية، وقال “كنا جزءاً مما أججّ الصراع بدلاً من إيقافه”.

أما جوش روغين فكتب في صحيفة “واشنطن بوست” إن مسؤولين سابقين في إدارة أوباما يتهمون مالي أنه عندما كان مسؤولاً في البيت الأبيض “عارض دعم المعارضة السورية وقاوم الإجراءات العقابية ضد الرئيس بشار الأسد جزئياً، وذلك لحماية مفاوضات صفقة إيران”.

ولمالي أيضاً مواقف داعمة لحركة حماس، فقد طالب مراراً بالانفتاح عليها هي وحزب الله. غير أن مالي يعمل اليوم بحماية رئيس مجلس الأمن القومي جيك سوليفان، وكذلك رئيس وكالة الاستخبارات ويليام بيرنز، ونائبة وزير الخارجية ويندي شيرمان. كما أن اثنين من أهم الشخصيات انغماساً في قضايا الشرق دعما تعيينه في منصبه وهما مارتين إنديك ودنيس روس، ما يشير إلى انقسام الرؤية في واشنطن حيال الملف الإيراني، وهذا قد يكون عامل دفع قوي لمالي في مهمته الإشكالية.

8