رهان مصري على الأمن الغذائي بتسريع المشروع القومي للصوامع

لوجستيات التخزين تفتح نافذة للاستثمارات الأجنبية في القاهرة.
الأربعاء 2020/09/16
صوامع القمح

أبدت القاهرة اهتماما بالغا بالمشروع القومي للصوامع من أجل تأمين ترشيد معدلات استيراد القمح، التي جعلتها تتصدر قائمة المراكز الأولى عالميا، فضلا عن سعيها لتخفيض معدلات فاقد التخزين الذي يكبدها خسائر قياسية سنوية.

القاهرة – وضعت الحكومة المصرية المشروع القومي للصوامع على سلم أولوياتها للسيطرة على فجوة استيراد القمح التي تتصاعد سنويا نتيجة زيادة معدلات الاستهلاك، وسوء عمليات التخزين التي تفقد البلاد نحو 1.4 مليون طن بسبب التخزين في الأماكن المتفرقة.

وفتحت استراتيجية القاهرة لتأمين الغذاء بابا جديدا لتدفق الاستثمارات الأجنبية في قطاع اللوجستيات الخاصة بالتخزين وغيره، فيما تمول وتنفذ استثمارات دولة الإمارات العربية نحو 25 صومعة، فضلا عن الاستثمارات الكويتية والروسية، والتي أخذت في التزايد في الآونة الأخيرة في هذا المجال.

وتقود جمعية رجال الأعمال المصريين مبادرة للتكامل في مجال الأمن الغذائي من خلال تشكيل مجموعة عمل من الخبراء في الحكومة والقطاع الخاص لدراسة كيفية تحقيق التكامل مع بعض الدول العربية في مجال إنشاء الصوامع والمخازن الكبرى.

ووقعت القاهرة مؤخرا اتفاقا مع صندوق الأوبك للتنمية الدولي “أوفيد” لإنشاء مخازن لتخزين القمح في الموانئ، فضلا عن الاتفاق مع دولة بيلاروس في مجال إنتاج وتصنيع الصوامع ومخازن الغلال لتلبية احتياجات السوق المصري والتصدير خارجيا.

نادر نورالدين: تكلفة تخزين طن من القمح تبلغ 5 دولارات
نادر نورالدين: تكلفة تخزين طن من القمح تبلغ 5 دولارات

وتشهد منطقة عرب العليقات التابعة لمدينة الخانكة، في محافظة القليوبية القريبة من القاهرة، تدشين أكبر مشروع قومي على مستوى الشرق الأوسط لصوامع الغلال، بما يعزز إنهاء معاناة استيراد القمح بوتيرته الحالية، وتجنب حدوث مفاجآت النقل الدولي، فقد قدمت أزمة كورونا درسا مهما.

وتصدرت مصر لعقود المركز الأول عالميا في استيراد القمح لسد فجوة الغذاء وتوفير رغيف الخبر للمواطنين بثمن في متناول الجميع، فيما استهلكت طحينا من أجل رغيف الخبر الشهر الماضي بنحو 613 ألف طن، أي ما يعادل استهلاكا سنويا بنحو 7.35 مليون طن.

ويستوعب مشروع “العليقات” نحو 5 آلاف طن من القمح عبر 18 صومعة عملاقة، فيما تستهدف وزارة التموين والتجارة الداخلية افتتاح صوامع لتخزين القمح في كل محافظة لتأمين إمداداته للمخابز بشكل سريع.

ويسهم المشروع في تقليل نسبة فاقد التخزين بنحو 15 في المئة، مقارنة بعمليات التخزين التي تتم في الشون، الترابية الحالية، وهي مخازن تقليدية. فضلا عن أن طرق التخزين عموما كانت تفتح الباب أمام تفشي الفساد، وسرقة المحصول وبيعه في السوق الموازية، نتيجة صعوبة حصر كميات القمح بدقة في الشون التقليدية.

وتصل الطاقة التخزينية للمشروع القومي للصوامع نحو 3 ملايين طن، ومخطط زيادتها لنحو 4.2 مليون طن مع نهاية العام الحالي.

وقدرت وزارة التموين السعات التخزينية لمصر حاليا عند معدلات تكفي البلاد لنحو 4 شهر ونصف الشهر، وبسعات تخزينية تصل إلى ما يقرب من 3.6 مليون طن.

ورغم الإعلان عن المشروع منذ أكثر من 20 عاما إلا أنه دخل دائرة الإهمال إلى أن أعاد إحياءه الرئيس عبدالفتاح السيسي وفق مخطط يستهدف إنشاء 50 صومعة.

وتستهلك مصر نحو 10 ملايين طن من القمح سنويا لإنتاج الخبز البلدي، وحوالي ثلاثة ملايين طن أخرى تستخدم في عمليات التصنيع المتنوعة للسلع الغذائية والحلويات، مما يرفع الاستهلاك العام للبلاد إلى نحو 13 مليون طن.

وقدرت وزارة الزراعة إنتاج مصر من القمح بنحو 9.5 مليون طن، الأمر الذي يجعل القاهرة تستورد 3.5 مليون طن لسد فجوتها الغذائية.

قال نادر نورالدين، خبير الزراعة بجامعة القاهرة، إن مصر حققت طفرة كبيرة في المشروع القومي للصوامع مؤخرا، ونجحت الحكومة في إنشاء ثلاث صوامع تسع نحو مليون ونصف مليون طن من القمح.

وأضاف لـ”العرب” أن الكمية الموردة للحكومة في موسم حصاد القمح تبلغ نحو 3.5 مليون طن من القمح، ومن ثم تحتاج صوامع تكفي الإنتاج المحلي على الأقل، لمنع فاقد الإنتاج عند التخزين.

إبراهيم درويش: الهدف هو تأمين الخبز وتوفير القمح في الظروف الاستثنائية
إبراهيم درويش: الهدف هو تأمين الخبز وتوفير القمح في الظروف الاستثنائية

وتوفر الصوامع العناصر الصحية الملائمة لتخزين الحبوب، ويتطلب تدشين مشروع الصوامع أن يكون لدى الدولة مخزون يكفي 4 أشهر، فالقمح لا يجب تخزينه في الصومعة لمدة تزيد 12 شهرا، لأن ذلك يرفع التكلفة على الحكومة.

وقدر نورالدين تكلفة تخزين طن القمح في الصومعة بنحو 5 دولارات تقريبا، وبالتالي فإن وجود الصوامع يسمح بتخزين القمح المطلوب للمدة المطلوبة، ثم التعاقد من شهر لآخر حتى يصل القمح المستورد.

وتمنع الصوامع أيضا دخول القوارض، التي تتسبب في إتلاف وتلوث القمح، كما أنها تعزز من قلة استخدام المبيدات لحماية القمح من التسوس والإصابة بالأمراض، وهي الطرق التي تستخدم في الصوامع الترابية.

وتتمتع الصوامع الحديثة بتكنولوجيا للحفظ والتهوية وتدوير القمح داخلها في درجة حرارة أقل من 20 درجة مئوية، ما يمنع نمو الفطريات وسموم “أفلاتوكسين” التي تصيب الحبوب عند التخزين بالطرق التقليدية.

وأكد إبراهيم درويش عضو مجلس إدارة اتحاد جمعيات التنمية الاقتصادية ورئيس قسم الأراضي والمحاصيل بجامعة المنوفية، أن اهتمام مصر بالمشروع القومي للصوامع، هدفه تأمين الغذاء الرئيسي واحتياجات البلاد من رغيف الخبز.

وأوضح لـ”العرب” أن وجود تلك الصوامع يعزز من توفير المخزون الاستراتيجي للقمح وطول مدة صلاحيته، بما يعزز من قدرة البلاد على الصمود في الظروف الاستثنائية وحالات الطوارئ سواء محليا أو عالميا، مثل ظروف جائحة كورونا.

وتعد الصوامع الآلية الحديثة لتخزين المحاصيل المستوردة والمنتجة محليا، والحفاظ عليها لفترات أطول، بعكس المخازن التقليدية التي تجعل المحاصيل عُرضة للرطوبة والطيور والقوارض، وتضمن السيطرة الآمنة في حماية المحاصيل التي تحتاج البلاد إلى تخزينها لسد فجوتها الاستهلاكية.

11