رضا ذيب.. فنان تونسي يمشي مطاردا الأفق

رضا ذيب يغادر العاصمة الفرنسية باريس في اتجاه مدينة سوسة التونسية في مسيرة تستغرق أربعة أشهر.
السبت 2019/08/03
خطوة واحدة تفصل الخط المرسوم عن الخط الممشي

تحيلنا الفنون البصرية المعاصرة مع تطوّر تكنولوجيات الاتصال وتنوّعها إلى تجارب فنية فريدة وغير مسبوقة ضمن ما يُصطلح على تسميته بالفن المفاهيمي الذي يُسائل الآني ويُربك الآتي أيضا، ومن هناك تأتي تجربة الفنان التونسي متعدد الوسائط رضا ذيب، أو الرجل الماشي، دليلا صارخا على مدى توسّع أفق الفنون المعاصرة، وهو الذي يطارد أفقه الخاص.

تونس – غادر رضا ذيب العاصمة الفرنسية باريس في اتجاه مدينة سوسة التونسية في الثاني من مايو الماضي، وهي مسيرة تستغرق أربعة أشهر لهذا العارض الماشي الذي سيقطع مسافة ثلاثة آلاف كيلومتر مشيا على الأقدام، باحثا فيها عن أفقه المنشود.

ويصل الرجل الماشي إلى تونس العاصمة في الثامن من أغسطس الجاري مستكملا مراحل مشيه الأخيرة في مدينته الأم، سوسة، مرورا بالحمامات في العاشر من الشهر نفسه، وفي مدينة سوسة، يستقبله رواق “البيرو” لعرض جزء من رحلته الشيقة وذلك يوم الثالث عشر من أغسطس، إلاّ أن العرض النهائي سيتخذ شكله المكتمل في شهر سبتمبر المقبل برواق “المعهد الفرنسي” بتونس العاصمة.

وتصوّر هذه التجربة الفنية همزة وصل تربط فرنسا بتونس، حيث يتبنى الفنان التونسي متعدد الوسائط رضا ذيب هذا التلاقح بين شمال المتوسط وجنوبه بصفته يحمل الجنسيتين التونسية والفرنسية، والعرض في حد ذاته تعبيرة فنية عن هذا الرابط.

ومن هناك يعيد ذيب بواسطة هاتفه الذكي تصوير خطوط “آفاقه” على مدى 107 مراحل، ففي كل مرحلة يأخذ صورة للأفق المنشود عبر تطبيقة بوصلة تعمل بتقنية الواقع المعزّز، ويرسل هذه الصور في الوقت ذاته إلى المعهد الفرنسي بتونس على شكل بطاقات بريدية، كذلك بفضل تطبيقة أخرى تتولى يوميا طباعة وتوزيع هذه البطاقات ثم تعرض بالتوازي، إنها مجموعة الصور التي ستكون في النهاية الخط المتواصل لـ”الأفق”.

وتم تصميم هذا المشروع بالشراكة مع المعهد الفرنسي بتونس وبدعم من المنظمات والمؤسسات الفرنسية، وهو يتناول إشكالية رئيسية تدور حول سؤال أساسي: ما الذي يمكن للخط أن يفعله؟ أو بعبارة أخرى، ما هي الإمكانات التشكيلية لأثر مفتوح أو تجريدي؟ وللقيام بذلك، يقول رضا ذيب مجيبا عن السؤال “اختبرت الخط من خلال علاقته بالسطح والإيماءة والحركة، جرّبت تفاعله مع الهواء والضوء، واستكشفت إمكاناته لثني وربط وتوليد أنسجة متنوعة، أسائل قدراته التعبيرية بين الخيط والأثر، وبما أن خطوة واحدة تفصل الخط المرسوم عن الخط الممشي، فمن الطبيعي أن أكون قد انسبت في خط الهروب.. وعندها أكون قد فقدت بعضا من حجمي، لذلك عليّ أن أتحرّك لأحتل المجال”.

رضا ذيب يعيد بواسطة هاتفه الذكي تصوير خطوط "آفاقه" على مدى 107 مراحل، تمتد من باريس إلى سوسة

ويضيف شارحا “في هذا الخضم يفرض السؤال حول البعد المتحوّل للخط، نفسه، وتحديدا حول تحوّل رقمي جذري للخط وعلاقته بالجسد، نتيجة سببيّة أتساءل من خلالها مرة أخرى: كيف يمكن خلق تهجين إيقاعي؟ كيف أقيم ورشة وأنا أمشي؟”. ومن خلال هذا المنظور تسلّح ذيب بهاتفه الذكي، وعنه يقول “أداة أستخدمها لعدة أغراض منها التخطيط والأرشفة، ثم مشيت.. ومشيت.. أنا مرسوم كالخط إذن أنا أخط”.

وولد رضا ذيب بمدينة سوسة سنة 1966، وتخرج من مدرسة الفنون الجميلة في تولون، وهو مقيم في باريس منذ العام 1991.

وكان الرسم لفترة طويلة وسيطه المفضّل، لكنه ومنذ خمسة عشر عاما بدأ الاشتغال بمجال الأبحاث التشكيلية حيث الإشكالية الرئيسية هي “تحرير” خط المساحة.

وفي البداية، أخذ الفنان التونسي مسدسا لاصقا واستخدمه عكس طريقة الاستعمال، وعن التجربة يقول “مع هذه الأداة، لم يكن الأمر متعلقا بإلصاق المواد، بل بالأحرى اقتلاع المادة وتحريرها”.

والتحرّر من الحدود نحو حريّة الآفاق وتنوّع الأفق ثيمات مُتلازمة عند الفنان التونسي-الفرنسي الذي كان ولا يزال يسائل الراهن وقيوده وشروطه وقوانينه غير العابرة للقارات بعين طفل حالم وحامل لرسالة إنسانية، مفادها “أن تمشي، يعني أنك حر، وأنك حر يعني أنك موجود”.

14