رحلة في قطار الفن والجمال امتدت لستين عاما من الحلم

آري بابان رسام التدفّق التلقائي للمشاعر الإنسانية المختلطة.
الثلاثاء 2021/08/24
تجريد المجرّد

على امتداد مشواره الفني الطويل استطاع الفنان الكردي العراقي الراحل آري بابان أن ينحت لنفسه مسارا فنيا منفلتا عن أساليب مجايليه، فقدّم لوحات تلامس بوضوح تأويلاته الخاصة للواقع والأسطورة معا، كما اشتغل بإطناب على إبراز التدفّق التلقائي للمشاعر الإنسانية المختلطة في ثلاثيته الأثيرة الخيال واللون والضوء.

 لماذا الجميلون يتركون المكان مبكرا؟ ففي نهاية عام 2020 رحل الشاعر والملحن والفنان محمد علي شاكر أحد أهم الموسيقيين الكرد، وبعده بأيام معدودة التحق به مسرعا الفنان عمر عبيد المعروف بآري بابان
(1953 – 2020)، وهو أحد رواد الفن التشكيلي في كردستان العراق.

أتساءل لماذا يختار الرب الشجرة المثمرة ليقتلعها؟ هل هي الأقرب إلى روحه فيلتقطها، أم أنه يدرك أن تربتها لم تعد صالحة لها؟ فلا بد من تربة جديدة حتى تستمر هذه الشجرة في الإنتاج، تربة قد تكون من نور وضوء وروح، فيرجعها إلى أصولها، إلى تقاربها الزماني والمكاني، وكأنه يلعب دورا مهما في عمليات الترابط هذه، فميوله الأخلاقية تقوم على أساس مبادئ خاصة بالتعاطف والانفعالات الموجهة نحو الآخرين.

وقد يكون في ذلك ما تفضله السماء في رسم لوحاتها الزاهية الملونة التي تقوم على ظلال تلك الأشجار وثمارها حتى تدهش الآلهة وتخرجها من عروشها المنطوية إلى الانبساط والنشاط؛ فالمتغيرات السياقية تلعب دورا مهما في الانصياع للمعايير الجمالية الفنية من أجل حدوث فعلي الخلق والتذوّق.

آري بابان ترك لعشاق لوحاته عطرا فنيا يكفيهم لغسل أرواحهم به لسنوات بعدد سنوات اشتغاله التشكيلي المديد

واقعية سحرية

إذا عرفنا أن المعرض الفردي الأول لبابان كان في العام 1972، وكان رحيله عن الدنيا في السادس والعشرين من ديسمبر 2020، فإن رحلته في قطار الفن امتدت ستين عاما تقريبا. وهي رحلة طويلة ترسم علاقة شخصيته الفنية بفنه، أو شخصيته الإبداعية
بإبداعه.

الرحلة التي تحتوي أعماله وما تحمله من دوافع وانفعالات وصور وقيم هي الرحلة التي ستحرّر القوى الحيوية لديه من خيال وتأمل مع حضور خبرة جمالية تخلصه من الأطر المألوفة، وبالتالي تهرب به هروبا مؤقتا من قبضة النحن إلى قبضة الأنا الشعوري/ الواعي.

وقد يسقطه هذا في العزلة أو في الوحدة بين الذات والعالم، وهذا شعور يذهب به إلى الطفولة المبكرة ومعايشة ما ينبغي العودة إليه، بمعنى آخر البحث عن الشرط المبكر للجمال، فالتدفّق التلقائي للمشاعر هنا يحضر بقوة وإن كان هذا التدفّق نجده بكثافة في الشعر ولدى الشعراء، هذا يجعلني أقول بثقة إن لوحات بابان كانت قصائد باللون والخط لكثرة ما فيها من تدفقات عميقة، مع أهمية التكامل والتفاعل الحميم بين جوانبها المختلفة.

كان لا بد لبابان أن ينأى بنفسه عن التقليد كي يرى العالم بوضوح من جهة وكي ينطلق من جهة أخرى بخياله نحو عوالم الاكتشاف والابتكار، فيوسّع من هامش التلقائية لديه ضمن أُطر تخصّه هو، ويترك زمام التعبير لخبرته وهي تحاول إطلاق الانفعالات، ساعيا إلى إزالة كل أشكال الانفصال بين الذات والموضوع حتى يجد لنفسه بداية جديدة تكون هي خارطة طريقه.

امتداد أفقي لأفكار تعانق السحاب

وهو من القلائل الذين اهتدوا إلى هذا الطريق الذي يشبه كثيرا طريق الروائي الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز (1927 – 2014) في الأدب، الطريق الذي تكلّل بواقعية سحرية حملته إلى جائزة نوبل وكذلك إلى وضع صورته على العملة الورقية لبلاده، فهذه الواقعية هي التي عزف عليها بابان لسنوات طويلة وأبدع فيها وتميّز أيضا.

وقد يعود إليه الفضل في فتح هذا الطريق لبعض الأسماء الشابة لاحقا، فقد غرق بابان في الأسطورة مستلهما منها حكايات تكاد تسيطر على مساره التشكيلي، وترسّخ طريقه وتدعم نظريته في الإبداع، وتبرز خصوصيته المجنحة، وتكسبها القيمة الجمالية المتحقّقة من اللعب بالخيال مع اللون والضوء حتى يصل ونحن معه إلى تلك البهجة الانفعالية.

كم هي رائعة وجميلة أمنيات الفنان الحقيقي، فلنقرأ آري بابان وهو يخطّ لنا حلمه؛ “كم أتمنى أن يكون الفن جزءا أساسيا من ثقافة المجتمع، وأن أرى لوحات الفنانين الكرد في المستشفيات والمقاهي والأماكن العامة، وفي المتاحف الكردية”.

حلم مؤجل

Thumbnail

هذه الأمنية التي بقيت تلازم بابان أصيل مدينة كركوك العراقية تكاد تكون أمنية الفنانين على امتداد ولادتهم، أمنية لو تحقّقت لأعطتنا سوية المجتمع وهويته، ولبيّنت لنا على أي باب نقف، وأن فتح هذا الباب سيضعنا أمام مرآة تعكس قاماتنا، بحضارتها التي تنطق تاريخا بمظهره الحسي، وحكاياتها التي تروى بطابع موضوعي في ضوء تصوّرات شاملة.

وقد يحدث أن نكتشف أنفسنا بعقول متأملة تضجّ بالجمال وبملكتها الحسية الخاصة، فبتحقيق هذه الأمنية سيجعلنا ندرك الدرج الذي نقف عليه، وليس اعتباطا أن يُقال “تُقاس الأمم بمبدعيها”، فلماذا لا نطلق سراح المبدعين في رسم تاريخنا الحاضر الذي سيكون قنديلا للقادم؟ ولماذا لا نجعل الفن قُوتَنا وقوُّتنا في جذب الحياة وبناء إنساننا؟

فحلم بابان ليس صعبا، كما أنه ليس سهلا؛ هو ليس صعبا لأن الأمر يحتاج إلى التفاتة واهتمام به، وليس سهلا لأنه لطالما كان السياسي يرتعد من فكّ خطواته.

وآري بابان من أبناء كركوك، درس في جامعة المستنصرية/ كلية الآداب – قسم المكتبات والمعلومات، وتخرّج منها في عام 1976 ليشغل على مدى سنوات طويلة منصب مدير المكتبة العامة في السليمانية.

وفي عام 2008 عاش بابان كارثة حقيقية تمثلت في اندلاع حريق في بيته أفقده ما يقارب مئة لوحة أكلتها ألسنة النيران. فهل سيعمل القائمون على الشأن الثقافي في كردستان العراق على جمع ما تبقى من إرث هذا الفنان الذي أصرّ على أن يغادرنا تاركا لنا عطرا فنيا يكفينا أن نغسل أرواحنا به لسنوات طويلة، وليس لي غير أن أقول “المبدعون لا يموتون بل يولدون”.

الفنان الكردي العراقي ظل طوال مسيرته الفنية ينأى بنفسه عن التقليد كي يرى العالم بوضوح، منطلقا بخياله نحو الاكتشاف
الفنان الكردي العراقي ظل طوال مسيرته الفنية ينأى بنفسه عن التقليد كي يرى العالم بوضوح، منطلقا بخياله نحو الاكتشاف

 

Thumbnail
16