ربيع مروة مسرحي لبناني يفكك الصور الضائعة بين الحقيقة والخيال

في عرض "الرمال في عيني" للمخرج ربيع مروة، ندرك أننا وصورنا مجرد لعبة عنيفة حقيقيّة نحن ضحاياها، رؤوس بعضنا تقطع ودرونات تصطاد بعضنا الآخر دون أن يعلم.
الأربعاء 2019/03/27
ضحايا الإرهاب مقابل ضحايا محاربته

التداخل بين الواقع والخيال بات أمرا مألوفا اليوم، حيث لا حدود في ما بين ما هو افتراضي أو خيالي وبين ما هو فعل واقع له زمن ومكان محددان، ومن ناحية أخرى باتت الصورة تلعب دور الجسر الرابط بين ضفتي الواقع والخيال بكل ما تحمله من دلالة. وفي هذا الإطار تقدّم صالة “لابال” في العاصمة الفرنسيّة باريس مجموعة من العروض والمحاضرات غير الأكاديميّة بعنوان “دورة النظر ورد الفعل”.

باريس- تقيم صالة “لابال” في العاصمة الفرنسية مجموعة من العروض والمحاضرات غير الأكاديميّة بعنوان “دورة النظر ورد الفعل”، والتي يقوم فيها مجموعة من الفنانين والفاعلين في فنون المسرح والأداء بتقديم عروض ومحاضرات أساسها صورة واقعية أو حدث واقعي، تدور حوله حكاية ما في فضاء يحوي معرضا للمصور الإيطالي ألكس مجولي، الذي عمل في التقاط المشاعر الإنسانيّة في لحظات الاحتجاج السياسي والأزمات الإنسانيّة، في محاولة لجعل كل صورة حدثا واقعيا لا مجرد لحظة يتم توثيقها.

صور دون إذن

العرض الأول الذي شهدته الصالة من كتابة وإخراج اللبناني ربيع مروة بعنوان “الرمال في عيني”، والذي يخبرنا فيه كيف وجد في صندوق بريده وحدة تخزين رقميّة، تحوي مجموعة من الصور والفيديوهات الخاصة بتنظيم داعش، والتي رفض تصفحها، لكن صديقة له قامت بمشاهدتها، وأخبرته أنه هناك فيديو لمقاتل ألماني يشبهه تماما، يتحدث عن محاولات التحقيق معه في ألمانيا.

رَفْضُ مروة لمشاهدة الفيديوهات والصور نابع من موقفه الرافض للانصياع للقتلة، الذي يريدون منّا مشاهدة ما ينجونه، لكن حين اكتشف مروة أن مصدر الفلاش درايف هو الاستخبارات الألمانيّة، علم أنه ليس مستهدفا لتجنيده، بل وكأنه مدعوّ للعمل على محتوياتها فنيا، وهنا يتكشف أمامنا تداخل المتخيّل مع الحقيقي، إذ يبدأ مروة بإخبارنا عن الحق بالصورة، وكيف تتناقل صورنا أحيانا دون إرادتنا، ونظهر في سياقات نرفضها أو ببساطة لم نوافق عليها، كالصور التي يلتقطها السياح ونظهر في خلفيتها كمارة لا دور لنا سوى إضفاء طابع حيويّ على مكوّنات الصورة.

هذا الانتهاك لحق مروة بصورته يزداد عمقا حين يخبرنا كيف أن مشاركته كممثل هامشي أو كومبارس في فيلم مملكة السماء لريدلي سكوت عام 2005، انتهت بأن يظهر بصورة جزئيّة في واحدة من لقطات فيلم أنتجه تنظيم داعش، الذي استعان بمشاهد المعارك من الفيلم لاستعراض قوته، ولا نعلم مدى مصداقيّة هذه الحكاية، كوننا لا نرى مروة بوضوح، لكن الأمر اعتيادي لمتابعي مروة الذي يتداخل في الكثير من عروضه الحقيقي مع المتخيّل.

صورنا تتناقل أحيانا دون إرادتنا، ونظهر في سياقات نرفضها أو ببساطة لم نوافق عليها، كالصور التي يلتقطها السياح

عبر هذه الثنائيّة يحيلنا مروة إلى مفهوم الكومبارس في الفيلم المتخيّل الذي يتحوّل في الحياة الواقعية إلى شكل من أشكال الهيمنة السياسية، فالطغاة ينتهكون صورنا وحضورنا العلني ويوظّفونه في المساحات العامة التي يريدونها، نحن هامشيون، نقوم بوظيفة محددة، ويمكن التخلص منا بمجرد الانتهاء من المشهد أو استعراض القوة لغايات دينيّة ووطنيّة، الأهم هناك دوما أبطال وأعداء مختصمون، صراع ندفع ثمنه دون أن يتواجه البطلان، وكأن صور موتنا بالوكالة تهديد لنا بأن الدور قادم.

فرائس محتملة

العلاقة بين الصور المتخيّلة والواقعيّة، ينقلها لنا مروة في مقارنة بين صورتين، البطل، وهو الدرون الذي يقتل عن بعد، والأخرى صورة لأحد مقاتلي داعش يريد قتل رهينة لديه، ويحلل لنا الاختلاف بين الصورتين، وكيف أن الإرهاب/ داعش يسعى إلى تصوير القتل بدقة عاليّة، بعكس سياسات مكافحة الإرهاب/ أميركا، التي تبدو صور ضحاياها مشوشة، بدقة منخفضة، يلتقطها الدرون عن بعد، أشبه بصور في لعبة فيديو بدائيّة يمكن ببساطة أن لا نصدقّها، والأهم أننا بعكس الأفلام المتخيّلة، لا نعلم ما هي اللقطة المقابلة-contre champs لما نراه حين نرى صورة الدرون أو صورة من تنظيم داعش، وكأن الإرهاب وسياساته، مجرد فيلم واقعي نحن ضحاياه، تبدد الهرميّة التي تحكم الاثنين وجه القاتل، بعكس أفلام الكاوبوي، حين يواجها البطل عدوه ويتبادلان الطلقات.

ندرك في العرض أننا وصورنا مجرد لعبة عنيفة حقيقيّة نحن ضحاياها، رؤوس بعضنا تقطع ودرونات تصطاد بعضنا الآخر دون أن يعلم، نحن فرائس محتملة في أي لحظة، أما صورنا فيمكن أن تظهر في أي سياق، وهنا يقترح مروة علينا لحماية أنفسنا، تطوير جهاز يجعلنا أشبه بتشويش أو عطل في الصورة، هذا الجهاز يمنع أي أحد من التقاط صورة لنا أو توظيفها دون إذن، أما العطل، فلا يخرب الكاميرا، بل يجعل الصورة مشوهة حين نظهر فيها، هذا الجهاز نراه أمامنا، إذ يقوم مروة بتجربته، ويدعونا إلى التقاط صورة له بهواتفنا، لكن ما إن نهمّ بالتقاط الصورة، حتى تطفأ الأنوار، وكأنّ جهازا كهذا لا يمكن أن يوجد، والنتيجة هي التقاط هواتفنا لظلام الصالة الذي تلاشى مروة فيه.

16