ديانا الحديد فنانة سورية يسيل الفولاذ بين يديها

لفنانة التشكيلية لا تستسلم لمزاج مادة بعينها بقدر ما تسعى إلى خلق مزاج عام يجمع بين الجص والزجاج الليفي والخشب والفولاذ ومواد أخرى.
الأحد 2021/03/28
من مزاجها إلى مزاج المواد

ما الذي نعرفه عن علاقة النحت بالعمارة؟ كانت المنحوتات دائما ملحقة بالمباني في كل العصور، غير أنها كانت تقف منفصلة. يمكننا أن نحمل تمثالا من مكانه ونضعه في مكان آخر ولا يحدث شيء يقلق، لا في المبنى ولا للمنحوتة.

علاقة النحت بالعمارة هي علاقة نفعية. فالعمارة هي المستفيدة دائما. لكن تلك الاستفادة يمكن اللعب عليها، تنقص وتزيد، توجز وتستطرد. ولكن أن ينتفع فن النحت من فن العمارة فإن هذا لا يحدث إلا نادرا ومن قبل نحاتين من صنف نادر يستطيعون احتواء الأنظمة الداخلية للعمارة وإخضاع إيقاعاتها خارج بنيتها.

عمارة سائلة

السورية الأميركية ديانا الحديد تشتغل في اتجاهين. اتجاه تفكك فيه ومن خلال تأويل أدبي ــ بصري مشترك تاريخ العمارة عبر العصور، والاتجاه الثاني تنهمك من خلاله في تحليل مادتها التي هي “الحديد” واستنباط حالات تقنية لها هي عبارة عن تجليات بصرية.

من خلال المزج بين الاتجاهين تمكنت الحديد من إنشاء عمارة سائلة. يشكل ذلك عملا عذبا ومسليا بالنسبة إليها. فهي تقيم عند الحدود التي تفصل بين الواقع والتجريد. ولأن التجريد بالنسبة إليها لا تعود مصادره إلى العمارة بل إلى حيوية المادة الكامنة، فإن هناك نوعا ممّا يسميه الآخرون بالاستغراق الصوفي. الحديد مولعة بالنغم ولعبة أن تراه مجسدا. لم تكن تلك من مهمات النحات.

أعمال الحديد لا تقول شيئا بعينه. ذلك الشيء الذي يتوقعه من ينظر إليها. إنها في حاجة إلى التأمل. ذلك ما ترغب الفنانة في أن يكون إطار صلتها بالمتلقي

سيكون ذلك حدثا عظيما في تاريخ النحت، أن تؤخذ العمارة جانبا وتستلهم الفنانة صفاءها التعبيري من غير الالتفات إلى وظيفتها. تماثيلها هي مبان مستقلة تمجد المادة كما لو أنها كائن حي.

تسعى الحديد إلى اكتشاف الأشياء كما لو أنها لم ترها من قبل. “تلك الأسرار التي تجعل الأشياء أقل منطقية” كما تقول. وتبني منحوتاتها ولا تركبها. فهي لا ترغب في أن تكون فنانة تجهيز. فالموضوع الذي تعالجه ينطلق من كيان صلب يحوله خيالها إلى كيان سائل. وهو ما يمكنها من رؤية الأشياء وهي تنفتح على أسرارها.

فن موضوعي محايد بجماله

ولدت في حلب عام 1980. وهاجرت مع عائلتها إلى الولايات المتحدة وهي لا تزال صغيرة. درست النحت ومن بعده تاريخ الفن في جامعة ولاية كينت، وحصلت على الشهادة الأولية عام 2003، ثم على شهادة الماجستير من جامعة فيرجينيا كومنويلث ومن ثم أنهت دراسة مستقلة للرسم. وحصلت على مجموعة من المنح الفنية في مقدمتها منحة مركز روكفلر بنيوروك. ونالت عام 2020 جائزة أكاديمية الفنون والآداب.

أقامت الحديد معارض شخصية في أهم متاحف الفن بالولايات المتحدة؛ متحف برونكس، متحف فريست، متحف سان خوسيه، متحف أكرون في أوهايو، متحف وذرسبون في نورث كارولاينا، متحف فرجيينا، متحف نيفادا، وفي عدد من الجامعات الأميركية، كما أقامت معارض لها في أبوظبي وفيينا. كان حضورها لافتا في التظاهرات الفنية العالمية.

لا تتخذ من الفن

صورة

وسيلة لاكتشاف الذات. فهي كما تقول “غير معنية بالإجابة على سؤال من نوع مَن أنا؟”. الفن يتوجه إلى اكتشاف الموضوعي في علاقتنا بالأشياء. لذلك فإن النظر إلى أعمالها لا يسلط الضوء على حياتها الشخصية. هناك نوع من الحيادية اكتسبته الفنانة من شغفها بفن العمارة. ذلك ما يهب منحوتاتها طابع الأشياء التي تتغذى على جمال جمعي لا يتوجه إلى أحد بعينه. إنه ابتكار لا تاريخي لا ينتمي إلى عصر ما.

تقول الحديد “رسوماتي هي طريقتي الخاصة في تشغيل جزء مختلف من دماغي. وهذا يميل للأسلوب التأملي، فأنا أرسم بشكل متواصل دون أن آخذ الوقت لتغيير قراراتي، وبذلك أولي مهمة التفكير ليديّ”.

رسوم الحديد هي عبارة عن طبقات تسيل من خلال تفاعل المواد التي تستعملها، بعضها بالبعض الآخر وهي مواد تختلف في كثافتها ولزوجتها وشفافيتها وخفتها وسيولتها. فالفنانة لا تستسلم لمزاج مادة بعينها بقدر ما تسعى إلى خلق مزاج عام يجمع بين الجص والزجاج الليفي والخشب والفولاذ ومواد أخرى، لتصل إلى هدفها في استعادة مراجعها التاريخية التي تقع في عصور مختلفة أهمها عصر النهضة الأوروبي.

التجريد بالنسبة إليها لا تعود مصادره إلى العمارة بل إلى حيوية المادة الكامنة في ما يسمى بالاستغراق الصوفي، فالحديد مولعة بالنغم ولعبة أن تراه مجسدا

 وإذا ما كانت الفنانة تترك أفكارها تنساب بطريقة تلقائية بسبب رغبتها في أن تكون أسيرة لتأملاتها، فإنها في الوقت نفسه تحاول الاستجابة لخيال يديها كما يفعل النحاتون.

الحديد نحاتة في سلوكها حين تمارس الرسم. تنظر فيما تتخيل أن المواد تتغير بين يديها، وهي تفكر بطريقة من تحلم بكائنات وأشياء مجسدة. ذلك ما يعني أنها تعيش وتحلم بالطريقة نفسها. وهي إذ تبتكر نوعا مأهولا من العمارة في الرسم، فإنها لا تنفصل عن أبنيتها التي تقيمها بعد أن تكون قد عرضتها لعصف الزمن. تلك الأبنية المتآكلة والمندثرة هي الخيط الذي يصلها بالزمن.

إنها تفكر في الزمن كما لو أنه شيء شخصي ثمين فقدته وتسعى إلى استعادته، غير أنها تخشى الفشل في مهمتها.

الواقفة بين التاريخ والأدب

صورة

لا تجد الحديد في الصور مصدرا لإلهامها. فهي تتعامل مع مزاجها البصري بأسلوب أدبي تعبيري. لهذا السبب يمكن اعتبارها نموذجا مثاليا للفنان المعاصر الذي يفكر بطريقة ما بعد حداثوية. 

أعمالها في النحت وفي الرسم على حد سواء تقع في لحظة قطيعة مع تقاليد الفن التي كرستها مرحلة الحداثة. ليس هناك ما يمكن أن نسميه بالأسلوب كما أن الجمال لم يعد هدفا، إضافة إلى أن الفنان قد اكتفى بأفكاره التي هي ليست وسيلة للاتصال بما سبقها بل هي علامة يؤكد من خلالها على انفصاله الفكري والفني.

تعدد الفنانة مصادر إلهامها فتقول “السفر ولقاء أشخاص جدد والفن وكمية القهوة التي أحتسيتها في ذلك اليوم والأفلام والموسيقى وحتى الطقس. كل شيء يؤثر في أعمالي بطريقة ما”.

لا تذكر الحديد الطبيعة على سبيل المثال. لا صلة بين أعمالها وخيال الطبيعة. فهي لا تسعى من أجل أن تصل مغامرتها الفنية إلى بقعة كان الآخرون قد سبقوها إليها. ما تفكر فيه الحديد تأمليا ينصب على محاولة تحويل ما هو شخصي خاص إلى موضوعي عام. تلك تجربة خاضتها الفنانة بمهارة معتمدة على تقنيات ومواد لم تكن مستهلكة.

صورة

حظيت باهتمام الجامعات والمتاحف الفنية العالمية في زمن قياسي، وهي لا تزال في مقتبل العمر وبالرغم من أصولها العربية. لم يحدث ذلك الاهتمام إلا لأنها أدركت أن فكر ما بعد الحداثة لا يمكن استيعابه فنيا إلا من خلال تقنيات ليست مجردة بل ينبغي أن تكون مدعومة بفهم مختلف للتاريخ.

ذلك ما تتميز به الحديد وهي تلقي أسئلتها في وجه التاريخ بطريقة أدبية. ولكنها رفضت أن تظهر أي مسحة تعبيرية على أعمالها. تلك أعمال تجريدية خالصة يمكن للعين البريئة أن تستلهم منها صورا قد تمت بصلة إلى الواقع. ولكنها صلة وهمية.       

وفي كل الأحوال فإن أعمال الحديد لن تقول شيئا بعينه. ذلك الشيء الذي يتوقعه من ينظر إليها. إنها في حاجة إلى التأمل. ذلك ما ترغب الفنانة في أن يكون إطار صلتها بالمتلقي.

ديانا الحديد لا تسترضي متلقي أعمالها ولا تتودد إليه. إنها تستفزه من أجل أن يحرر نفسه من قناعات جمالية قديمة، ليرى الفن خارج قيود الجمال.

9