دراما المراهقين تدق ناقوس الخطر

مسلسل "مدرسة الروابي للبنات" يضرب المعول الأخير في البناء الهش للمؤسسات التربوية.
الأحد 2021/10/03
المسلسل يفكّك منظومة المؤسسات التعليمية

يعتبر علماء النفس مرحلة المراهقة بخصائصها ومعطياتها “أخطر منعطف يمرُّ به الشباب، وأكبر منزلق يمكن أن تزلّ فيه قدمه؛ إذا لم يجد التوجيه والعناية الصحيحين”، ومن أبرز المخاطر التي يعيشها المراهقون في تلك المرحلة كما يقول علماء النفس “فقدان الهوية والانتماء، وافتقاد الهدف الذي يسعون له، وتناقض القيم التي يعيشونها، فضلاً عن مشكلة الفراغ”. وتبقى هذه الفئة العمرية غاية في الأهمية وشخصيات ثرية لكن لم تقع الاستفادة منها ولا الاشتغال عليها فنيا بالشكل الكافي.

تحمل شخصيات المراهقين الكثير من الصفات المتناقضة الواقعة عليها بفعل المؤثرات الاجتماعية والثقافية المتداخلة، كالتقليد والمحاكاة، والصّراع الداخلي بين الرغبة في التقليد والاستقلال الذاتي، وهو ما ينسحب على مقومات الشخصية وتكوينها النفسي والجسماني؛ فتتسم بنية الشخصية الداخليّة بالانسحاب والانطواء الذاتي والبحث عن الهوية الشخصيّة والرغبة في الانفصال عن العائلة، والاغتراب والتمرّد والرفض والخشونة.

هذه الصّفات كفيلة بإنتاج شخصيات ثرية وإشكالية في ذات الوقت، بعيدة عن ثقافة القطيع، وما يزيد الأمر تعقيدًا هو التعويل الكبير على هذه الفئة باعتبار المراهقين هم مستقبل أي أمة، ومن ثمّ إعدادهم ليكونوا مواطني الغد.

ومع هذا الثراء إضافة إلى ما أتاحه الفضاء السبراني من تعميق لهذه المشكلات، بإتاحته الفرصة لهذه الشخصية التعبير عن نفسها سواء بصورتها الحقيقية أو من وراء قناع، لتحقيق ما عجزت عنه في الواقع، إلا أن الدراما لم تلتفت لهذه الشخصية على حدة، وتعاملت معها في الإطار العام للشخصيات، كأن تأتي في دور الابن أو الابنة، أو الطالبة، وما يتبع هذا من مشكلات هي جزء من مشكلات العائلة، لا أن تقف عند الشخصية في حدود مرحلتها العمرية ومنطلقاتها الفكرية، باعتبارها  إشكالية في حد ذاتها، وأن ما يحل على هذه الشخصية من سلوكيات بالإيجاب أو السلب هو بالتبعية نتيجة تأثُّرها بواقعها وتأثرها بأنماط الشخصيات المحيطة بها، سواء بالتقليد أو المخالفة والمعارضة.

فلنتساءل – بصوت عالٍ – عن كيفية حضور هذه المرحلة في الأعمال الدرامية؟ لا ننتظر كثيرا فالجواب حاضر هكذا، فالحضور لم يكن تمثيلاً حقيقيًّا، وإنما كمُكَمِّل لأحداث العمل وبناء الشخصيات؛ كأن يكون للأسرة أبناء في مثل هذا السن! ويتمّ المرور على مشاكل هذه الفئة مرورًا سطحيًّا، ليعكس مدى غياب دور الرقيب داخل الأسرة، أو إشارة إلى تفكُّك الأسرة، ودخول هذه الشخصية في صراع وانقسام بين تمردها على واقعها، ومحاولتها خلق واقع بديل بعيدًا عن التوجيهات والأوامر والنواهي التي تظل سيفًا معلقًا على رقابهم ما داموا في هذه المرحلة أي تحت الوصايا الأبوية.

وهذا الانقسام يجعل الشخصيات هلامية ذات ملامح ضائعة فهي مهزوزة ضعيفة الشخصية، واقعة تحت تأثير سلطة (كسلطة الأصدقاء أو سلطة الابتزاز) والنتيجة الطبيعية فإما تسقط الشخصية في الإدمان برفقة أصدقاء السوء، أو تنحرف في علاقات غير شرعية، مما يزيد من مشاكلها، وهو الأمر الذي يستغله أحد الطرفين من الأبوين لإثبات  فشل الطرف الآخر في تحمُّل مسؤولية التربيّة دون أن يضع نفسه كجزء من المشكلة ذاتها!

وهذا ما ظهر جليا في مسلسل “حضرة المحترم أبي” (2006) بطولة نور الشريف ومعالي زايد، وزينة وإيمان العاصي، وآخرين. وكذلك ما تعرض له مسلسل “يوميات ونبس” في أجزائه الأولى، (1994 – 2020) بطولة محمد صبحي وسعاد نصر.

نوافذ جديدة

فكرة المسلسل تدور في إطار مدرسة خاصة للبنات حول ظاهرة التنمر بين الفتيات

عبر هذه التنويعات جاء حضور شخصية المراهق داخل الأعمال الدراميّة؛ فهو ابن مُشتّت لعائلة لا يسود بينها الحب (على عكس ما بدأت حكايتهما) أو ضحية لانشغال الآباء عنه بحجة توفير حياة ملائمة وتدبير متطلباته، لكن هل تمّوضع هذه الشخصية (بكل أبعادها وحمولاتها) تحت مجهر أو عدسة مكبرة لتحليل تصرفاتها وسلوكياتها، ودراسة وأثر هذه التنشئة أيًّا كانت طبيعتها على تصرفات هذه الشخصية سواء في المدرسة أو في علاقاتها بأصدقائها؟ ثم هل تمّت متابعة التطورات والتغيرات التي لحقت بالشخصية مع دخول الإنترنت، وملاحظة المجالات التي تستحوذ على تفكيرها، أو التطبيقات التي تستحوذ على اهتمامها داخل هذا العالم الافتراضي الغريب؟ الجواب بكل يقين لا؟ وهو ما زاد من تفاقم المشكلات وميل الكثير من المراهقين للانحراف بسبب عدم وجود الموجه أو المرشد لهم!

وبناءً على ما سبق يمكن القول، حسنًا فعل منتجو الدراما– مؤخرًا – بالاهتمام بفئة المراهقين، وتقديم أعمال تتناسب مع طبيعة مرحلتها العمرية، وطرح أفكارها واختياراتها، التي بالطبع هي مختلفة عن ذويها، من الآباء والمعلمين الذين هم بمثابة الناصح الأمين لها (أو المرشد لها في سلوكياتها وأفعالها).

الاهتمام وصل إلى تناول فئات عمرية أصغر سِنا من المراهقة على نحو مرحلة الطفولة ومشاكلها التي تبدو بسيطة إلا أن آثارها مدمرة لاحقًا، فرأينا مسلسلات كـ”خلي بالك من زيزي”– بطولة أمينة خليل ومحمد ممدوح، والطفلة ريم عبدالقادر – الذي تناول مشكلة اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه عند الأطفال، وتأثير هذا على مستوي تحصيلها الدراسي، وسلوكياتها في مرحلة النضوج، وكذلك  ما ينتج عنه من تنمُّر يصل إلى حدّ العنصرية والإقصاء، وبالمثل الجزء الثاني من مسلسل “ليه لأ“-  بطولة منة شلبي وأحمد حاتم، والطفلان سليم مصطفى ومنى أحمد زاهر- الذي تعرض لمشكلة الأطفال مجهولي النسب، وفي نفس الوقت تعرض لتأثير الطلاق على الأطفال باعتبارهم الأكثر تضررًا منه.

هكذا طرقت الدراما والأصح وسَّعَتْ نوافذها لتطل على مشكلات أهم من مشكلات رجال الأعمال والمال ودراما البلطجة والأحياء الشعبية والكمبوندات التي لا تقدم جديدًا سواء استعراض الأزياء والقصور والسيارات والعلاقات الهشة وما يتبعها من خيانات، فتخلت عن هذا- في بعضها – والتحمت بمشاكل حقيقية تواجه الأسر في دولاب حياتها اليومي، حتى وإن تعالت- بعض الشيء – في معالجتها، ولكن الأهم أنها طرقتها واقتحمت عالمها.

ومن المسلسلات الدرامية التي اقتصرت على مشكلات المراهقين تحديدًا ما طرحته منصة نتفليكس مؤخرًا بعنوان “مدرسة الروابي للبنات” وهو العمل الثاني لها بعد مسلسل “جن” الذي قدمته في الأردن عام 2019، ومثلما أثار مسلسل “جن” الكثير من الجدل وردود الأفعال العنيفة المعارضة للمسلسل، انتهى بها الحال إلى مطالبة المدعي العام بوقف بثّ حلقات المسلسل في عمّان، خاصّة بعد تصريحات مفتي عام المملكة الأردنيّة الهاشميّة بأنّ المسلسل “بمنزلة انحدار أخلاقي ولا يُمثِّل عادات الأردنيين ولا التعاليم الإسلامية”؛ أثار- أيضًا – المسلسل الجديد الذي تعرض حلقاته مع بداية شهر أغسطس (2021)، حالة من الجدل – ولنقل الصحي هذه المرة – على مواقع التواصل الاجتماعي والصحف، خاصّة وأن المسلسل الجديد ابتعد عن المشاهد المنافية للآداب والألفاظ النابيّة التي مرّرها المسلسل الأوّل (جِن).

مثار الجدل لما تطرق له المسلسل من قضايا حقيقية، سلّط عليها الضوء، فلم يقف المسلسل عند الثيمة الأساسيّة التي بدأت منها الحكاية ألا وهي التنمّر وأثاره المدمرة على الشخصية الواقع عليها، وإنما عرض في سياقها لموضوعات إشكالية تتعرض لها فئة المراهقين، وإن كان قصر هذه المشكلات على فئة البنات (وهذا واضح في عنوان المسلسل)، إلا أنه لم ينس الطرف الثاني ودوره في الكثير من المشكلات التي وقعت فيها البنات، فكان حضوره موازيًّا أو مساويًّا على مستوى المشكلات وتأثيرها والنتائج أيضًا.

ربما واحدة من أسباب الجدال التي تزامنت مع عرض المسلسل، تكمن في اعتبار أن بعض هذه المشكلات تقتصر على البلد الذي دارت فيه أحداث  المسلسل (الأردن)، وهذا غير صحيح، فالمشكلات التي عرض لها المسلسل لا تقف عند حدود قطر بعينه، وإنما هي مشكلات واقعية وحقيقيّة تتجاوز المحاصصة والتوزيع الجغرافي، بل تتكرّر باطراد في واقعنا العربي على مختلف نظمه الحاكمة وأيديولوجياته المهيمنة، بتنويعات مختلفة – وربما بآثار أكثر خطورة – وإن كانت بخطوطها الرئيسيّة التي عرضها المسلسل.

مصارعة الوحوش

المراهقة مرحلة خطرة تعالجها الدراما
المراهقة مرحلة خطرة تعالجها الدراما

ينتمي مسلسل “مدرسة الروابي للبنات” إلى فئة المسلسلات القصيرة التي بدأت تنتشر مؤخّرًا في الكثير من منصات المشاهدة الرقميّة كـ”شاهد نت” و”نتفليكس”، فالمسلسل الذي جاء مترجمًا إلى أكثر من 32 لغة في 190 دولة حول العالم، وعرض- أيضًا – بالوصف الصوتي باللغة العربية لضعاف البصر والمكفوفين، والوصف النصي باللغة العربية لضعاف السمع؛ يتكوّن من 6 حلقات، حملت كل حلقة عنوانًا مختلفًا، فالحلقة الأولى كانت “المدرسة – مكاني المفضل”، الحلقة الثانية “وبدأت اللعب”، الحلقة الثالثة “واحدة تلو الأخرى”، الحلقة الرابعة “صفحة مكسورة”، الحلقة الخامسة كانت “غريبة”، الحلقة السادسة “هادئة- قبل العاصفة”.

فكرة المسلسل الذي كتبت له السيناريو والحوار تيما الشوملي وشيرين كمال، بالتعاون مع إسلام الشوملي، وإخراج تيما الشوملي؛ تدور في إطار مدرسة خاصة للبنات حول ظاهرة التنمر بين الفتيات، وتأثير التنمُّر على شخصياتهن؛ حيث تتحوّل إحدى الشخصيات الواقع عليها فعل التنمُّر إلى شخصية شريرة نقيضة لصورتها الأولى المسالمة المحبوبة من أساتذتها وزميلاتها، تقع في فخ ما حذر منه الفيلسوف نيتشه من قبل في كتابه ما “وراء الخير والشر” بقوله “احذر وأنت تُصارع الوحوش من أن تتحوَّل أنت ذاتك إلى وحش..”.

على الرغم من التبسيط الذي انتهت إليه المخرجة في معالجة ردّة فعل المتنمّرة، باتخاذ الانتقام وسيلة دفاع عن النفس، وإخراج الوحش الكامن في داخلها، وكأنها تريد أن تقول لنا إن العدوانية (خاصة العدوان – غير الخبيث – الدفاعي ) غريزة فطرية في الإنسان يشترك فيها الإنسان مع الحيوان عندما تتهدّد مصالحه الحيويّة، على نحو ما طرح إيريك فروم من قبل، إلا أن تأثيرات التنمُّر – في ظني وفقًا للواقع وما عرضته الدراما الأجنبية كمسلسل (defending-jacob الدفاع عن جاكوب) أقوى من هذا بكثير، ربما تتجاوز رؤية المؤلفة والمخرجة، حيث ثمّة نتائج خطيرة تصل إلى الانتحار أو القتل وغيرها من جرائم يُحاسب عليها القانون، حيت تتساوى غريزة الموت مع غريزة الحياة (الإيروس).

حسنًا فعل منتجو الدراما العربية بالاهتمام بفئة المراهقين، وتقديم أعمال تتناسب مع طبيعة مرحلتها العمرية، وطرح أفكارها

تبدأ أحداث المسلسل بالطالبة مريم (أندريا طايع) وهي تسرد في علاقتها الآثرة بالمدرسة باعتبارها المكان المفضّل؛ ففيها أصدقاء كثر، والحياة بها حلوة على خلفية مشهد الاعتداء عليها، الذي يحدث تحولًا كبيرًا في شخصيتها، فتتحوّل المدرسة إلى كابوس، هنا الكابوس لا يأتي بسبب كراهيتها للمدرسة أو ضعف مستواها التعليمي وتدني درجاتها، وإنما بسبب الغيرة التي تصل إلى حدّ الاعتداء بالضرب عليها، فكما تقول إحدى صديقاتها رقيّة (سلسبيلا) “إنها لم تكن في يوم صديقة لهم، فهي تشعر بأنها الأفضل وأحسن من الكل”، ولكن هل شعور الأفضلية والتفوق هو ما سبّب غَيرة وحقدًا لدى الآخرين؟ في ظنى هذا السبب وحده ليس كفيلاً بتولّد مشاعر الغيرة التي تحولت إلى تنمّر وحقد خبيث، خاصّة أن فعل التنمر وقع على الكثير من الطالبات في المدرسة، فقد صار فعلاً يوميًّا تمارسه جماعة ليان على غيرهن من الطالبات.

ليان (نور طاهر) هي زعيمة الفتيات المتنمرات، تُمارس تنمرها وسلوكياتها العنيفة على الجميع منذ لحظة جلوسها في باص المدرسة أثناء رحلة اليومية إلى المدرسة، فتستهل أفعالها العنيفة بالسخرية من مريم، ثم بعد ذلك من طالبة تجلس على المقعد المجاور، وعلى دينا (يارا مصطفى) صديقة مريم، بل يصل بها العنف إلى تجاوز العنف اللفظي والحركي إلا العنف المادي بالاعتداء البدني، فتسكب ترموس الشاي على دينا لأنها لم تستجب لها وتغير مكانها كما طلبت، وأثناء هروبها من الباص، تشير إلى إحدى الطالبات وهي تستعد لركوب الباص بإشارة الموت (قطع الرقبة ) لو كشفت عن هروبها، كما يتم الاعتداء على أخت نوف كتحذير من البوح بما رأت.

هكذا تبدو الشخصية الأولى من ضمن ثلاث شخصيات غير سويّة في علاقاتها بأصدقائها، تمارس السلطوية والعنف، كما تجبر الجميع على المداراة عليها وتغطية غيابها أثناء اليوم الدراسي، من أجل مقابلة صديقها الشاب، وفي واحدة من أحابيلها للإيقاع بمريم تسخر من تكوينها الجسدي البيولوجي أثناء مباراة كرة السّلة، ولا تكتفي بهذا بل تتطاول عليها في غرفة تبديل الملابس وتتهمها بالتحرش، كل هذا جميل، لكن ما هي العوامل التي دفعت هذه الشخصية لأن تكون بمثل هذه البشاعة؟ وإن كانت في نهاية المسلسل تظهر بصورة نقيضة تبدد هذه الصورة، وهو ما يؤكد أن كل شخصية تحمل في ثناياها الخير والشر، وهيمنة الشر على الخير له دوافعه، من خلال مشهد الدفاع عن نوف (ركين سعد) في حمام السباحة أثناء محاولة أحد مرتادي الحمام التحرش بها، بل دافعت في حقها كي تفضح المتحرش وهو ما رفضته نوف.

هذا هو السؤال الذي لم يجب عليه المسلسل، فغياب الأسرة وضعف الرقابة  ليس سببًا رئيسيّا – وإن كانا من جملة الأسباب – لحدوث التنمُّر! فواقع الأمر أن فعل التنمُّر لا يقتصر على شخصية لينا، بل تمارسه في غيابها رقية ورانيا (جوانا عريضة)، وكأن سلوكيات الشر والتعنيف موزّعة على فريق لينا، ومحاولة من فريق مريم (دينا ونوف) لوقف هذا الابتزاز غير المبرر، يلجأ فريقها هو الآخر إلى حيل للانتقام لا تقل ضررًا عن التنمُّر المباشر، فالانتقام يشوِّه صورة رقيّة ويحرمها من استكمال الدراسة، وينتهي فعل الانتقام إلى قتل لينا من قبل أخيها.

لكل إنسان ليل

Thumbnail

تنعم مريم بجوٍّ أسري مستقر، فعائلتها تتسم بالمشاركة والتعاون في الشؤون المنزلية وهذا واضح من قيام الأب بالواجبات المنزلية في غياب الأم التي تعود من عملها على مائدة الغداء مباشرة، كما يلاحظ ثمة متابعة – نوعًا ما – من قبل الأم، فأثناء شات (دردشة) مريم مع صديقها يأتي صوت أمها من الخارج، في إشارة إلى أن ثمة متابعة لما تقوم به الابنة. حضور عائلة مريم يطّرد داخل العمل كاشفًا عن علاقة قوية ودعم معنوي للابنة أثناء مرضها، في المقابل لا تظهر عائلات الفتيات المتنمرات إلا في مواقف نادرة، وإن كان حضور اسم عائلة ليان، بسلطويتها وهو ما انعكس على خشية مديرة المدرسة من تفعيل أي عقاب ضدها، فتكتفي بالإنذارات الشفويّة، والعمل على مداراة ما تقوم به من أفعال مشينة.

كشف المسلسل عبر مواقف مديرة المدرسة، عن ضياع هيبة المدرسة أقصد إدارتها مقابل الخنوع للمال، فالأمر لا يقتصر على التواطؤ وفقط، بل تجاوزه إلى السخرية من المدرسين والإدارة، فرانيا ورقيّة تتحدثان بفوقيّة واستعلاء مع المحقّق أثناء التحقيق في جريمة الاعتداء على مريم، فتسخر منه رانيا بحديثها عن (البريود) ومشاكل البنات الصحيّة، في حين رقيّة تخاطبه بنبرة استعلاء، كما أن منظر اتكائها للخلف بالكرسي أثناء الحديث يشي بنفوذها الذي لا نعرف مصدره، وهو ما يجعل المحقّق يتراجع ويخفّف من نبرة الاستجواب. وهذه الصُّورة تكشف عن فداحة تأثير رأس المال في العملية التعليميّة، ومع الأسف هو الأمر الذي تغوّل وصار دليلاً على الآثار السلبيّة للرفاهية، وهو ما يضع المؤسسات التعليميّة في دائرة الاتهام، فعجز الإدارة عن تعنيف وعقاب الطالبات بسبب قصر اليد وحاجاتهم إلى تحقيق منافع شخصية من أولياء أمور الطلاب، يفتح باب النقاش على الدور السلبي الذي تفعله هذه المؤسسات بعكس ما هو مأمول منها.

في مقابل حالة التساهل التي تعيشها ليان فأسرة رقيّة تتسم بالتزمت نوعًا ما، وهو بادئ على الصورة الخارجية لرقيّة، فهي ترتدي الحجاب، وأثناء حصّة الرياضة تكتفي بالمشاهدة ولا تلعب مع زميلاتها، وفي مرات نادرة نراها ترتدي زيًّا رياضيًّا ولكن فوقه الحجاب، وعندما تنتقم مريم من تنمرها عليها، تبتزها بصورة خلع الحجاب التي أرسلتها لصديقها، وهي الصورة التي كانت سببًا في فضيحتها ومنع أسرتها لها من الدوام في المدرسة، فالأسرة اكتفت بالعقاب السهل، وإن كان ثمة سبب آخر وراء ارتداء الحجاب.

المسلسل يتناول قضايا جوهرية لا تقتصر على المجتمع الأردني كالتحرش بالقُصَّر وسوء استخدام وسائل التواصل

فالحجاب ليس امتثالاً لتقاليد دينيّة نشأت عليها، وإنما هو حيلة لمداراة شكلها الذي ترى الأم “أن الله لم يمنحها قدرًا من الجمال، و- من ثمّ – كان يجب أن تشتغل على نفسها”؛ فهي الأقل جمالاً بين أخواتها وهو ما كان سببًا لقلق الأم عليها، بل تُحمِّلها مسؤولية ما ستتعرض له أخواتها من تأخّر النصيب بسبب الفعل الشائن. على النقيض نرى أسرة رانيا؛ فالمشهد الوحيد الذي يظهر فيه الأب، يكون في الصباح وهو سكير يعترض على ذهاب ابنته إلى رحلة المدرسة، وعندما تأتي الأم تُعطي لها إشارة الإذن بالخروج قبل أن تحصل على تأكيد بموافقة الأب.

أما أسرة ليان فتظهر في مشاهد محدودة، لكن مع اختفاء ليان مع صديق لها في منزله الخاص، يبدأ الأخ بتفعيل نسق الشرف والحفاظ على السُّمعة، فيحمل سلاحه ويتوجه إلى المكان الذي هي فيه، وما إن يصل حتى يشهر سلاحه، ويرفض أن يستمع لها، ونسمع طلقات الرصاص في إشارة إلى تفعيل نسق “لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم”، هكذا عكست خلفيات الطالبات لأسر مفكّكة أو غائبة بسبب المال والسلطة أو بفعل الإفراط في الشراب، وهو ما قاد الفتيات إلى هذا المصير المأساوي، إضافة إلى توغُّل سلطة الإنترنت التي ساعدت على اختلاق أنماط جديد للانتقام، واكتشاف بدائل بعيدة عن نطاق الأسر غير الموجودة فعليًّا.

شعار المدرسة كما تردده – دومًا – مديرة المدرسة (أستاذة فاتن القاضي) هو منح الفتيات تحمّل المسؤولية، لكن في الحقيقة الوسائل التي تنتهجها إدارتها من تهديد وتواطؤ، يدفع الفتيات إلى التخاذل وعدم قول الحقيقة وهذا ما حدث مع الطالبة “نوف” الشاهدة الوحيدة على ما جرى من اعتداء على مريم، فنوف مع استغاثة مريم لها لقول الحقيقة إلا أنها رفضتْ وخذلتها، والسبب أن إدارة المدرسة كانت تضغط على أسرة نوف التي مرت بتجربة طرد من مدرستها السابقة بسبب سرقتها للامتحان وتسريبه بين الطلبة، بأنه لو حدث شيء منها لطردتها من المدرسة، وهذه الوسيلة التي تشهِّر بها المديرة جعلت نوف شاهدة صامتة وعاجزة عن فعل أي شيء إلا بعد أن حدث الاعتداء على أختها الصغيرة، وكأننا لا نتحرك إلا إذا اقترب الخطر منّا، أمّا إذا كان بعيدًا، فنكتفي بدور المشاهد وفقط.

يطرح المسلسل فكرة الطبيب النّفسي، كضرورة لحل مشكلات المراهقين- وهو طرح محمود – في ظل بُعد المسافة بين الآباء والأبناء، فوالدة مريم بمجرد ما لفّقَتْ ليان لابنتها تهمّة التحرش، رفضت أن تسمع لابنتها، بل راحت تفتش في أغراضها كي تثبت لنفسها صدق ما حكته ليان، وبالفعل نشاهد جلسات لمريم مع طبيبة نفسيّة التي تنصحها بكتابة مذكراتها كنوع من التنفيس، وإن كانت هذه المذكرات ستكون – لاحقًا – سببًا لأزمة جديدة لمريم.

هنا تصير فكرة الطبيب النفسي والعلاج تهمُّة تطارد مريم من جديد، بدلاً من أن تكون حلاً لعلاج الكثير من المشكلات التي يمرُّ به المراهقون في ظل غياب الآباء وعجزهم عن الوصول لحل لها، الغريب أن المسلسل سقط في فخ التنميط لفكرة العلاج النفسي بالسُّخرية، واختزال المريض النفسي في صورة المجنون، وفي الحقيقة هي نظرة مجتمعية للمرضى النفسيين تتسم بالعنصرية والإقصاء، وكان الأولى أن يعمل المسلسل على تصحيح الصورة الذهنيّة التي كرستها أعمال دراميّة وسينمائيّة سابقة لهم، لا أن يكرّس للصورة النمطية ويؤكدها.

قضايا في المواجهة

تعامل المسلسل مع وسائل التواصل الاجتماعي كآفة وضرر لا بدّ من التخلص منها، وهو اتجاه ظاهر بقوة في المسلسلات الأخيرة  مثل – الموسم الثاني من المسلسل الاجتماعي – “ورا (وراء) كل باب” بحكايتيه؛ “كدبه (كذبة) كبيرة” و”عائلة جيجي”، وكذلك الموسم الثاني من مسلسل “إلا أنا” حكاية “بالورقة والقلم”، فمشهد السُّخرية من أستاذة عبير ومسز جومانا ورائحتها وعدم زواجها في حديث بين ليان وأصدقائها، أشار إلى أن التنكولوجيا الحديثة غير آمنة، بل هي- على الأصح – مصدر قلق وهتك للخصوصية.

ويتكرّر ذلك مرة ثانية من خلال صورة رُقيّة دون حجاب التي أرسلتها إلى صديقها، فالحساب كان مزيفًا، وهو ما كشف هو الآخر عن عدم الوثوق في الطرف الآخر الذي نتحدث عنه، فالطالبة “نوف” اخترعت هذا الحساب كنوع من الإيقاع برقيّة وقد تمّ. الغريب أن المسلسل توقف عند الجانب السلبي من هذا الفضاء السبراني دون أن يطرح فكرة استغلاله استغلالاً جيدًا فيما يفيد هذه الفئة، وينمِّي مهاراتها الإبداعيّة والتعليميّة.

طرح المسلسل على استحياء فكرة العوز دافعًا للخضوع والاستكانة للأقوى، فالحاجة إلى المال جعلت من سميّة (عاملة النظافة في المدرسة) ترضخ لابتزاز ليان وجماعتها في التجسّس على الآخرين، ويتكرّر هذا مع مريم فتستغلها في نشر التسجيل الخاص بليان ورقية ورانيا.

خطاب ليان لسميّة أثناء مساومتها على التجسس لحسابها، يكشف أن ثمة سلوكًا خاطئًا في شخصية ليان، فإلى جانب التنمُّر والعنف، فثمة عنصرية ضدّ الآخر الأقل منها، وليس فقط غيرتها من مريم، فهي تفعل هذا بناء على ما تستشعره من نفوذ أسرتها، هذا النفوذ الذي يجعل مديرة المدرسة تتغاضى عن هروبها من الباص (الحافلة) والاكتفاء بإنذارها شفويًّا، بل بنصيحتها بأن تنتقي صديقاتها لأن خبر هروبها جاء من إحدى صديقاتها. نفس الشيء تفعله  نبرة التهديد للمحقق بعد حادثة الاعتداء على مريم، والتلويح بسلطة الأب ونفوذه لمجرد أنه وجه إليها الاتهام، وهو ما نرى أثره على وجهه، وهو الأمر الذي يكشف قصورًا في التربية، فالعنصرية والتنمر والاستعلاء والسخرية جاءت جميعها لأنها لم تجد الرادع لها في البيت، فالأب الذي راحت تشتكي له تدخل أحد إخوتها في خصوصياتها، لم يناقشها، بل يردع الابن بألا يكرر فعلته، وهو ما جعلها تتمادى في أفعالها وتنتهي إلى تلك النهاية المأساوية.

في الحقيقة المسلسل فكّك منظومة المؤسسات التعليمية، وضرب المعول الأخير في البناء الهش للمؤسسات التربوية (البيت والمدرسة) فالمؤسسة التعليمية (وهنا نموذجها المدرسة، ممكن يتسع القوس  ليشمل الجامعة وغيرها من منابر التعليم)، فإضافة إلى غياب التعليم داخل المدرسة، بدأت تفتقد لدورها التربوي والأخلاقي، بالصورة التي ظهر بها ضعف إدارة المدرسة ممثلة في المديرة وشخصية الأستاذة عبير التي كانت مجالاً للسخرية من الطالبات.

تناول المسلسل قضايا جوهرية لا تقتصر على المجتمع الأردني كجرائم التحرش الجنسي بالقُصَّر، وجرائم الشرف امتثالاً للعُرْف، وسوء استخدام منصات التواصل الاجتماعي، وسلطة جمهور السوشيال ميديا في العقاب وغياب الخصوصيّة والتفكّك الأسري بغياب التواصل بين الآباء والأبناء وافتقاد حميمية الحوار فالأسرة لديها ما يشغلها عن متابعة الأبناء.

 وكذلك ضعف المؤسسة التعليمية، وهو الأمر الذي كان بمثابة دق ناقوس الخطر، بالضغط على الخُرّاج (تجمّع صديدي محمود) لا مجرد الاكتفاء بمحاولات العلاج بالمراهم والمسكنات، وتسليط الضوء على مثل هذه القضايا وبيان أخطارها في تهديد السّلم الاجتماعي والاستقرار الأسري، وهو ما كان بمثابة الصدمة المجتمعية التي لم يتقبلها البعض فهاجموا المسلسل، مع أن التناول الدرامي والحوار بين الشخصيات لم يبتعدا عن لغة الخطاب الاستهلاكي في التواصل اليومي أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث المزج بين اللغة العربية (الدارجة طبعًا) والإنجليزية.

وعلى مستوى التقنيات وُفِقَت المخرجة في اختيار الكادرات المعبرة عن لحظات الغضب والتنمّر والانكسار والرغبة في الانتقام واللامبالاة من جانب الأسرة، وكذلك في الوقوف عند زوايا الصورة على مستوى التصوير في الأماكن المفتوحة أو داخل المدرسة (وتحديد الحمام ) بما عكسته من كشف لدواخل الشخصيات، وما يعتريها من ضعف، كما وفق فريق العمل في اختيار الأغاني كخلفية للأحداث، وكانت منسجمة مع طبيعة أحداث كل حلقة، وكان التوفيق أيضًا حليفًا لمصممي الملابس والإكسسوارات التي عبرّت عن شخصية كل فتاة تعبيرًا أفصح عن الكثير من التفاصيل.

13