دبلوماسية الكمامات تعزز حظوظ الصين عالميا

الصين تستغل جائحة كورونا لتعزيز نفوذها في أفريقيا، وتوجه الجزائر شرقا يضرب النفوذ الفرنسي "في مقتل".
الثلاثاء 2020/04/07
من سيسبق الآخر

باريس - في غمرة انشغال الدول الأوروبية والولايات المتحدة بمواجهة تفشي جائحة كورونا، التي لا يقف عدادها عن حصد الآلاف من الضحايا يوميا، تعمل الصين بشكل حثيث على استثمار هذا الوضع للتغلغل وتعزيز نفوذها عبر منح مساعدات طبية للعديد من الدول ومن بينها دول أفريقية تواجه منظوماتها الصحية خطر الانهيار بفعل انتشار كوفيد – 19.

تمكنت الصين، التي كانت أول من ظهر بها فايروس كورونا، وتحديدا في مدينة ووهان (وسط)، من احتواء الجائحة والسيطرة على الوضع بفعل الإجراءات الصارمة التي اتخذتها ولاقت تحفظات عليها في البداية قبل أن تتحول إلى نموذج “ملهم” لدول تواجه الفايروس.

ولم تقف الصين عند ذلك “الإنجاز”، الذي نجحت في التسويق له بشكل ملفت في وقت أظهرت فيه دول مثل الولايات المتحدة تخبطا في مواجهة خطر الجائحة، بل وحرصت بكين على تحويل الأزمة الطارئة إلى فرصة لتحقيق اختراقات على صعيد العلاقات الدولية وفتح آفاق جديدة لتعزيز تموقعها على الصعيد العالمي، في الوقت الذي تقوقعت فيه الدول الكبرى المنافسة على نفسها وبات هاجسها الوحيد إنقاذ مواطنيها من خطر كورونا.

وحذت روسيا حذو الصين من خلال عرضها هي الأخرى إرسال معدات وطواقم طبية للعديد من البلدان. أثار هذا التحرك الصيني الروسي، في سياق ما يطلق عليه “القوة الناعمة”، حفيظة دول أوروبية، وأساسا فرنسا، التي سارعت إلى انتقاد استغلال الدولتين للجائحة للدعاية السياسية.

بكين حرصت على تحويل الأزمة الطارئة إلى فرصة لتحقيق اختراقات على صعيد العلاقات الدولية وفتح آفاق جديدة

وذهب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى حد تحميل بكين ضمنيا المسؤولية عن تفشي كورونا من خلال اتهامها بعدم الشفافية، وعدم تحذيرها المجتمع الدولي مسبقا من خطورة ما يجري على أراضيها، ما منح فرصة لانتشار الفايروس خارجها.

ويقول خبراء إن موقف باريس الغاضب جاء أساسا لاستغلال كل من الصين وروسيا شعور دول أوروبية، مثل إيطاليا وإسبانيا (المتضررتان الرئيسيتان من كورونا)، بتخلّي فرنسا وألمانيا عنها في أوج محنتها، والتقدم لملء ذلك الفراغ. ولعلّ ما زاد حنق باريس مسارعة الصين على وجه الخصوص لتعزيز تموضعها في مناطق نفوذها التاريخية لاسيما في القارة الأفريقية.

وكانت وصلت قبل أيام إلى أديس أبابا دفعة أولى من معدات وقائية وطبية كان تبرع بها الملياردير الصيني والشريك المؤسس لشركة علي بابا جاك ما لتوزيعها على الدول الأفريقية لاحقا.

وقد خصت الصين الجزائر باهتمام لافت، حيث أفادت وكالة الأنباء الصينية الرسمية “شينخوا”، الأسبوع الماضي، بأن بكين قرّرت بناء مستشفى في الجزائر، لتوفير الرعاية الصحية للمصابين بكورونا. وقالت الوكالة الصينية إن نحو أربعة آلاف عامل صيني ونحو خمسة آلاف جزائري سيعملون معا من أجل إنجاز هذا المشروع، فيما لم تشر الوكالة إلى المكان الذي سيشيد فيه أو آجال إنجازه، وكذلك طاقة استيعابه للمرضى.

وكانت الصين أرسلت مؤخرا إلى الجزائر بعثة تضم مجموعة من الأطباء المختصين في الأمراض التنفسية فضلا عن مساعدات طبية من بينها أسرّة إنعاش.

معادلة صفرية

المساعدات الطبية الصينية طعم لغزو أفريقيا
المساعدات الطبية الصينية طعم لغزو أفريقيا

يشهد نفوذ باريس في القارة السمراء تحديات كبيرة بفعل المنافسة الشرسة سواء من قبل بعض شركائها في حلف شمال الأطلسي على غرار واشنطن أو من قبل بكين وبدرجة أقل نسبيا موسكو.

ويقول خبراء إن باريس، التي لطالما وصف تعاطيها مع البلدان الأفريقية بالاستعلائي، غاب عنها أن الوضع الدولي تغير وأن أفريقيا نفسها تغيرت وبدأت العديد من دولها (ليس فقط الجزائر) تحاول الانفلات من القيد الفرنسي وربط شراكات وعلاقات مع دول مثل الصين.

وتكشف لغة الأرقام أن الصين تحولت في السنوات الأخيرة إلى رقم صعب في المعادلة الاقتصادية الأفريقية. وأصبحت الشريك الأساسي للعديد من بلدان القارة السمراء وفي مقدمتها جنوب أفريقيا وإثيوبيا في حين بدأت دول أخرى مثل ونيجريا والكونغو إلى جانب الجزائر تسلك ذات الطريق.

وتشير دراسات عدة إلى أن الصين استثمرت في أفريقيا نحو 300 مليار دولار حتى موفى العام 2019، وأن هناك نحو  2500 شركة صينية، تهم القطاعات الحيوية مثل البنية التحتية والاتصالات والطاقة، منتشرة في ربوع القارة.

وتفيد توقعات خبراء الاقتصاد بأن تبلغ قيمة الأرباح المالية التي تجنيها الصين من القارة السمراء بحلول 2025، 440 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 144 في المئة.

نفوذ باريس في القارة السمراء يشهد تحديات كبيرة بفعل المنافسة الشرسة
نفوذ باريس في القارة السمراء يشهد تحديات كبيرة بفعل المنافسة الشرسة 

وعلى خلاف السياسة الفرنسية التي تستند على نظرية المعادلة الصفرية في تعاطيها مع أفريقيا، بمعنى أن تحوز على كل المكاسب دون أن يحصل الطرف المقابل على أي شيء، فإن الصين تتبنى سياسة مختلفة نسبيا أبرز دعائمها إغراء الدول بقروض ومنح ذات فوائد منخفضة، ما يجعل الدول الأفريقية تميل أكثر فأكثر صوب الصين خاصة مع زيادة حالة الرفض الشعبي لتلك الدول للوجود الفرنسي.

وكان تصريح وصف بالاستفزازي لطبيبين فرنسيين عن اختبار لقاحات ضد فايروس كورونا في أفريقيا قد أثار في الأيام الأخيرة موجة غضب، حيث ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بفيديوهات تنتقد هذا التصريح الذي يعكس وفق الكثيرين العقلية الاستعمارية التي تتعاطى بها باريس، وقد انضمت إلى تلك الحملة وجوه سياسية وإعلامية ورياضية بارزة.

نجحت الصين بشكل كبير في استثمار قوّتها الناعمة في  القارة السمراء عبر الإعلام والتعليم، وقد ضاعفت الصين منذ العام 2003 نسبة استقبالها للطلاب الأفارقة بثلاثين مرة، على أمل أن يتحول هؤلاء إلى سفراء لها في بلدانهم. واليوم تضيف بكين قطاع الصحة كعنصر أساسي في قوتها الناعمة للمزيد من توثيق الروابط مع بلدان القارة.

هذا الأمر جعل باريس على ما يبدو تتعالى على جراح كورونا وتحاول التحرك لكبح الاندفاعة الصينية، وما دعوة وزير المالية الفرنسي برونو لومير إلى اتخاذ تدابير مثل “تجميد” سداد الديون لمساعدة أفريقيا إلا محاولة للعودة وإثبات الذات.

نادي باريس

اهتمام صيني لافت بالجزائر في محاربتها الفايروس
اهتمام صيني لافت بالجزائر في محاربتها الفايروس

قال الوزير الفرنسي، في مؤتمر صحافي بعد أيام قليلة من دعوته مجموعة العشرين لاتخاذ تدابير إزاء البلدان التي قد تجد نفسها في وضع مالي صعب، “تقع على عاتقنا مسؤولية تجنب وقوع مأساة في البلدان النامية، وخاصة في أفريقيا”.

وأكد “نحن نؤيد تجميد ديون الدول الأكثر فقرا في الأشهر المقبلة”، مشيرا إلى أن “نادي باريس، الذي لديه خبرة بهذه الحالات، عليه أن يكون رائدا لهذه المبادرة”.

ولفت لومير إلى أن فرنسا تدعم “فكرة حقوق السحب الخاصة من صندوق النقد الدولي بقيمة تصل إلى 500 مليار دولار” و”طرح خط ائتمان جديد وسريع لإكمال خط تسهيلات التبادل لدى البنوك المركزية لدعم البلدان التي هي في أمس الحاجة إليها”.

وتعد حقوق السحب الخاصة نوعا من العملات التي استحدثها صندوق النقد الدولي، ويتغير سعرها وفقا لسلة من العملات الصعبة. أما خطوط تسهيل التبادل فهي أدوات للحماية من مخاطر نقص السيولة بالعملات الأجنبية، وعادة ما تستخدم للدول التي تقترض بالدولار وتنخفض قيمة عملتها مقابل الدولار، مما يجعل سداد ديونها أكثر صعوبة.

ويستبعد خبراء أن يقود التحرك الفرنسي إلى فعل على أرض الواقع لاسيما مع انهماكها في الحرب ضد كورونا وما تخلفه من ضغوط هائلة على اقتصادها فضلا عن كون مثل هذه الخطوة تحتاج إلى دعم الشركاء الدوليين وهذا أيضا غير متوقع في ظل عدم وجود توافق على سياسات موحدة في مواجهة “التنين الصيني”.

6