خط الخدمات الساخن بوابة الإعلام المصري لاستعادة الجمهور

صحف وفضائيات ومواقع إلكترونية تتحول إلى جسر إغاثة للمصابين بفايروس كورونا.
الثلاثاء 2020/06/02
المواطن يتابع ما يهمه

اتخذت وسائل إعلام مصرية مبادرة اجتماعية بتخصيص صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي وهواتفها المباشرة للمساعدة وإغاثة المواطنين في تيسير خدمات صحية مع ازدياد حالات الإصابة بفايروس كورونا، فاستقطبت جمهورا كبيرا أعاد إليها الثقة مجددا.

كشف انتشار جائحة كوفيد – 19 عن دور جديد لوسائل الإعلام المصرية، من فضائيات وصحف ومواقع إلكترونية، يتمثل في مشاركتها في مد جسور التواصل بين المصابين المحتملين بالمرض وخدمات الصحة المباشرة.

وبدت الظاهرة في القاهرة على وجه الخصوص، أكثر وضوحا مع ارتفاع أعداد المصابين، وعدم كفاية الخطوط الساخنة التي أعلنت عنها وزارة الصحة في التواصل مع المصابين، ما دفع بعضهم إلى اللجوء إلى الفضائيات والصحف عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي وهواتفها المباشرة طلبا للمساعدة والإغاثة في العمل على تيسير توفير أسرّة وخدمات العلاج.

وتكرار التوجّه حوّل الأمر إلى ظاهرة أتاحت الفرصة لبعض وسائل الإعلام لتستعيد جانبا من مكانتها في الشارع، بعد انصراف الجمهور بشكل كبير، وخصصت أرقاما للرد على شكاوى المصابين المحتملين، بينما قامت وسائل أخرى باستغلال طواقمها الإعلامية ذات الصلة بوزارة الصحة لتوصيل شكاوى وطلبات الجمهور.

عباس الطرابيلي: الخدمات المباشرة للجمهور جزء لا ينبغي تفريط الإعلام به
عباس الطرابيلي: الخدمات المباشرة للجمهور جزء لا ينبغي تفريط الإعلام به 

وكان من الواضح وفقا لتصاعد الظاهرة أن الجمهور العام لم يفقد ثقته بشكل كامل في وسائل الإعلام، وبات هناك مَن هم على قناعة حقيقية بقدرة الإعلاميين على الاستفادة من قربهم من دوائر صنع القرار في مجال الصحة ونقل شكاوى وطلبات البعض، إلى مسؤولي الصحة بهدف مساعدتهم بصورة عاجلة.

وكشف أحد رؤساء تحرير برامج الأخبار اليومية في إحدى الفضائيات المصرية، طلب عدم ذكر اسمه، أن طاقم إعداد البرنامج الذي يترأسه يتلقى يوميا مئات الاستغاثات من متصلين يعانون من احتمالات الإصابة بفايروس كورونا لتوفير فرصة لهم لإجراء المسحة الطبية اللازمة للتأكد من ذلك.

وقال لـ”العرب”، إن الخطوط الساخنة الخاصة بالصحة منشغلة معظم الوقت، بينما يمكن الاتصال بشكل أيسر بالبرامج الفضائية التي تتيح خدمات الاتصال.

ويقوم المتصلون بعرض بعض الشكاوى خاصة في ظل صعوبة الحصول على بروتوكول العلاج المعمول به في حالة العزل المنزلي، أو تدهور الحالة الصحية بشكل يلزم نقل المريض إلى المستشفى، ما يدفع الفريق الإعلامي لنقل استغاثات الجمهور بشكل مباشر للجهات الرسمية لتوفير الخدمات.

وفي حالات أخرى يكون على مُعد البرنامج أو الصحافي عبء مباشر في الاتصال بالمستشفيات المخصصة للعزل بنفسه للبحث عن مكان قريب بالمتصل يمكن نقله إليه بعد تعذر تواصل المريض بخدمات الإسعاف بشكل مباشر.

وساد الحديث في السنوات الأخيرة عن خروج وسائل الإعلام تماما من دائرة التأثير في الشارع المصري، وتصور البعض أن الشبكات الاجتماعية شغلت الفراغ الإعلامي وأصبحت أكثر تأثيرا، وطرح كثيرون تصورات حول اضطرار معظم وسائل الإعلام إلى تقليص خدماتها والتقوقع في نطاق محدود يقتصر على تلميع المسؤولين.

وأرجع أصحاب تلك السيناريوهات انصراف الجمهور العام إلى تزايد القيود على حرية التعبير، وضعف المحتوى الإعلامي، وغياب الكفاءات الحقيقية، مع ارتفاع تكاليف المعيشة الذي دفع الكثير من الناس لتفضيل شراء أي سلعة تقليدية بدلا من الصحيفة.

ويبدو أن تلك التصورات باتت غير دقيقة، فما زال المواطن العادي يعتقد أن الإعلامي أكثر قدرة على الوصول للمسؤولين من غيره، ما يدفعه للجوء إليه حال الشعور بالخطر الداهم، ليس فقط بحثا عن المعلومة الصحيحة، وإنما أيضا لتوفير الخدمات بشكل أيسر.

وأكد الإعلامي أيسر الحامدي، مقدم برنامج “أنا الوطن” على قناة المحور المصرية، لـ”العرب”، أن الفضائيات لديها فرصة حقيقية لاستعادة التلاحم مع الجمهور بشكل أكبر من مواقع التواصل الاجتماعي من خلال خدمات دعم المواطنين في مواجهة كورونا.

ويعيد الاهتمام بوسائل الإعلام كمنصات للشكوى أو طلب الاستغاثة إلى الأّذهان ما جرى في الشهور الأولى لثورة يناير سنة 2011 من غياب تام للأمن في الشارع المصري، وحرص كثير من المواطنين على التواصل مع الصحف والفضائيات لمساعدتهم في طلب النجدة أو الإبلاغ عن أي خطر.

وأوضح الحامدي، أن الجانب الخدمي والإنساني لأي وسيلة لا يمثل خصما من دور الإعلام الجاد، فصحيح أن مهمة الإعلام توصيل المعلومة، وتقديم صورة شفافة للواقع، لكن في ظل ظروف استثنائية تسمح بتوسيع الدور المنوط بالصحف والفضائيات وبكافة وسائل الإعلام المقروء والمرئي.

ويرى خبراء أن الدور الإنساني للإعلام يضرب عصفورين بحجر واحد، إذ يمثل مساهمة حقيقية في تيسير خدمات معطلة وإيصالها إلى الجمهور، ويصب إيجابيا في زيادة الإقبال على الوسيلة الإعلامية المقدمة للخدمات.

الجانب الخدمي والإنساني لأي وسيلة لا يمثل خصما من دور الإعلام الجاد، فصحيح أن مهمة الإعلام توصيل المعلومة، لكن في ظل ظروف استثنائية تسمح بتوسيع الدور المنوط بكافة وسائل الإعلام

وشدد الكاتب الصحافي عباس الطرابيلي أن باب الخدمات الإنسانية يُمكن أن يشكل فارقا كبيرا في إعادة تسليط الأضواء على الصحف والمواقع الإلكترونية، وقد تنجح بعض المؤسسات في كسب الجمهور من خلال القيام بدور الجسر بينه وبين الجهات الرسمية.

وقال في تصريحات لـ”العرب”، إن الخدمات المباشرة للجمهور تمثل جزءا لا ينبغي التفريط فيه لدى وسائل الإعلام، وأنه قضى نحو سبعة سنوات رئيسا لتحرير جريدة يومية حزبية، وهي “الوفد”، وكان يلاحظ كثيرا زيادة أرقام التوزيع خلال الأيام التي يتم فيها نشر أبواب خدمية، مثل شكاوى الناس إلى المسؤولين، أو نماذج امتحانات المراحل التعليمية المختلفة، أو فرص العمل المتاحة لدى بعض الشركات والجهات.

وتعتبر وسائل الإعلام المصرية أفرادها بمثابة متطوعين محتملين للمشاركة في مواجهة كورونا، فمع تطبيق حظر التجوال الجزئي في البلاد استثني منه الإعلاميون، ما دفع بعضهم إلى عرض خدماتهم مجانا للراغبين في توصيل الأدوية أو الطعام إلى كبار السن خلال فترة الحظر.

وتعد استجابة وسائل الإعلام للباحثين عن خدمات الصحة أمرا إيجابيا، لكنه لا يعني أن وسائل الإعلام ستستعيد مكانتها بسهولة، إلا إذا تولدت لدى بعضها الإرادة لتعظيم وتوسيع خدمات الإعلام من خلال التأكيد على أهمية الإلتزام بالشفافية، وعدم الاكتفاء بنقل البيانات الصحافية للمسؤولين دون طرح قصص المواطنين.

وإذا كان هناك مَن يشكك في تحسن أوضاع الإعلام مستقبلا نتيجة الجائحة، واستند إلى أن المواطنين لديهم مثل شعبي يحبون استخدامه كثيرا يقول “إن الغريق يتعلق بقشة”، وأن وسائل الإعلام قد لا تعني للناس سوى تلك القشة التي يتعلقون بها دون يقين أو ترجيح لفعالية دورها، فإن هناك مَن يحمل انطباعات متفائلة، مفادها أن هناك فرصة لا بد من استثمارها واستغلالها بشكل مناسب.

18