خامنئي يغير استراتيجيته في مواجهة الضغوط

المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يؤلب الشارع في إيران ضد روحاني وظريف.
السبت 2019/05/25
المرشد الأعلى يمهد الطريق لعودة المتشددين في إيران

حول المرشد الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي الانتباه في إيران ناحية الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف بتحميلهما مسؤولية فشل الاتفاق النووي، وما انجر عنه من تصعيد ضد إيران، في خطاب يكشف عن نظرة خامنئي للصراع، ويفضح عن تحولات في استراتيجيته في مواجهة التضييق الدولي المتصاعد ضد إيران.

طهران - وجّه المرشد الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي انتقادات حادة للرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية جود ظريف. واعتبرا أنهما المسؤولان عن التطورات الحاصلة والتصعيد الأميركي الأخير ضد إيران، بسبب الاتفاق النووي في تعليقات تبين قوة المتشددين المتنامية.

ليست المرة الأولى التي يكون فيها الرئيس روحاني كبش فداء النظام، ففي ذروة الاحتجاجات نهاية العام 2017، حمّل المحافظون والحرس الثوري الرئيس الإيراني مسؤولية تدري الوضع. لكن، اللافت في تصريحات خامئني الأخيرة أنها المرة الأولى التي ينتقد فيها السياسيين بأسمائهم وبشكل مباشر.

انتقد المرشد الأعلى رئيس الجمهورية ووزير خارجيته علنا، وقال إنه لا يوافق على كيفية تطبيق الاتفاق النووي الذي تفاوضت عليه طهران مع القوى العالمية سنة 2015، ضمن تعليقات غير مسبوقة تأتي وسط تزايد توترات بين طهران الولايات المتحدة بعد عام من انسحاب واشنطن من الاتفاق (خطة العمل الشاملة المشتركة).

سعى خامنئي إلى النأي بنفسه عن ما يجري من تصعيد خارجي ضد طهران يرفع من مستوى التوتر في الشارع الإيراني، وقال، خلال محاضرة رمضانية، نقلها موقعه الرسمي على الإنترنت، إنه لم يثق كثيرا في الوسيلة التي دخل بها الاتفاق النووي حيز التنفيذ. وأشار إلى أنه أبلغ الرئيس ووزير الخارجية بذلك.

مرونة بطولية

لسنوات، انتقد المتشددون الاتفاق لأنه منح الكثير من التنازلات لصالح الغرب. وقبل أن يصبح الاتفاق حقيقة، منع خامنئي أي حديث علني حول المفاوضات مع الولايات المتحدة، أي إلى أن شعر بضغط العقوبات في عام 2011، وبعد أن وعد المعتدلون وإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الإيرانيين بآمال الانفتاح ورفع العقوبات، سمح للمحادثات بالمضيّ قُدما.

عبّر خامنئي ضمنيا عن موافقته على الصفقة التي أثار توقيعها احتفالات عفوية امتدت عبر إيران، واستغلها واصفا تحوّله الجذري كحالة من “المرونة البطولية”.

وتم توقيع الاتفاق، ورفع جزء كبير من الأموال، لكن لم يجن الإيرانيون، الذين انتخبوا حسن روحاني لولايتين، أي ثمار، بل تعقدت أوضاعهم الاقتصادية، وارتفعت نسبة البطالة وتوسعت رقعة الفقر في البلاد.

عند انتخاب ترامب، حذّر خامنئي علنا من أن إيران قد تحرق الاتفاق “بالنار” ردا على تهديد ترامب بـ”تمزيق الاتفاق”. نفذ ترامب وعده، لكن خامنئي لم يستجب لتهديده.

وفي أواخر سنة 2017، انفجر الوضع، وخرج الإيرانيون في مظاهرات تجاوزت للمرة الأولى الخطوط الحمر وانتهكت قدسية الثورة الإسلامية وكسرت حصانة المرشد الأعلى، حيث رفع المحتجون شعارات منها ما ينادي بـ”الموت لخامنئي” و” الموت للدكتاتور”.

تصاعد الوضع في سنة 2018. ومع الانسحاب الأميركي بدأت الصفقة تنهار، وأعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات القديمة وأضافت عليها عقوبات جديدة أكثر صرامة.

فشل الرئيس الإيراني. وخسر ثقة حلفائه الأوروبيين. واشتد الصراع بينه وبين المحافظين داخل إيران. وبدأت سلطته تنحسر.

وحكم على شقيقه الذي كان من المستشارين الرئيسيين في الاتفاق النووي لعام 2015 بالسجن باتهامات غير محددة تتعلق بالفساد وأصبح منافسه ابراهيم رئيسي يرأس القضاء، كما أن حكومته تتعرض لانتقادات بسبب فتور ردها على الضغوط..

يفسر هذا التراجع تصعيد خامنئي، ومن ورائه المحافظين والحرس الثوري، ضد روحاني وظريف، اللذين سبق وأن قال خامنئي عنهما إنهما بذلا كل ما كان في استطاعتهما من أجل إلغاء العقوبات.

خطاب مراوغ

إيران تماطل في انتظار معرفة ما إذا كان سيعاد انتخاب ترامب سنة 2020. وستنتهي ولاية روحاني سنة 2021، مما يسمح لخامنئي باستبدال المفاوضين الذين لا يثق بهم مثل ظريف
إيران تماطل في انتظار معرفة ما إذا كان سيعاد انتخاب ترامب سنة 2020. وستنتهي ولاية روحاني سنة 2021، مما يسمح لخامنئي باستبدال المفاوضين الذين لا يثق بهم مثل ظريف

يصف مهدي خلجي، محلل الشؤون الإيرانية في معهد واشنطن، خطاب المرشد الأعلى بالمتناقض، وهي استراتيجية يتبعها المرشد الأعلى.

ويفسر خلجي ذلك بقوله إن إحراز أي تقدم مع النظام الحالي في إيران يكمن في فهم التناقض بين كلمات خامنئي وأفعاله. فتصريحاته مصمّمة لإظهار موقف ثوري متصلّب بشأن جميع الأمور الأساسية، إلاّ أنّ سجل سياسته يكشف النقاب عن روح حذرة غير انتحارية وغير محصّنة ضد مواطن الضعف الناجمة عن الضغوط الداخلية.

لا يدعو المرشد الأعلى الإيراني إلى استبدال روحاني وظريف، لكن كلماته تحد من تأثير إدارتهما المعتدلة المتناقص. واشتكى الرئيس الإيراني أمام رجال الدين من محدودية صلاحياته التنفيذية، داعيا إلى إرجاع صنع القرار إلى الرئاسة. وعبّر خامنئي عن رفضه، مؤكدا على معارضته لفكرة إعادة النظام البرلماني لتشكيل الحكومة وإلغاء النظام المعمول به في إيران.

ولم يستجب روحاني ولا ظريف لتعليقات خامنئي. ولطالما كان هذان الطرفان هدفا للمتشددين الذين يقولون إنهما تنازلا عن الكثير في مفاوضات طهران مع الغرب. ودعا البعض إلى تشكيل حكومة يقودها الجيش لمواجهة الولايات المتحدة.

ورغم كل هذه الانتقادات، تبقى إزاحتهما عن الحكم أمرا بعيدا. وكان خامنئي قد ساهم في تدهور العلاقات مع الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد والرئيس الإصلاحي محمد خاتمي في ولايتيهما الثانية.

ومؤخرا، قدّم ظريف استقالته في فبراير ولم يحضر اجتماعا مفاجئا جمع الرئيس السوري بشار الأسد وخامنئي في طهران، لكنه وافق على البقاء في منصبه بعد ذلك.

مع لوم الرئيس حسن روحاني ووزير الشؤون الخارجية محمد جواد ظريف على امتناعهما عن تنفيذ أوامره بشأن الصفقة، يشير خامنئي إلى طرق رد فعل الجمهورية الإسلامية من الآن فصاعدا.

ماذا سيفعل خامنئي مع تزايد الضغوط
ماذا سيفعل خامنئي مع تزايد الضغوط

وكتب المحلل في مجموعة أوراسيا، هنري روما “في الوقت الحالي، من المرجّح أن تركز طهران على تعزيز النفوذ على الولايات المتحدة في المجاليْن النووي والإقليمي، قبل أن توافق على إجراء محادثات محدودة”.

ويعتقد المحللون أن إيران تماطل في انتظار معرفة ما إذا كان سيعاد انتخاب ترامب سنة 2020. وستنتهي ولاية روحاني سنة 2021، مما يسمح لخامنئي باستبدال المفاوضين الذين لا يثق بهم مثل ظريف.

وقال مهدي خلجي “يمكن لخامنئي أن يرسل مفاوضين من الحرس الثوري بدلا من المؤسسة الرئاسية، للتفاوض بشأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية الذي يسيطرون عليه”.

وأضاف “يمكن أن تظهر البوادر الأولية لنقطة انهيار أخرى إذا رأى النظام أن التهديد العسكري الأميركي حقيقي وأن مواجهته مكلفة لدرجة لا يمكن تحملها، وإذا كان يعتقد أنه سيزيد العبء الذي يثقل كاهل الدولة مع المصاعب الاقتصادية الناجمة عن العقوبات الاقتصادية وعوامل أخرى”.

وأكد خامنئي أن إيران لا تريد التصعيد العسكري. ولكنه لم يعلن السبب الذي يكمن في عدم قدرة البلاد على تحمّل مواجهة مسلحة مباشرة مع الولايات المتحدة. لذلك، يعتمد النظام في طهران على الحرب غير المتناسقة بالوكالة، والإرهاب، وغيرها من الإجراءات التي يمكن تنفيذها ثم إنكارها. ويشير خلجي إلى أن رغبة النظام تتمثل في بقاء إيران قوة “مخيفة” دون الالتجاء إلى حرب مباشرة.

6