خالدون عابرون للحدود بلا وطن ولا هوية

"الحرس القديم".. فيلم خيال علمي يسبر نزعة الإنسان في استشراف المستقبل.
الاثنين 2020/08/03
فتاة حسناء بقدرات خارقة

يبقى عنصر الزمن تحديّا للبشر ولطالما عبّرت عنه سينما الخيال العلمي من خلال رحلات عبر الزمن باتجاه المستقبل، أو باتجاه السعي لتغيير الأقدار والمصائر من خلال الانتقال إلى أزمنة أخرى. ما يولّد لدى المشاهد تساؤلات عديدة كما يمنحه في نفس الوقت مساحة واسعة للاكتشاف.

في فيلم “الحرس القديم” للمخرجة غينا برنس بيثوود لن نرحل مع الشخصيات عبر الزمن ولن تتم عملية إيقاف الزمن ولا الرحيل إلى المستقبل، بل إننا سوف نكون مع شخصيات هي في حد ذاتها قاهرة للزمن ومن فصيلة الخالدين الذين لا يهلكون، وإذا أصيبوا فجراحهم سهلة الالتئام والشفاء.

وبسبب هذه القابلية الخرافية يلتقي أربعة أشخاص تقودهم أندي (الممثلة تشارليز ثيرون) التي بقيت في الأذهان عن دورها المميز في الجزء الأخير من فيلم “ماد ماكس” وأفلام أخرى.

ها نحن في المشهد الافتتاحي في مراكش بالمغرب، حيث يلتقي الفريق الذي لن يتورّع عن السفر إلى أقاصي الأرض لتنفيذ عمليات نوعية في مقابل المال. لننتقل إلى أفغانستان حيث يتم تعقّب جندية المارينز نيل (الممثلة كيكي لاين) التي يكتشف الفريق أنها تنتمي إلى فئة الخالدين، وبهذا يتم اختطافها من أفغانستان إلى فرنسا حيث يقيم الخالدون في منجم متروك منذ العشرات من السنين ولا أحد يعرف طريقه.

هكذا يتم تصميم هذه الدراما عبر خليط من المغامرة والحركة والعنف والجريمة، لتمتزج هذه المواصفات بنوع من الخيال العلمي من خلال فكرة عبور الزمن.

ها هي أندي الفاتنة، رشيقة الحركة، ذات القدرات القتالية الفريدة، تستعيد تاريخ مجيئها إلى الحياة إلى قرون خلت، إذ ليس مستغربا أنها كانت قد شاركت في الحروب الصليبية هي وصديقة لها قاتلت مع نابليون بونابرت.

أندي الإنسانية تقود دراما طويلة ولا نهاية لها في رحلة عابرة للقارات والدول، لكنّها وهي تتوّج انتصاراتها لا تعلم ماذا يخبئ لها القدر؟

الفتاة، وهي في أوجّ تحرّكاتها تكون مرصودة ومشخّصة من قبل عميل في الظل للمخابرات الأميركية، يعمل بالتنسيق مع شركة أدوية عملاقة لغرض القيام بأبحاث يتمّ من خلالها البحث في الجينات الوراثية للخالدين، ونقل أسرارها للبشر العاديين الذين تهلكهم الأوبئة والأمراض، وهو ما يدفع إلى اختراق المجموعة من خلال خيانة واحد منهم.

هي وشاية غير متوقعة يرتكبها بوكر (ماثياس شونيرتس) بأن دلّ على مكان اختباء المجموعة لتشتبك مع قوة خاصة مدرّبة، هدفها هو اقتياد المجموعة لغرض إجراء تجارب عليهم.

الفيلم يمزج بشكل فريد بين المغامرة والحركة والجريمة والعنف والخيال العلمي مستعرضا فكرة عبور الزمن
الفيلم يمزج بشكل فريد بين المغامرة والحركة والجريمة والعنف والخيال العلمي مستعرضا فكرة عبور الزمن

الجانب الإنساني المرتبط بالشخصيات يعزّز البناء الدرامي المُتقن في هذا الفيلم، فبوكر وهو يستعرض محنته التي دفعته للوشاية بالمجموعة يتولّد لديه شعور بالوحدة، إذ أن أفراد الأسرة يشيخون أمامه فيما هو باق، ويموت أحباؤه بين يديه بينما هو باق. والهدف هنا إنهاء هذه الدائرة المغلقة من الديمومة القاسية، والتي يراها بوكر حلا لمعاناته ومعاناة أندي التي تربطه بها مودّة خاصة.

وترى أندي في ما فعله بوكر خيانة على الرغم من تبريراته، لكن هذه الطعنة تتزامن مع انتقالها هي إلى بداية النهاية، إذ تكون صدمتها وصدمة الجميع أن جراحها لم تعد تندمل بسهولة كما الخالدين.

في مشاهد الاقتتال الدامي الذي تبرع فيه أندي غالبا، مستخدمة سيفا ورصاصة في الجبين، تقدّم لنا صورة خيالية للخالدين فهم يتلقون الرصاص وتسيل دماؤهم وتتكسّر أعضاؤهم ثم ما يلبثون أن يعودوا كما كانوا، لكن الحبكة التي تم بثّها في وسط هذه النجاحات هي عدم التئام جرح أندي ما يشكّل صدمة للجميع.

ولا بد هنا من وقفة وجدانية وإنسانية عميقة، تعبّر عنها نيل في مواجهة مع أندي أن هذا النوع من الصراعات لا أخلاقي، إذ أن أندي لم تتورّع عن قتل مسلّحين مجهولين في محراب الكنيسة، كي تتساءل نيل، هل سيستمر هذا القتل إلى ما لا نهاية؟

هنا سنكون أمام منعطف حاد، حيث تقرّر أندي صرف نيل عن الانضمام إلى المجموعة. ولكن الأقدار تشاء أن تكون نيل هي المنقذة عندما تغيّر موقفها وتعود لتكتشف أن المجموعة كلّها قد تم احتجازها في مركز أبحاث للأدوية يقوم بكل العمليات اللا أخلاقية من أجل الاستحواذ على السوق.

ونعود مرة أخرى إلى الأخلاقيات التي يقدّمها الفيلم، إذ يقول مدير شركة الأدوية إنه قتل عشرات الآلاف من فئران التجارب للوصول إلى علاجات، وها نحن مع مجموعة الخالدين الذين سوف يبقون يعطون قطعا من أجسادهم لغرض إجراء التجارب عليها.

لا شك أن المخرجة غينا برنس بيثوود نجحت في تقديم دراما فيلمية متماسكة وفيلم حركة مميز، كما نجحت في ذلك المزج بين الخيال العلمي والحركة والعنف وإبراز قضية الخالدين من وجهة نظر الأعمال العظيمة التي قاموا بها لإنقاذ حياة الآلاف من البشر عبر التاريخ، وهو ما تظن نيل أنه يشفع لهم أفعالهم في القتل من دون تردّد ولا رحمة.

16