حياة عمامو: نعم الإسلام يعيش أزمة حقيقية

المؤرخة التونسية في حوارها مع "العرب": فهم الموروث الديني وتفكيكه يدحضان أطروحات الحركات الإسلامية.
الخميس 2020/10/22
الجدل بشأن الإسلام وعلاقته بالحداثة واللائكية لا ينتهي

قالت المؤرخة التونسية، حياة عمامو، إن أزمة الإسلام “حقيقية” وتعود إلى فترة ما بعد استقلال الدول العربية والإسلامية، مشيرة في حوار مع “العرب” إلى أن تفكيك الموروث الديني وإعادة فهمه يذللان العقبات أمام المسلمين.

تونس – يعيش العالم على وقع جدل يتصاعد إثر تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن الإسلام الذي قال إنه يعيش أزمة في كل نقطة من هذا العالم.

وزادت حادثة قتل الأستاذ الفرنسي صامويل باتي من حدة النقاشات الجارية بشأن هذه التصريحات حيث ذُبح مدرس التاريخ وهو يخرج من مدرسته على يد لاجئ شيشاني ما جعل فرنسا تُطلق حملة قوية ضد المتطرفين.

وفي تعليقها على الحادثة وما رافقتها من نقاشات حول الإسلام وأزمته شددت حياة عمامو، المؤرخة التونسية، على أن الإسلام يعيش أزمة حقيقية تعود حتى إلى فترة ما بعد استقلال الدول العربية المسلمة.

وأكدت عمامو في حوار مع “العرب” أن تفكيك المنظومة الدينية الموروثة لفهمها من جديد هو الحل الأمثل للعرب والمسلمين لكي يحرزوا التقدم المنشود، مضيفة أن لا أحد يملك الحقيقة المطلقة بشأن التاريخ ووقائعه.

وحياة عمامو هي مؤرخة اهتمت كثيرا بتاريخ الإسلام المبكر حيث ألّفت العديد من الكتب والأبحاث في هذا الصدد، من بينها “السلطة وهاجس الشرعيّة في صدر الإسلام”، “أصحاب محمّد ودورهم في نشأة الإسلام”، و”أسلمة بلاد المغرب: إسلام التأسيس من الفتوحات إلى ظهور النحل”،  و”تصنيف القدامى في السيرة النبويّة” وغيرها من المقالات المتعلقة بالتاريخ الإسلامي المبكر.

وعمامو أكاديمية أيضا حيث سبق أن رأست كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس بين سنتي 2008 و2011.

أزمة الإسلام

أزمة إسلام أم مسلمين؟
أزمة إسلام أم مسلمين؟

تقود السلطات الفرنسية منذ أيام حملة قوية ضد الأشخاص المشتبه في انتمائهم لـ”الإسلام الأصولي” وذلك بعد مقتل مدرس التاريخ والجغرافيا صامويل باتي على يد لاجئ شيشاني ما أثار جدلا واسعا خاصة بعد تصريحات ماكرون عن الإسلام وهي تصريحات استثمرها الإسلاميون لمهاجمة باريس.

وفي حوارها مع “العرب” تؤكد حياة عمامو أن الإسلام يعيش أزمة حقيقية، وهي تعود إلى مرحلة ما بعد استقلال البلدان العربية والمسلمة حيث عاشت هذه البلدان في القرن التاسع عشر سجالات كبيرة بشأن السبل المؤدية للحاق هذه الشعوب بالغرب والأمم المتقدمة لكن دون التخلي عن الإسلام بوصفه قيمة حضارية وليس بوصفه دينا فقط.

وقالت عمامو “في ذلك الوقت اختلفت الآراء؛ هل نعود إلى السلف الصالح أم نأقلم الإسلام مع القيم الجديدة.. واستمر ذلك الخلاف حيث أفرز اتجاهين، واحد ينادي باللائكية وقيم مقاومة الشعوب للاستعمار وغيرها وآخر تزعمه رشيد رضا الذي تحالف مع الإخوان المسلمين عام 1928 والذي ذهب في اتجاه الراديكالية الإسلامية والمناداة بالعودة إلى السلف الصالح والتنكر لما يحدث في الغرب باعتباره لا يليق بقيم الدين الإسلامي”.

وتستدرك “لكن هذا الصراع غاب منذ فترة، لم تحدث فيه جدلية تنتج فكرا إصلاحيا حيث انخرط الجميع في الحركات المنادية بالاستقلال.. وفي هذه الحركات وعند نشأة دول الاستقلال سواء في مصر أو تونس أو المغرب وغيرها وقع إقصاء الإسلاميين (جماعة الإخوان) الذين تحولو إلى أعداء لهذه الدول الوطنية”.

وحول السياسات التي توختها دول ما بعد الاستقلال تشدد عمامو على أنها كانت “رهانات خاسرة” حيث استمرت الأزمة وغابت الحلول الكفيلة باللحاق بركب الدول المتقدمة.

ويرى مراقبون أن انتقادات ماكرون اللاذعة للإسلام الأصولي والتي تردد صداها كثيرا خاصة في الفترة الأخيرة تشير إلى تغلغل جماعة الإخوان هناك.

وفي هذا الصدد، تشدد عمامو على أن هذه الجماعة نجحت في اختراق المشهد الإعلامي العربي والأجنبي مستفيدة من دعم العديد من الأنظمة الخليجية وغيرها.

وتقول بأن “صعود الأيديولوجيا الوهابية في فترة ما وتوفر الإمكانيات المادية لديها من الأمور التي جعلتها تتحالف مع الإخوان المسلمين من أجل بلورة بديل يكون تعويضا لدول ما بعد الاستقلال التي فشلت.. وهذه الحركة تربط بين ثلاثة أوجه على الصعيد الأيديولوجي الوهابية والصعيد السياسي الإخوان المسلمين والصعيد الاقتصادي المتمثل في البيترودولار”.

تاريخ الإسلام المبكر
تاريخ الإسلام المبكر 

ظاهرة إعلامية

تُشدد حياة عمامو على أن هذا التحالف مكّن الدعاة وغيرهم من ترسانة إعلامية تبث طوال الوقت من أجل التأثير في المسلمين، من النجاح في مسعاهم على حد تعبيرها.

وتقول عمامو “هذه الإمبراطورية الإعلامية تمكنت من اختراق الأنظمة ودول ما بعد الاستقلال، كما أثّرت في الشعوب التي تبين لها في ما بعد أن الإسلام في خطر لتصبح هذه المنظومة منظومة شعبية نشأ من خلالها الإسلامُ السياسي في مختلف توجهاته وتحركاته بما في ذلك المتطرفة منها”.

وتُضيف بأن “الأزمة التي يتحدث عنها ماكرون هي أزمة خطيرة وقديمة لكن ما يجب أن نسجله بصفة واضحة هو أن الإسلام السياسي الذي تطور وترعرع بتحالف بين الإخوان والحركة الوهابية هو في الواقع من صنع الغرب.. لا أقول هذا من منطلق الإيمان بالمؤامرة.. أنا لا أؤمن بالمؤامرة”.

وأوضحت المؤرخة التونسية “في زمن الثورات العربية في 2011 دعم الغربيون الإسلام السياسي بالمال وغيره من أجل أن يصل إلى السلطة ويتخلص هو منه خاصة أنه (الإسلام السياسي) ترعرع في بريطانيا وفرنسا وغيرها”.

وتؤكد عمامو على أن مسؤولية الغرب ولاسيما فرنسا تكمن في أنه لم يقم بسياسة الإدماج بالنسبة للمهاجرين وخاصة للإسلاميين منهم “هو قام بسياسة إقصائية جعلت مسألة الهوية جامدة، وهي مسألة متطورة في الزمن والفكر، ما أدى إلى إبطان هوية جامدة سلفية تريد أن تجعل من الإسلام مناكفا ومنافسا لما يوجد في الغرب من أجل إحياء ما يسمى بالثقافة العربية الإسلامية التي كانت في وقت ما قائدة للعالم”.

وأثارت حادثة قتل المدرس الفرنسي ذبحا حيث نكل به لاجئ شيشاني جدلا واسعا ليس في فرنسا فحسب بل في كافة أرجاء العالم بين مبرر للحادثة على أساس أنها تأتي في سياق الثأر ممن “يسيء للرسول” وبين منددين بها وبأشكال العنف والتطرف.

وفي هذا السياق تقول الباحثة التونسية “ذبح الأستاذ يندرج في إطار ما يسمى بمحاكم التفتيش التي عرفتها أوروبا (إسبانيا وفرنسا وإيطاليا..) حيث وقع الذبح والتنكيل والتعذيب للعديد من الناس باسم المسيحية والكنيسة.. والإسلام لا يشذ عن بقية الديانات السماوية التي جاءت في سياق تاريخي معين جعلها تكون بعيدة عن منظومة حقوق الإنسان”.

وتتابع “هذه الديانات ترى أنها لا تمس سواء الإسلام أو المسيحية أو غيرها لكن المنطق يتغير بتغير السياقات التاريخية.. نحن في منظومة الحداثة أو حتى ما بعد الحداثة أصبحنا لا نتحدث عن الإنسان من خلال المنظومة الدينية وإنما نتحدث عنه من خلال المنظومة الحقوقية التي تضمن حق الرأي والتعبير والمعتقد والحق في الحياة التي تتعارض مع القيم الدينية”.

وترهن عمامو التخلص من التطرف وغيره بتفكيك الموروث الديني وفهمه لتجاوز الصعوبات والعراقيل التي تعترض المجتمعات العربية والإسلامية قائلة “أنا لا أدعو إلى القطع مع هذا الموروث أو الإبقاء عليه لكن ضروري مراجعته وتفكيكفه.. هذا الموروث يمثل القضية المحورية بالنسبة لنا”.

الإسلام والحداثة

حياة عمامو تؤكد أن مسؤولية الغرب، ولاسيما فرنسا، تكمن في أنه لم يقم بسياسة إدماج بالنسبة إلى المهاجرين وخاصة منهم ذوو التوجه الإسلامي
حياة عمامو تؤكد أن مسؤولية الغرب، ولاسيما فرنسا، تكمن في أنه لم يقم بسياسة إدماج بالنسبة إلى المهاجرين وخاصة منهم ذوو التوجه الإسلامي

تُعيد النقاشات التي تُطرح حول المسلمين والتطرف إلى مدار الاهتمام التساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء عدم بلوغ العرب والمسلمين الحداثة وعلاقة الإسلام بذلك.

وتقول عمامو “إن هذه التساؤلات لم تعد لها أي قيمة لأن هناك من يتحدث عن مرحلة ما بعد الحداثة أصلا في الغرب”.

وأضافت أن “المسار الذي أراد بناءه المفكرون في القرن التاسع عشر لم يكن اتجاهه مستقيما وإنما وقع إجهاضه منذ بداية القرن العشرين ما جعله يعيش العديد من الأزمات التي جعلت الحداثة في البلدان العربية والإسلامية تعود إلى نقطة الصفر مع تطور ما سمي بالتيارات السلفية”.

وتشدد المؤرخة التونسية على أن الحداثيين والذين يطرحون قضايا الحداثة لم يتفطنوا إلى الأزمات التي شهدتها البلدان العربية والإسلامية قبل الاستقلال وبعده مشيرة إلى أن “هذه البلدان لم تطور نفسها بعد الاستقلال” ما جعل قضية الإسلام تعود ليس من وجهة نظر فكرية إنما من وجهة نظر سياسية.

وبالنسبة لعمامو فإن الأنظمة السياسية في هذه البلدان “تواطأت” مع هذه العودة حيث سخّرت الإمكانيات الإعلامية وغيرها لاستمالة الشعوب قائلة “هذه الأنظمة وخاصة بعد هزيمة 1967 لجأت إلى الإسلام السياسي وأصبحت تطبع معه وأخذت منه العديد من الأشياء.. مثلا في تونس لم يكن الأذان موجودا في الإذاعات لكن بعد هذه الأزمة وتطور الإسلام السياسي وهيمنته أضحى يوجد الأذان وأولت الأنظمة اهتماما كبيرا للصلوات والأذان وغيره”.

وتختم المؤرخة التونسية بالقول إن “التيارات الإسلامية نجحت في أن ترسخ في أذهان الناس بما في ذلك الساسة والذين يديرون الأنظمة الاستبدادية ما بعد الاستقلال فكرة أن الدين الإسلامي في خطر وهذا نراه في مصر وتونس وغيرها”.

13