حكاية "بالورقة والقلم" تناقش قضية الانتقام عبر مواقع التواصل الاجتماعي

قصة هاكر يحوّل حياة أسرة مصرية إلى جحيم.
الخميس 2021/10/07
مشكلات الواقع الافتراضي تفرض سطوتها على المعيش اليومي

وجد بعض منتجي الدراما في مصر في المشاكل التي تتسبّب فيها مواقع التواصل الاجتماعي وتمثل إزعاجا للكثيرين مادة خصبة لأعمالهم التلفزيونية، ونجحوا في تقديم مقاربات فنية حولها، كانت لها أصداء إيجابية لدى جمهور أصبح أشدّ قلقا من الأزمات التي يواجهها جراء عدم احترام الخصوصية مع نشاط بعض المحترفين والمدمنين في اختراق الحسابات الشخصية لآخرين بغرض ابتزازهم أو تدمير حياتهم.

القاهرة - اقتربت حكاية “بالورقة والقلم” التي عرضتها شبكة “دي.إم.سي” المصرية قبل أيام من إحدى النتائج السلبية التي يمثلها عالم السوشيال ميديا والخاصة بقيام البعض باختراق الهواتف والكمبيوترات والتنصّت عليها أو تدمير ما تحويه من بيانات ونشر معلومات زائفة للنيل من أصحابها، وهي العمود الفقري لهذه الحكاية التي جاءت ضمن أحداث الفصل الثاني من المسلسل الشهير “إلاّ أنا” في موسمه الثاني.

حكاية “بالورقة والقلم” بطولة يسرا اللوزي وعلي الطيب وعماد رشاد ونور محمد وحسام الجندي وياسمين سمير وريهام الشنواني، وفكرة يسري الفخراني، وسيناريو وحوار الثلاثي أمين جمال ومحمد أبوالسعد وشريف يسري، وإخراج محمد بكير، ومدير تصوير بسام إبراهيم، وديكور كارم محمود.

ويشير اختيار عنوان “بالورقة والقلم” إلى أن كل شيء يتم احتسابه بدقة لدى البطلة “ليلى” التي تجسّدها يسرا اللوزي، بينما الرسالة التي تقولها الحلقة العاشرة والأخيرة من الحكاية هي أن كل شيء لا يجب حسابه بالورقة والقلم، أو بمعنى أدقّ القاعدة الشهيرة التي يتعلمها التلاميذ في مراحل التعليم الأولى أن المقدّمات المنطقية تؤدّي إلى نتائج منطقية مشكوك في صوابها، فقد تكون الصدفة أو الحظ أقوى من المنطق.

رسالة فنية مزدوجة

المسلسل يُعالج ظاهرة اختراق بعضهم لمواقع التواصل لتدمير ما تحويه من بيانات ونشر معلومات زائفة للنيل من أصحابها

بالطبع لا يقصد طاقم العمل قول ذلك مباشرة، لكن الرسالة أو الانطباع الذي يصل إلى المُشاهد يحوي معنى قريبا منها، قد يكون الهدف ترك أكبر مساحة للعواطف التي يمكن أن تضبط الحياة والتوازن فيها باعتبار أن إعمال العقل دائما له عواقب وخيمة في العلاقات الإنسانية، وهو ما وصلت إليه الطريقة التي تُدير بها ليلى حياتها مع من حولها وما تعرّضت له من صدمات.

تعمل ليلى مديرة تسويق بشركة مستحضرات تجميل، وتدخل في خلافات مزدوجة إحداها مع زميلها في العمل “يوسف” ويقوم بدوره الفنان نور محمود، ويعمل مديرا للمبيعات بالشركة نفسها، وهو شخص نبيل ومعجب بها وتضعه موضع شكّ، والأخرى مع خطيبها “هشام” ويقوم بدوره الفنان علي الطيب، ويعمل مهندس كمبيوتر ولديه شركة متخصّصة في أمن المعلومات، ورغم انفصالها عنه بسبب عدم التوافق، إلاّ أنها كانت تثق به أكثر من يوسف الذي تصوّرت أنه يريد تدمير حياتها.بالطبع لا يقصد طاقم العمل قول ذلك مباشرة، لكن الرسالة أو الانطباع الذي يصل إلى المُشاهد يحوي معنى قريبا منها، قد يكون الهدف ترك أكبر مساحة للعواطف التي يمكن أن تضبط الحياة والتوازن فيها باعتبار أن إعمال العقل دائما له عواقب وخيمة في العلاقات الإنسانية، وهو ما وصلت إليه الطريقة التي تُدير بها ليلى حياتها مع من حولها وما تعرّضت له من صدمات.

وتعالج الحكاية اختراق خصوصية ليلى وأسرتها، إذ يتمكّن هشام من التجسّس على هواتف أسرتها ومواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بهم، ويستغل ذلك في تكبيدهم خسائر باهظة والنيل من سمعتهم، وتعتقد ليلى أن من يقوم بذلك هو يوسف.

استغرق الشكّ في يوسف نحو أربع حلقات من الحكاية التي تتكوّن من عشر حلقات، وهي مدة زمنية منطقية لأن مؤلفي العمل حرصوا على أن يكون السياق الدرامي متدرجا وواقعيا، وظهرت بعض الشواهد التي تعزّز عدم الثقة من جانب ليلى في يوسف أو نور محمود الذي يرسّخ أقدامه في الأعمال الدرامية التي شارك فيها مؤخرا، وأبرزها مسلسل “هجمة مرتدة” وقام فيه بدور ضابط مخابرات مصري يتابع شبكة تجسّس خارج البلاد.

Thumbnail

أسبغ محمود حيوية على دور يوسف ووضع عليه لمسة إنسانية تبدو جزءا من شخصيته الحقيقية، لأن التلقائية التي يتمتّع بها تدعم أحقيته بهذا الدور الذي أخرجه من قالب الضابط الذي جسّده في أكثر من عمل سابق، لأن الحكاية تضمّنت مأساته مع طليقته، ورعايته لطفلته وحياته مع والدته المليئة بالحب والحنان، وهو ما حرص عليه المخرج كي ينفي صفة الشكّ الذي صمّمت ليلى عليه تجاه يوسف.

بدا السياق العام ملتبسا في بعض المشاهد، لأن المخرج لم يظهر حقيقة يوسف في الحلقات الأولى وتركها غامضة إلى حد بعيد كنوع من التشويق والإثارة وجذب الانتباه لمفاجأة ما، وجاءت النقلة في القصة عندما أصرّ على مساعدة ليلى لتبرئة ساحته أمامها مع تحوّل إعجابه بها إلى حب، تأكيدا للمثل الشعبي المصري “ما حب إلاّ بعد عداوة”، كإشارة أيضا إلى التلقائية التي تسبق الحسابات المنطقية أحيانا.

وجاء فكّ اللغز أو “الماستر سين” من عند فني كمبيوتر وليس خبيرا أو متخصّصا أو أكاديميا، فهو شاب بسيط على دراية بأساليب “الهاكرز” تمكّن من توضيح الحقيقة وإزالة الشبهات التي حامت حول يوسف من قبل ليلى واصطحبها إلى صديقه الفني المقيم في منطقة شعبية، وتمكن من تحديد من قام باختراقات هواتف أسرتها من خلال قدرتها على الوصول إلى بعض الرسائل واللينكات وتتبّع مصدرها، وهو دليل آخر على أن كل شيء لا يجب حسابه بالورقة والقلم.

كانت المفاجأة أن هشام، خطيب ليلى السابق، هو الذي وقف خلف كل المشاكل التي تسبّبت في تشويه سمعتها وتكبيد أسرتها خسائر مادية ومعنوية متعدّدة، من هنا بدأت تتأكّد من براءة يوسف وتثق به في مساعدتها لكشف زيف خطيبها السابق.

قدّم الفنان علي الطيب دور هشام بطريقة فنية جيدة تحمل العديد من التناقضات التي أظهرت موهبته، فهو مهندس كمبيوتر بارع ولديه شركة ناجحة، لكنه منحرف في أداء عمله ويضع الفايروسات في أجهزة عملاء يتولى صيانة كمبيوتراتهم ويقوم بإزالتها باعتباره الخبير الأول في ذلك كخدعة فنية لضمان ارتباط العملاء به.

وهو عمل لا يقوم به شخص سويّ، لذلك برّرت الحكاية تصرفاته وأرجعتها إلى عقده الشخصية وانفصال والده عن والدته وتربيته بصورة خاطئة قادته إلى التحوّل لشخص مضطرب نفسيا يُريد معرفة كل شيء عمّن حوله كي لا يكرّر خديعة والدته في والده، وهي زاوية مستهلكة في الدراما المصرية، والجديد فيها ربطها بالسوشيال ميديا.

طريقة خطابية

مديرة تسويق ناجحة تقع ضحية انتقام بارد
مديرة تسويق ناجحة تقع ضحية انتقام بارد

يعاب على حكاية “بالورقة والقلم” اعتمادها في بعض المشاهد على الطريقة الخطابية التي بدت عليها يسرا اللوزي بما لا يتناسب مع نعومة الأداء الذي يتراكم في الشخصيات التي تجسّدها، إذ أرادت الانتقام من هشام ردا على ما فعله معها وأسرتها، وقد يكون السياق الدرامي استجوب هذا الخيار للمحافظة على سخونة الأحداث ومنع تبريدها أو فتور الجمهور في التفاعل معها، أو عملا بالمثل القائل “الجزاء من جنس العمل”.

كان مشهد المواجهة بين ليلى وهشام متوازنا من الناحية الفنية وتصويره وديكوراته معبّرة إلى حد بعيد، فلم يتجاوز في حقها بعد أن فضحته أو يرتكب جريمة حمقاء كمضطرب نفسيا، بل دخل في نوبة من الانهيار والتفسير والتبرير كدليل على طبيعة شخصيته الغريبة وأن ما قام به لا يخرج عن كونه ضعفا إنسانيا مركبا.

ولا تزال اللوزي تنتقي أدوارها وتحرص على أن تطرح من خلالها قضايا تهم شريحة عريضة من الناس، ووجدت في حكاية “بالورقة والقلم” ما يلبي هذا الهدف، خاصة أن القالب الاجتماعي الطاغي على مسلسل “إلاّ أنا” يُساعد على إبراز طاقاتها كفنانة تجيد استخدام تعبيرات وجهها ونبرة صوتها المنخفضة، ونجحت في الانتقال من الانفعال إلى الهدوء من دون أن يشعر الجمهور بالاغتراب مع أي تحوّل درامي.

ويفرض نجاح الحكايات المختلفة التي تقدّم في الدراما المصرية ضمن أعمال اجتماعية مُعاصرة على غرار “إلاّ أنا” و”وراء كل باب” و”ليه لأ” تقديم المزيد منها، غير أن الخطورة أن يقع أصحابها في فخّ التكرار، لأن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت مادة شيقة وقاسما مشتركا في بعض الحكايات، وهي مقدّمة للدخول في مرحلة الاستهلاك أو النضوب الفني، ومن الضروري توسيع المعالجات الدرامية والتمدّد إلى قوالب أخرى بعيدا عن الجوانب الاجتماعية السلبية التي تطرحها السوشيال ميديا.

16