حسابات حماس تعيق مساعي مصر لتحقيق إنجاز في إعمار غزة

حركة حماس ترنو إلى اعتراف غربي عبر التمسك بتولي إعادة الإعمار.
السبت 2021/06/12
مصر تستثمر سياسيا وماليا في القطاع

تكثف مصر جهودها لتسريع إطلاق ورشة إعمار قطاع غزة، بيد أن الأمر لا يخلو من صعوبات في ظل مواقف حركة حماس التي تسعى لترجمة ما تحقق في الحرب الأخيرة إلى إنجازات سياسية، أهمها الحصول على اعتراف غربي بنفوذها ودورها في الساحة الفلسطينية.

غزة - تسعى مصر جاهدة للبناء على الإنجاز الدبلوماسي الذي توصلت إليه الشهر الماضي بتهدئة التصعيد الأخير بين الفلسطينيين والإسرائيليين، من خلال العمل على إطلاق ورشة إعادة إعمار قطاع غزة، بيد أن هذه الجهود تصطدم بحسابات حركة حماس.

وتسعى مصر إلى إقناع حماس التي تسيطر على القطاع منذ العام 2007، بضرورة أن تتولى السلطة الفلسطينية الإشراف على هذا الملف، أو التسريع في تشكيل حكومة وحدة وطنية تتولى المهمة، لاسيما في ظل وجود مواقف إسرائيلية وأميركية ترفض أن تتولى حماس لعب أي دور خشية استفادتها من المساعدات الدولية.

وتقول المحلّلة المستقلة في الاقتصاد السياسي سارة سميرشاك “لا شك أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يرى في مساعدات إعادة الإعمار استثمارا في النفوذ السياسي، سواء عند الحدود المصرية مع غزة أو على المستوى الدولي”.

الرئيس عبدالفتاح السيسي يرى في إعمار غزة استثمارا سياسيا
الرئيس عبدالفتاح السيسي يرى في إعمار غزة استثمارا سياسيا

ويشير أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة مصطفى كامل السيد إلى أن “هذا الإنجاز سوف يجعل صوت مصر مسموعا داخل الصفوف الفلسطينية”.

وأعلن السيسي في 18 مايو تقديم مساعدة قدرها 500 مليون دولار إلى غزة للمساهمة في إعادة إعمار القطاع الذي تدمّرت أبنية كثيرة وبنى تحتية فيه بعد قصف إسرائيلي مكثف. وكانت إسرائيل والفصائل الفلسطينية قد توصلتا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة مصرية دخل حيّز التنفيذ فجر 21 مايو الماضي.

وخلال النزاع الذي تفجّر في العاشر من مايو، أصدر السيسي تعليماته إلى السلطات بفتح معبر رفح للسماح للمصابين الفلسطينيين بالعبور لتلقي العلاج في المستشفيات المصرية. وكذلك، أرسلت مصر أطنانا من المساعدات الطبية والغذائية للقطاع الفقير المحاصر.

ويعلّق كامل “بالتأكيد مبادرة إعادة الإعمار جزء من استعادة مصر لدورها في الإقليم”، لكنّ متابعين آخرين يرون أن هذا الإنجاز سيكون تحقيقه صعبا في ظل مواقف حماس التي تسعى لترجمة ما تحقق ميدانيا في حرب غزة إلى إنجازات سياسية.

وتسعى الحركة الإسلامية الفلسطينية للحصول على اعتراف دولي ولاسيما أميركي بها وبنفوذها، ومن هنا هي تحاول فرض أمر إشرافها على ملف إعادة الإعمار، ورفض تمكين السلطة الفلسطينية من لعب أي دور في هذا الملف.

وأبدت حماس مؤخرا تعنتّا حيال تشكيل حكومة وحدة تتولى المهمة، مشدّدة على ضرورة إجراء انتخابات أولا فيما بدا محاولة لحشر غريمتها حركة فتح ومصر أيضا في الزاوية.

ويحذّر فلسطينيون من أن إصرار حماس على أن يكون لها اليد الطولى في هذا الملف سينسف المساعي المصرية في بدء مسار الإعمار، وسيعمق معاناة سكان القطاع الذين تضرّرت منازلهم وأملاكهم خلال التصعيد الأخير، حيث أن لا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي في وارد تقديم أي دعم لبدء العملية دون “ضمانات” بعدم استفادة حماس منها.

وتسعى مصر إلى استعادة دور إقليمي تاريخي تراجع كثيرا بعد الأزمات المتلاحقة التي شهدتها منذ العام 2011، وشكل دورها في إنهاء جولة العنف في غزة خطوة في هذا المسار.

وخلّف التصعيد الأخير بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني 260 قتيلا فلسطينيا بينهم 66 طفلا ومقاتلون، وفق الأجهزة التابعة لحماس. وفي الجانب الإسرائيلي قُتل 12 شخصا بينهم طفل ومراهقة وجندي، على ما أكدت خدمة الطوارئ والإسعاف.

Thumbnail

واندلع التصعيد على خلفية قضية حي الشيخ جراح في القدس الشرقية حيث العشرات من العائلات الفلسطينية مهددة بإخلاء منازلها لصالح جمعيات استيطانية. ويعتقد كامل السيد أن مبادرة إعادة الإعمار “بعثت برسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن مصر طرف فاعل في الشرق الأوسط”.

وكان الرئيس الأميركي جو بايدن أجرى للمرة الأولى منذ تنصيبه اتصالين الشهر الماضي وفي أقل من أسبوع، بنظيره المصري لمتابعة الوضع في غزة. وأوفد كذلك وزير خارجيته أنتوني بلينكن ليلتقي بالسيسي خلال زيارة سريعة إلى القاهرة في إطار جولة له في المنطقة.

وأوضح بلينكن خلال تلك الجولة التي شملت إسرائيل والأراضي الفلسطينية وعمان، أن بلاده لن تسمح بأن يكون لحماس أي دور في إعمار غزة. ويرى مراقبون أن خيار تولي الأمم المتحدة بالتعاون مع مصر إعمار غزة يبقى أمرا واردا في ظل استمر الاستعصاء الفلسطيني.

وغيّرت مصر نظرتها إلى حركة حماس في الأعوام الأخيرة خصوصا بعد إعلان الحركة العام 2017 فك ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها السلطات المصرية “كيانا إرهابيا”، ويعتبر كثيرون أن هذا التحول نابع من وعي مصري بجدوى احتواء الحركة بدل مواجهتها. ويقول السيد إن “مساعدات إعادة الإعمار قد تجعل مصر طرفا مقبولا لدى حماس.. وليس ببعيد أن نرى حماس تساعد مصر في مسألة تأمين الحدود”.

وظهرت تعليقات متباينة من المصريين على منصات التواصل الاجتماعي حول قرار تقديم المساعدات إلى قطاع غزة. وانتقد البعض هذا القرار خصوصا في ظل الوضع الاقتصادي الحالي المتردي في البلاد بسبب تداعيات وباء كوفيد – 19، فيما أبدى البعض الآخر دعمه له. وكتب مستخدم مصري على موقع تويتر “مفترض عدم خروج مساعدات كثيرة ونحن أولى بها”.

وفي المقابل كتب آخر على موقع فيسبوك “تخصيص 500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة خطوة رائعة.. المهم الأموال تظل تحت سيطرة مصر لتشغيل الشركات والعمالة والمنتجات المصرية”.

وقرر السيسي، حسب ما نقلت وسائل الإعلام المحلية، توجيه معدات وأطقم هندسية مصرية إلى قطاع غزة عبر معبر رفح البري للمساهمة في إزالة أنقاض المنازل المهدمة. ويتوقع رئيس اتحاد مقاولي التشييد والبناء المصري محمد سامي أن “تكون خطة إعادة الإعمار في دور الإعداد حاليا”.

ويقول “غزة تمتلك إمكانيات بشرية كبيرة، فلا أعتقد أنهم سيبقون في المنازل ويتركون القادمين من الخارج للعمل”، لكن قطاع البناء المصري قد يستفيد من هذه المبادرة التي “تعتبر امتدادا للمشروعات القومية من حيث إنتاج وتوريد مواد البناء وتشغيل عمالة هذا القطاع ذات الدخل المنخفض”.

وتقول سميرشاك “علينا أن نرى من الذي سيفوز بالعقود التي تبلغ قيمتها الملايين من الدولارات.. من سيحصل بالفعل على الأموال”، لمعرفة فائدة المبادرة من الناحية الاقتصادية. وتضيف “أغلب الظن ستلعب الشركات المملوكة للجيش دورا مركزيا في العملية وتستفيد من التعهدات البالغة 500 مليون دولار”.

Thumbnail
2