حرب يوليو تخرق "جدار الصوت" في مهرجان القاهرة

فيلم المخرج اللبناني أحمد غصين يعبّر عن أجيال لبنانية فاقدة للحلم في وطن خرّبته الميثولوجيا.
الأربعاء 2019/11/27
مكان واحد جامع لكل تناقضات الشعب اللبناني

رغم أن فيلم “جدار الصوت” تدور معظم أحداثه بين جدران منزل قديم في جنوب لبنان، فإنه لا يمكن خلال مشاهدته أن يتسرب الملل للمشاهد. ساعة ونصف الساعة من التشويق والترقب لكل مشهد بعد الآخر. تجلى فيهما إعجاب جمهور مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ41، وهو ما ظهر في شكل تعليقات ومناقشات تبادلها الحضور عقب انتهاء العروض.

 القاهرة – ينافس الفيلم اللبناني “جدار الصوت” في المسابقة الدولية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي تمتد فعاليات دورته الحادية والأربعين حتى 29 نوفمبر الجاري، وهو أحد الأفلام المرشحة لحصد جوائز مختلفة في المهرجان، بعد أن حصل على ثلاث جوائز في الدورة الـ76 من مهرجان فينسيا الدولي، منها الجائزة الكبرى في فئة أسبوع النقاد الدولي، وجائزة الجمهور.

“جدار الصوت”، هو الفيلم الروائي الأول للمؤلف والمخرج اللبناني أحمد غصين، والمستقى من أحداث حقيقية وقعت خلال حرب يوليو 2006 التي شنتها إسرائيل على لبنان.

وتدور أحداثه حول شاب يتوجه إلى مسقط رأسه في الجنوب، بحثا عن والده لاصطحابه إلى العاصمة بيروت، هربا من الحرب فيجد خرابا، ويظل عالقا في أحد المنازل مع أصدقاء والده القدامى، ويداهمهم القصف والحصار، مسلطا الأضواء على قضية صراع الأجيال بين الآباء والأبناء، والمآسي والقصص الإنسانية التي يتعرّض لها المدنيون خلال الحروب.

البحث عن تمويل

أحمد غصين: لبنان بلد متخم بالأزمات، والألم قادر على توليد الحكايات
أحمد غصين: لبنان بلد متخم بالأزمات، والألم قادر على توليد الحكايات

“العرب” التقت أحمد غصين على هامش مهرجان القاهرة السينمائي، وقال “لا أحدد الأطر الخاصة بي، وقد أصنع أفلاما وثائقية، وأخرى تجمع بين الروائي والوثائقي، أو أصنع فيديوهات لعرضها في المعارض والمتاحف، لكن بدأت فكرة الفيلم منذ فترة، واستغرقت الكتابة وقتا لأن الفيلم عمل صعب، وتدور أحداثه في مكان واحد فقط، لذلك صادفتني العديد من الصعوبات في الإنتاج والتمويل”.

عن مشكلة التمويل قال أحمد غصين، إن تلك المشكلة عامة يعاني منها الكثير من المخرجين العرب، حيث يُكتب الفيلم ثم تبدأ رحلة البحث عن تمويل، خاصة في لبنان لعدم وجود صندوق دعم وطني للسينما. وتعتمد الأفلام اللبنانية على المنح التمويلية، ويستغرق الأمر وقتا حتى تجد منتجا يؤمن بالفيلم ورسالته.

وأوضح، أن السينما في غالبية الدول العربية صعبة، فلا توجد صناعة سينما في لبنان، وتعتمد بشكل رئيسي على السينما المستقلة والتجارب الفردية التي يسعى أصحابها للبحث عن تمويل عبر مؤسسات داعمة لتمويل أعمالهم، مع ذلك حفرت السينما اللبنانية بصمتها في تظاهرات سينمائية كبرى وحظيت بتقدير ونجاح دولي.

وأشار إلى أنه ليس مصادفة أن كل فيلم يكون مخرجه هو مؤلفه، “فموضوعاتنا شائكة ولبنان بلد متختم بالأزمات ومثقل بالمشكلات والأوضاع الاجتماعية العصيبة، والألم قادر على توليد القصص والحكايات السينمائية”.

عاش أحمد غصين، حرب يوليو مثل كل اللبنانيين، ورأى أنها الحرب الأولى التي يعايشها جيله فعليا. ورغم قصرها، كان تأثيرها ممتدا، وتلتها سنوات من الاضطرابات والاغتيالات.

فيلم “جدار الصوت” بطولة كرم غصين وبطرس روحانا وعادل شاهين وسحر منقارة، مثّل تحديا لأن أحداثه تدور في مكان واحد، واهتم بالتفاصيل البسيطة وليس فقط بالقصة، ما جعله يستغرق وقتا للتوفيق بين الخط الدرامي وبين الشاعرية التي يعرض من خلالها تفاعلات الأشخاص المحتجزين في المنزل لتتحوّل الأزمة إلى صراع من أجل البقاء على قيد الحياة.

وكشف فيلم غصين الروائي الأول، وكذلك أفلامه القصيرة السابقة، أنه يهوى تضفير القضايا السياسية مع نظيرتها الإنسانية، وعن ذلك قال لـ“العرب”، “لا توجد سينما إلا وتحتوي على أهداف سياسية، فكل شيء في حياتنا يتعلق بها، لكن السينما ليس هدفها البروباغاندا. وحاول الفيلم التركيز على الحروب في الشرق الأوسط وكيف تطحن المواطنين، وتفنيد ماهية الانتصار، حيث أعلن حزب الله انتصاره، بينما ثمة ضرورة لإعادة مناقشة وتعريف الانتصار، لأننا خرجنا من الحرب منهكين”.

وشدّد في حواره مع “العرب”، على أن “الفرد ينسحق في ظل آلة الحروب، وقصة الفيلم ليست جديدة بين أفلام الحروب، غير أن المعضلة هي كيفية المعالجة والرسالة التي يحملها العمل، حيث تناول شخصياته المحدودة والعالقة باضطراباتهم ومشكلاتهم النفسية، وأسئلتهم الوجودية ومصيرهم المجهول وسط آلة الحرب الجهنمية التي تحيط بهم وتقمعهم، وهو ما كنت مهتما بتوضيحه.. وأنا لا أهتم فقط بالحدوتة، بل تشغلني الشاعرية في السينما، فالقصة قد تخرج من الأدب لكن يمكن أن تُستقى أيضا من الشعر”.

ولعب الصوت عنصرا محوريا في الفيلم، وبدا كرابط في الأحداث مع المحاصرين بين جدران المنزل القديم والقصف الدائر في الخارج، فيما تم تغييب الجنود الإسرائيليين الذين احتلوا سطح المنزل، وواصلوا القصف وضرب الرصاص، نسمع أصواتهم وهم يتبادلون الأحاديث، ولم نر هذا العدو، لذلك أفسح مخرج الفيلم مساحة كبيرة لأصوات القذائف والصواريخ وطائرات الهليكوبتر.

وشرح المخرج اللبناني، أنه استخدم الصوت لخدمة الأفكار التي أراد طرحها باللغة السينمائية التي يجرّب صناعتها عبر صياغة توافق بين الصوت والصورة، وهو أمر معتاد عليه واتّبعه في فيلمه السابق “أبي مازال شيوعيا”، وهو يهوى أن يميز متى يتطابق الصوت مع الصورة ومتى يتفارقان، ليس لخدمة القصة واللغة السينمائية والمشاعر التي ينقلها للمشاهد كي لا ينفصل عن الأحداث، لذا لم يهتم بتصوير الجنود واعتبر تغييبهم عنصرا مبدئيا وسينمائيا قويا.

وحاول غضين نسج تكامل بين كل عناصر الفيلم، والاعتناء بما يحدث خارج المنزل، لتخرج الكاميرا وتتنفس ثم تعود لتظل عالقة هي الأخرى بالداخل، وأولى اهتماما بالأبطال وردود أفعالهم الأولى، فهم لا يفهمون ما يحدث لهم، بجانب حرصه على معالجة القضايا السياسية التي تحدث في بلاده.

وأكد غصين، أن الفيلم حرص على مناقشة إشكالية جيل يعيش في دائرة مفرغة، يريد الفرار من هذه البلاد، وهو شخصيا يردّد دائما أنه يسعى إلى مغادرة لبنان، لكنه تراجع ولا يعرف سببا للتراجع، رغم كل الاختناق والأسباب التي تدفع إلى الرحيل، كذلك حال بطل الفيلم “مروان” الذي يريد الفرار والهجرة، مثل الجميع ولم يحسم قراره، وهو أيضا يعكس حال الكثيرين في لبنان.

وقال، “كلنا نريد الفرار ولا نريده في الوقت ذاته، لكن نحن مقتنعون أن البلد لا يمكن العيش فيه. ويطرح الفيلم الصراع بين الشباب والجيل القديم في منطقة اختطفتها وتحكمت فيها (الميثولوجيا)، والأجيال السابقة غير مهزومة مع ذلك فقدت حقها في الحلم”.

السينما والحرب

فيلم مستقى من أحداث حقيقية وقعت خلال حرب يوليو 2006 التي شنتها إسرائيل على لبنان
فيلم مستقى من أحداث حقيقية وقعت خلال حرب يوليو 2006 التي شنتها إسرائيل على لبنان

قد لا تكون أحداث الفيلم حول الحرب ولأفراد عالقين تحت ضرب النار جديدة، لكن معالجتها جاءت مختلفة. واستطاع العمل أن يجذب الجمهور منذ اللقطة الأولى وحتى الأخيرة، ويجعله مترقبا ومتوترا ومنتظرا المزيد من التشويق، ولعب المونتاج دورا محوريا في خروج الفيلم بصورة واقعية.

نوّه غصين في حواره مع “العرب”، إلى أنه وفريق العمل نجحوا في تقديم وجبة متوازنة، جعلت المشاهد متعايشا مع أحداث الفيلم، بل ويترقب مصير أبطاله هل سيعيشون أم سيموتون؟

ومن بين الهموم التي شغلت غصين كمخرج، أنه لا يطمح إلى فيلم مشوق فحسب بل إلى عمل يحمل مضمونا ورسالة، وهذه مسألة صعبة، ولهذا وفق المونتاج في القيام بهذا الدور، حيث أعاد غصين كتابة الفيلم بالمونتاج من جديد لتحقيق معادلة التوازن بين التوتر بجانب تمرير لحظات مريحة وشاعرية ضمن الأحداث مع الرسائل السياسية الكثيرة التي يحويها.

لم تكن هذه الرسائل مباشرة، وتركت لتنساب بين الأحداث، متخذة من حرب يوليو خلفية للفيلم، وهنا قال غصين إن اهتمامه الأول انصب على صناعة السينما واللغة السينمائية، وليس على تضمين السياسة المباشرة والحرص على إبراز نتائج الحرب وليس الحرب نفسها.

16