حديث الساعة

الساعة البيولوجيّة لا تخلص إلاّ لصاحبها وتصمت معه وإلى الأبد.
الخميس 2019/11/07
ساعة أخرى تدقّ أجراسها

آخر ما يمكن أن تشير إليه الساعات الفخمة في معاصم الأثرياء هو الزمن، حتى أنّ أحد الماكرين من صيّادي الفرص وصفقات العمل قد أسرّ لي يوما بأنّ أول ما يلفت اهتمامه، ويُسيل لعابه هو الساعة في معصم محدثه، فإن كانت من “ماركة ثقيلة” أنصت إليه باهتمام وشغف، وإن كانت من ذاك الصنف الاعتيادي الرخيص، دخل الكلام من أذنه اليمنى وخرج من اليسرى.

سألته: وماذا عن المعيار الكلاسيكي لوجاهة الرجل وأناقته أي الحذاء كـ”بنية تحتية” تعكس جميع بناه الفوقية وتتحكم حتى في إيقاع مشيته ونظرة السيدات إليه؟ أجابني بأني ما زلت “متواضع الطموح، ولا أتقن النظر إلى الأعلى”، ذلك أن من الأثرياء من ينتعل خفّا عاديا، ويلبس ثوبا تقليديا ثم أردف قائلا: ألم تلاحظ أن الأثرياء يتهادون الساعات وليس الأحذية أيها المغفل؟

انتبهت، ساعتها، لماذا يكثر حديثو النعمة من الإشارات بأياديهم في المجالس أثناء أحاديثهم، وذلك كي يتعمّدوا إبراز “نعمة الله عليهم” من ساعات سويسرية فخمة وخواتم مرصعة بالأحجار الكريمة.

صحيح، لماذا يتباهى السويسريون بصناعة وبيع الساعات والسكاكين والبنادق في متاجرهم؟! هل لأنهم لم يعرفوا الحرب في تاريخهم أم أنهم يبيعون كل ذلك لغيرهم ويكتفون هم بما لديهم من بنوك فاحشة وطبيعة وادعة، وأبقار تطوّق رقابها الأجراس.

عدت حانقا من كلام صديقي، وأمعنت النظر بتشفّ واضح إلى أحشاء الساعات وأشلائها وهي تتناثر على طاولة جاري الساعاتي العجوز، لكني أشفق عليه وهو يصلح ويعيد النبض إلى دقات سوف تهزم دقات قلبه.

الساعات المنتصبة في ساحات المدن، بدورها، ليست أقل عدوانية من تلك التي تسكن صالوناتنا أو تطوّق معاصمنا (عفوا معاصمهم)، إنها تذكّر المارّين والعابرين بقول الشاعر “من سرّه زمن ساءته أزمان”.

مشكلة هذا الذي يمشي على قدمين ويحمل رأسا بين كتفيه، وساعة في معصمه، أنه يحب تقسيم كل شيء، من المسافات التي بدأت بالخطوات والأذرع والأشبار، وانتهت إلى السنوات الضوئيّة في مزج غريب بين الأمكنة والأزمنة.

وماذا بعد؟… نجوم تبهرنا نتأملها، نرعاها ونظنها ما زالت على قيد الحياة وهي التي انطفأت منذ ملايين السنين..! ما فائدة الحسابات حين يغيب المحسوب! لو تعلم الساعات أنّ هي أيضا لها عمر لأضربت عن الدوران.

أخيرا، هناك ساعة أخرى تدقّ أجراسها تحت الضلوع، لا تخلص إلاّ لصاحبها وتصمت معه وإلى الأبد، وهي تلك التي يسمونها بالساعة البيولوجيّة.. إنها تشبه ساعة الكاتب الفرنسي، سانت إكزيبري، صاحب “الأمير الصغير” الذي سقط بطائرته في عرض البحر ثم وجد أحد الغوّاصين ساعته الفضيّة التي نقش عليها اسمه بعد عشرات السنين، تفحّصها فوجدها صامتة، حدادا على صاحبها.

24