حبر على سترات بيضاء

علاقة المغاربة، والعرب بشكل أعم، بالكتابة في مجال الطب ليست جديدة. لكن التأليف انحصر تماما في هذا المجال.
السبت 2019/10/05
لم يعد هناك تأليف طبي عربي

بخلاف الحديث عن تراجع البحث العلمي في العالم العربي، تبدو كثير من الأرقام التي تهم منجزات هذا البحث مدهشة. ولعل آخر هذه الأرقام هي التي  تحملها دراسة الباحثة المغربية حنان الغول والتي تخص الإنتاج العلمي على مستوى الإنتاج في مجال الطب بالمغرب، من خلال نموذج كلية الطب والصيدلة بمدينة الدار البيضاء. وهي المعطيات التي تؤكد تغطية أكثر من سبعين في المئة من إنتاج باحثي الكلية من طرف قواعد المعطيات الدولية المحكمة.

والحقيقة أن علاقة المغاربة، والعرب بشكل أعم، بالكتابة في مجال الطب ليست جديدة. وإن كان التأليف في المجال قد عاش لحظات مشرقة عرفت كثافة على مستوى الأعمال، ولحظات أخرى، اتسمت بالانحصار.

ويرسمُ الباحث عبدالعزيز بن عبدالله في دراسته “طبقات الأطباء بالمغرب الأقصى”، صورةً مشرقةً عن واقع ممارسة الطب والكتابة عنه بالمغرب الأقصى، خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، باعتبارهما أولى لحظات الازدهار التي عرفها المجال. وهي اللحظات التي اتسمت بإسهام عدد من الأسماء الأندلسية في مجال الطب، ومن بينها بشكل أساس، ابن جلجل، الذي عَرَّب مفردات الطبيب اليوناني ديسقوريدس، وعبدالملك بن حبيب السلكي القرطبي، صاحب مختصَر في الطب.

كما شكل حلولُ مجموعة من علماء الأندلس، خلال فترة لاحقة، أحدَ العوامل التي كانت وراء لحظة مشرقة عرفها عهد دولة المرينيين على مستوى علم الطب. وهي حركية تكمن إحدى أهمّ علاماتها في ظهور عدد هام من الأطباء المغاربة، ومنهم أبو العباس الشريشي السلوي، وابن البنا الأزدي المراكشي.

واستعادَ الاهتمامُ بعلم الطب بعضَ حضوره خلال عهد السعديين، وذلك بعد لحظات أفول. وتكمن أهم مؤشرات ذلك في تكاثرِ عدد الأطباء والصيادلة، “حتى كان لهم رئيس يرجعون إليه في الشؤون الفنية، ويُرخِّصُ للمتخرجين الجدد بمزاولة التطبيب والعلاج بعد الاختبار والتثبت”، حسب الباحث محمد حجي.

كما تجلت هذه المظاهر من خلال تحقيقِ تراكم هام على مستوى التأليف، كان من علاماته ظهورُ أعمال أبي القاسم الوزير الغساني، صاحب الرحلة الشهيرة “رحلة الوزير في افتكاك الأسير”، ومن بينها معجمه النباتي “حديقة الأزهار في شرح ماهية الشعب والعقار”.

وبالرغم من هذه اللحظات المشرقة، لم يكن التأليف في مجال الطب يستطيع أن يساير دائما التحولات التي تعرفها طبيعة الأمراض. وهو الأمر الذي يعكسه على سبيل المثال انحصار المؤلفات التي تتناول مرض الطاعون، والتي يغطيها مرجع هام وهو “معجم طبقات المؤلفين” لعبدالرحمن ابن زيدان، في المؤلف الواحد.

والأكيد أن ذلك لا يعكسُ طبيعةَ السياقات التي أُلف فيها. وهي سياقات عرفت انتشارَ الأمراض والأوبئة، نتيجة المجاعات والأزمات الغذائية، كما حدث في القرن السابع عشر. وهو القرن الذي شهد، حسب الباحث محمد استيتو، أوبئةً أثناء ثلاثة وثلاثين سنة. وذلك بسبب الاضطرابات السياسية والحروب. ومن ذلك ما ارتبط بمخلفات حصار مولاي رشيد العلوي لمدينة فاس، أو بالكوارث الطبيعية، ومنها الزلزال الذي ضرب نفس المدينة.

وتحمل وفاةُ عدد من العلماء والفقهاء، بسبب الطاعون، ومن بينهم أبو سالم العياشي، صاحب الرحلة الشهيرة “ماء الموائد”، أكثرَ من دلالة على مستوى حجم وقوة هذه الأمراض والأوبئة، التي مست بشكل كبير، خلال الفترات المذكورة أو غيرها، البنياتَ الديموغرافية العامة للمغرب.

وفي نفس السياق، انحصر التأليف في مجال الأغذية والأشربة، حسب معجم ابن زيدان، في أربعة عناوين فقط. وبشكل مفارق لذلك، كان المجالُ نفسُه موضوعا لأكثر من ضعف هذا العدد من العناوين، على مستوى تناوله في إطار “فقه الأطعمة والأشربة”. وهو تناول همَّ أساسا تحريمَ السكَّر أو الرد على ذلك. ومن ذلك مؤلف في تحريم سكر القالب لأحمد بن عبدالمالك الشريف العلوي. وقد أشار المؤرخ عبدالرحمن ابن زيدان في كتابه “الإتحاف”، بخصوص دعوة هذا الأخير إلى تحريم السكر، إلى كونه “كان لا يقبل شهادة من يشربه”، بدعوى أن “ما جُهل حكمه يجب التوقف عنه”.

واستمرار لهذا الانحصار، لم يُساير الاهتمام بالطب، خصوصا مع حلول القرن الثامن عشر، وتيرةَ التطورات التي عرفها الطب الغربي تحديدا.

ويُعتبر في هذا السياق، واقعُ تدريس الطب، خلال تلك المرحلة، أحدَ تجليات هذا الوضع. وهَمَّ ذلك، سواء جامعة القرويين، أو غيرها من المراكز، سواء داخل مدينة فاس، أو خارجها.

أما فيما يتعلق بالبعثات العلمية التي أرسلها، على نحو خاص، الحسنُ الأول، فلم يكن بإمكانها أن تخلق تحولا جذريا على مستوى الاهتمام بالطب. وذلك لاعتبارات ترتبط باهتمام أغلب هذه البعثات بالصناعات العسكرية البسيطة، وبمحدودية عدد المستفيدين منها، حيث ضمت البعثة، التي تم إرسالها خلال نهاية القرن التاسع عشر والموجهة إلى جبل طارق، طالبا واحدا لتعلم الطب.

بينما سيُضيع المغرب لحظة دخول الطباعة باعتبارها فرصة لتوسيع مجال التأليف في الطب، حيث لم يتجاوز ما صدر في المجال، ما بين نهاية القرن التاسع عشر وخمسينات القرن الماضي، عشرة مؤلفات. وهو ما يرتبط بشكل أساس باختيارات توظيف الطباعة، والتي قادها أساسا هاجس ترسيخ الثقافة الدينية.

يختزل أحمد بن محمد الصبيحي، في كتابه “أصول أسباب الرقي الحقيقي”، الصادر في بداية القرن العشرين، وضعيةَ  تراجع الاهتمام بالطب وبالكتابة فيه، خلال المرحلة، بشكل دال: “أهْمَلنا الطب الذي هو علم الأبدان المحتاج إليه في كل الأزمان وبقية العلوم، مع أنها جميعها قد اعتنى بها علماءُ الإسلام وألَّفوا فيها التآليف البديعة في نفسها وباعتبار وقتها. قلتُ في نفسها وباعتبار وقتها لأن بعض العلوم السابقة كالطبيعية والرياضية والاستعمارية (كذا) قد مَهَر فيه الأورباويون (…). ولكن اللوم ليس عليهم، وإنما اللوم علينا نحن معشر خلفهم الذين لم نبال بهم مبالاتهم فنبني على ما أسسوه وننقحه التنقيح الذي عندنا من وسائله ما لم يكن عندهم”.

15