حالة طوارئ صحافية في لبنان سببها صورة لميشال عون بالبيجاما

مواقف وزير الإعلام جورج قرداحي تثير المخاوف حول حرية التعبير في لبنان.
الخميس 2021/10/14
ممنوع انتقاد "فخامة الرئيس"

نشرت صحيفة "الشرق" اللبنانية التي يرأس تحريرها نقيب الصحافيين اللبنانيين عوني الكعكي صورة مفبركة لميشال عون بالبيجاما مثيرة بذلك حالة من الجدل الواسع في الأوساط الصحافية اللبنانية.

بيروت- اقتحمت مجموعة من الحرس القديم في لبنان مقر جريدة “الشرق” اللبنانية وأجبرت موظفيها على الاعتذار لرئيس الجمهورية ميشال عون على خلفية صورة مفبركة نشرتها الصحيفة على صفحتها الأولى.

وحضرت قوة من الجيش إلى المقر، بعدما صعد بعض أعضاء الحرس القديم، وهي مجموعة موالية للتيار الوطني الحر مهمتها ملاحقة منتقدي التيار، إلى مداخل مكاتب الجريدة وعلقوا صورا لرئيس الجمهورية، كتب عليها “فخامة الرئيس تاج رؤوسكم”. ورددت المجموعة هتافات مؤيدة لعون وأخرى نددت بالتطاول على مقام رئيس الجمهورية.

ويعرف عن الحرس القديم استهدافه للإعلام المنتقد لعون والتيار إذ سبق أن حقق “عملية نوعية” ضد الإعلام تمثلت في “رمي نفايات على قناة الجديد”.

وفجرت صحيفة “الشرق” حالة طوارئ إعلامية في البلاد بعدما نشرت على صفحتها الأولى صورة مفبركة للرئيس ميشال عون بلباس البيجاما، وأرفقتها بتعليق جاء فيه “اللباس الرسمي للجنرال بمناسبة ذكرى 13 تشرين 1990″، في إشارة إلى “هروب عون بالبيجاما إلى السفارة الفرنسية”.

يذكر أن الصورة متداولة منذ سنوات على مواقع التواصل الاجتماعي وينشرها لبنانيون بشكل دائم للسخرية من عون وعهده.
ولفت مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية اللبنانية، في بيان، إلى أنّ “صحيفة ‘الشرق’ لصاحبها عوني الكعكي، تستمرّ بإهانة موقع رئاسة الجمهورية، عبر نشر صور كاذبة ومزوّرة ومركّبة لرئيس الجمهوريّة ميشال عون، إضافةً إلى أخبار مختلقة ولا أساس لها من الصحّة”.

وشدّد على أنّ “إمعان عوني الكعكي في تقصّد إهانة رئاسة الجمهورية، عبر التشويه والتزوير ووضع الصور المهينة والمركبة في خانة الخبر وعلى الصفحة الأولى، من دون التلطّي حتّى خلف خانة ‘الخبر الساخر’ أو ‘الكاريكاتير’، يؤكّد المؤكّد وهو أنّه دخيل على مهنة ونقابة قدّم العديد من أعضائها دمًا في سبيل رقي المهنة ورسالتها”.

وأشار البيان، إلى أنّ “الرئاسة الّتي اختارت تجاهل اعتداء الصحيفة المتكرّر، على قاعدة عدم إعلاء الصغائر وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، البخس في هذه الحالة، تسأل نقابة الصحافة مجلسًا وأعضاءً، الّتي يدّعي عوني الكعكي تمثيلهم، عن موقفهم من الإساءة المستمرّة لموقع رئاسة الجمهورية، قبل الولوج في الإساءة إلى شخص الرئيس وتحقيره، والّتي يحاكم عليها القانون بمواد تصل حدّ السجن وسحب الرخصة من الصحيفة”.

وأوضح أنّ “الرئاسة تتريّث بإجراء المقتضى القانوني، أوّلًا لقطع الطريق أمام مدعي الصحافة لعب دور الضحيّة تحت شعار حرية الرأي والإعلام، وثانيًا للإفساح في المجال أمام الشرفاء في هذه المهنة والنقابة، لأخذ الموقف الأخلاقي الّذي يمليه عليهم ضميرهم المهني والوطني”.

وشدّد على أنّ “إمعان عوني الكعكي في تقصّد إهانة رئاسة الجمهورية، عبر التشويه والتزوير ووضع الصور المهينة والمركبة في خانة الخبر وعلى الصفحة الأولى، من دون التلطّي حتّى خلف خانة ‘الخبر الساخر’ أو ‘الكاريكاتير’، يؤكّد المؤكّد وهو أنّه دخيل على مهنة ونقابة قدّم العديد من أعضائها دمًا في سبيل رقي المهنة ورسالتها”.

جورج قرداحي لم يخف توجهاته لتقويض النمط القائم على حرية التعبير في الإعلام اللبناني

من جانبه، أوضح مجلس نقابة الصحافة اللبنانية أن “ما يُنشر في جريدة الشرق ينشر باسم عوني الكعكي بصفته رئيس التحرير وناشر وصاحب جريدة الشرق وليس بصفته نقيبا للصحافة”.

وأكد المجلس “احترام موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كما كل المواقع الرئاسية الرسمية الأخرى ومقامات المراجع الدينية والروحية”. وناشد المجلس “مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية التوجه في مثل هذه الحال إلى الجهة الصالحة والمخولة النظر بهكذا قضايا ليس فقط في الصحافة المكتوبة بل أيضا المرئية والمسموعة”.

وكان مجلس نقابة الصحافة اللبنانية قد عقد اجتماعا طارئا برئاسة النقيب عوني الكعكي خصص لمناقشة مناشدة مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية حول ما ينشر في جريدة “الشرق”.

واستنكر وزير الإعلام جورج قرداحي بشدة ما قام به الكعكي وما يقوم به أي صحافي أو إعلامي آخر بحق رئيس الجمهورية، أو أي شخصية عامة أخرى. وناشد الإعلاميين الالتزام بآداب المهنة وأخلاقياتها.

وكتب قرداحي في سلسلة تغريدات على حسابه على تويتر “طبعا أنا أستنكر بشدة ما قام به نقيب الصحافة وما يقوم به أي صحافي أو إعلامي آخر في حق السيد رئيس الجمهورية، أو أي شخصية عامة أخرى، وأناشد إخواني الإعلاميين التزام آداب المهنة وأخلاقياتها، وأطالب القضاء بالتحرك الفوري للدفاع عن كرامات الناس وحقوقهم وحريتهم وخصوصيتهم”.

في المقابل انتقد إعلاميون رئاسة الجمهورية، مؤكدين أن “العهد العوني يواصل ممارساته القمعية ومحاولاته تحويل الاعلام اللبناني إلى إعلام بلاط يبجل ويهلل لإنجازات غير موجودة”، كما انتقدوا تضامن وزير الإعلام جورج قرداحي مع رئاسة الجمهورية ليكرس بذلك قمع الحريات والتعبير عن الرأي، لاسيما أن الأمور وصلت بقرداحي حد الطلب من القضاء التحرك ضد نقيب الصحافة.

وقبل أسبوعين انتقد قرداحي وسائل الإعلام في بلاده معتبرا أنها تمارس “اعتداء على كرامة السياسيين”. واستهجن صحافيون وعاملون في قطاع الإعلام اللبناني تصريحات قرداحي التي تنتصر للسياسيين وتصادر حرية التعبير ومبدأ أساسيا للصحافة وهو مساءلة ومحاسبة الطبقة السياسية، خصوصا في بلد مثل لبنان تعتبر فيه صحافة المساءلة ذات أهمية قصوى بسبب الفساد المستشري في البلاد والأزمات الاقتصادية التي تسبب بها السياسيون.

ويبدو قرداحي متمسكا بموقفه المنتقد لحرية التعبير في الإعلام رغم الجدل الواسع الذي أثارته تصريحاته السابقة عند تسلمه منصبه، والتي دعا فيها لعدم استضافة “المبشرين بالجحيم” في الشاشات اللبنانية.

ورأى البعض أن الإعلام اللبناني مقبل على موجة جديدة من القمع، خاصة أن قانون الإعلام الذي يُعمل عليه منذ سنوات، لم يستطع رؤية النور بالرغم من الخطابات المتتالية لوزيرة الإعلام السابقة منال عبدالصمد وتفاؤلها بقرب إنجازه، دون الحديث عن الحريات الإعلامية والدفاع عنها في مواجهة الخروقات والاستدعاءات والاعتداءات على الإعلاميين خلال العامين الماضيين.

مجموعة من الحرس القديم في لبنان مقر جريدة "الشرق" اللبنانية وأجبرت موظفيها على الاعتذار لرئيس الجمهورية ميشال عون على خلفية صورة مفبركة نشرتها الصحيفة

وأكدت عبدالصمد في تصريحات سابقة، أن حرية الصحافة والتعبير تراجعت في لبنان منذ 2010 وليس منذ 2015، وفقاً للمعطيات الواردة لديها. وأوضحت أن هذا التراجع سببه عدة عوامل، أبرزها عدم وجود قوانين تحمي الصحافيين، في ظل الصراعات الداخلية التي تجعل كل شخص لديه رأي مختلف، مُحارب من الطرف الآخر.

وقدمت وزارة الإعلام منذ أشهر تعديلات جوهرية على اقتراح ”قانون الإعلام” لحماية جميع الصحافيين والإعلاميين، بانتظار إقرارها في مجلس النواب، لكن لم يتم إقرارها. وتعزز التعديلات حماية الصحافيين والإعلاميين من أي انتهاك أو تضييق قد يتعرضون له، وتلغي محكمة المطبوعات، بحيث تُحال أفعال الإعلام أمام محكمة مختصة بالإعلام.

ولم يخفِ قرداحي توجهاته لتقويض النمط القائم على حرية التعبير في الإعلام، الذي يكفله الدستور اللبناني، متحدثا عن ضوابط للإعلام ويطالب بأن تكون نصوصا ضمن القانون المزمع إقراره.

16